الخميس
٢٠ نوفمبر
| مرحبا بك مع جوريسبيديا موسوعة القانون المشارك الجامعية . الدعوة عامة للمشاركة بـحساب جديد ( أو دخول مشترك) .لكن - عند الاشتراك - يرجي تفعيل بريد الكتروني سليم لاسترجاع كلمة السر عند فقدها ولمراقبة التغييرات .دائما ننصحك الدخول بواسطة اسم الاشتراك لحماية الخصوصية و اظهار الرسائل ومتابعة نشاط الموسوعة.
| يوجد عدد٣٬٤١٠ مقالة فهرس كل المقالات |
قوى الأمن الداخلي (sy)/مسائل متعلقة بعمل الشرطة
من جوريسبيديا, الموسوعة الحره
الجمهورية العربية السورية
قوى الأمن الداخلي في سوريّة (١)
الباب الثالث : مسائل متعلقة بعمل الشرطة
| ابواب الدراسة حسب ترتيبها |
......... تقسيم الدراسة
الباب الثالث : مسائل متعلقة بعمل الشرطة |
تمهيد : سارت قوى الأمن الداخلي في القطر العربي السوري خلال السنوات الماضية بخطواتٍ متقدّمة في اتّجاه الاعتراف بالعمل الشرطي كمهنة تستحقّ الاحترام . لكنّ معظم ما أمكن تحقيقه في هذا الصدد ( وكما هو الحال بالنسبة لأغلب مجالات الخدمة العامّة الأخرى ) يتّصل بالتقدّم العلمي والفنّي في الأساليب والمعدّات والوسائل المستخدمة لإنجاح مهامّ العمل الشرطي المختلفة ، أمّا النواحي السلوكيّة والاجتماعيّة لجهاز الشرطة فإنّها لم تساير ركب التقدّم بنفس هذه الدرجة ، ومازال الوضع يتطلّب بذل المزيد من الجهود لتنمية علاقات المواطنين بالشرطة وتحقيق الارتباط والتعاون بين الطرفين . والشرطة مطالبةَ في مجتمعنا الحديث بالتنفيذ الرشيد والمتعقّل للقانون ( مع إحداث أقلّ درجات الإيلام للخاضعين له ) ، وهي في معظم الحالات الّتي تمارس فيها مهامّها سيتطلّب الموقف منها تنفيذ قوانين لم تقم هي بوضعها أمام جمهور غير متعاونٍ عادةً ( بالرغم من أنّ الواقع السوري بالنسبة لهذه النقطة واقع إيجابيّ بالمقارنة بالدول الأخرى ، وسأشير إلى هذه الفكرة في نهاية البحث ) ، ولكنّ احتمال حدوث الاعتراض والمقاومة في كلّ الظروف الّتي تؤدّي فيها الشرطة مهامّها أمر وارد جدّاً ، ما يجعل من العمل الشرطي عملاً ذا طبيعةٍ حساسةٍ ، وما يجعل من حاجة رجال الشرطة إلى أن يتمتّعوا بالامتياز والتفوّق والحكمة في قيامهم بأعمالهم أمراً لا غنى عنه لإنجاح العمل الشرطي . والمطلوب إذاً تمسّك عناصر هذه المؤسّسة ب(أخلاقيّات المهنة) كما ينبغي أن تكون ، من أجل تنمية علاقات إيجابية مع المواطنين وتحقيق المهامّ الموكولة تحت جناح القانون وبين يديه وليس من خلفه .
لذلك رأيت أن أستعرض في فصول هذا الباب بعض المسائل القانونيّة المتعلّقة بعمل الشرطة وغيرهم من الموظفين المنوط بهم تنفيذ القانون ، ابتداءً من الشكوى أو الإخبار الّذي يتلقّاه رجال الشرطة أو يخبَرون به ، ومروراً بتفتيش المساكن وضبط الأشياء وأعمال التحرّي والقبض ، باعتبارها من أعمال الضابطة العدليّة الّتي تقوم الشرطة بها لبيان كيفيّة قيامها به وحدوده وضوابطه . إضافة إلى الأمور الأخرى المتعلقة بعمل الشرطة أو الناتجة عنه، بالنسبة للسلاح واستعماله والاختصاص المكاني والوظيفي للشرطة والممانعة والتحقير الذي يمكن لرجال الشرطة أن يتعرضوا له أثناء عملهم ، وأخيراً المحظورات الّتي لا يجوز لهم القيام بها والّتي تعرّضهم للمساءلة القانونيّة وأهمّها حجز حرّيّة المواطن أو انتزاع الاعترافات منه بالإكراه وإساءة الشرطة لاستعمال سلطتها أو استغلال نفوذها .
الفصل الأوّل : في الإخبارات والشكاوي
أوّلاً- في الإخبارات :
إنّ الإخبار أو الشكوى هما الطريقتان الشائعتان اللتان يتمّ من خلالهما إيصال المعلومات أو إبلاغ موظّفي الضابطة العدليّة ورجال الشرطة ( المساعدين للنائب العامّ ) بوقوع جريمة ما ، حيث لا يمكن أبدا أن يوجد هؤلاء في كلّ مكان ليصل إلى علمهم وقوع الجرائم فور ارتكابها . والإخبار عمل يقوم به شخص لم يتضرّر شخصيّا من الجريمة ، ولكنّه يخبر ( دوائر العدالة) بوقوعها ونجد أنّ الإخبار نوعين فيما يتعلّق بالجهة الّتي تقوم به :
1 – الإخبار الرسمي : نصّت المادّة 25 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة على أنّ : على كلّ سلطة رسميّة أو موظّف علم أثناء إجراء وظيفته بوقوع جناية أو جنحة ، أن يبلّغ الأمر في الحال النائب العامّ المختصّ ، وأن يرسل إليه جميع المعلومات والمحاضر والأوراق المتعلّقة بالجريمة. ويجب هنا التوسع في مفهوم السلطة الرسميّة والموظف المذكورين في هذه المادّة ، بحيث يشمل مفهومهما كلّ موظّفي الدولة ، وليس ضروريّاً أن يكون القانون قد أوكل لهم مهمّة استقصاء الجرائم مادام علمهم بالجرائم أو معرفتهم بحدوثها قد تمّ أثناء ممارسة الوظيفة ، وإلّا فإنّ أحكام الإخبار العادي هي الّتي ستكون منطبقة على إخبارهم فيما لو حدث خارج الوظيفة .ويرسل هذا الموظّف إخباره إلى النائب العامّ كتابةً في كتابٍ رسميٍّ أو عاديٍّ ، يبّين فيه الجرم وظروفه والمعلومات الّتي حصل عليها .
2– الإخبار العادي : وهو الّذي بحثت فيه المادّة 26 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة : 1 ـ من شاهد اعتداء على الأمن العامّ أو على حياة أحد الناس أو على ماله ، يلزمه أن يعلم بذلك النائب العامّ المختصّ. 2 ـ لكلّ من علم في الأحوال الأخرى بوقوع جريمة أن يخبر عنها النائب العامّ. ونجد أنّ الفقرة الأولى من هذه المادّة تلزم ( كلّ إنسان) من الناس إذا رأى بأمّ عينه اعتداءً على الأمن العامّ أو على حياة أحد الناس أو ماله بأن يخبر النائب العامّ ، وأمّا الفقرة الثانية فإنّها تتحدّث عن حريّة المواطن في الإخبار عن الجريمة إذا كان لم يشاهدها بعينه بل علم بوقوعها علما ، ولا عقاب عليه إذا لم يقم بالإخبار ( فيما عدا الجنايات الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي وفق المادّة 388 من قانون العقوبات السوري ، حيث عقوبة من لم يبلغ عن وقوع جناية على أمن الدولة في الحال هي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات مع المنع من الحقوق المدنية) . كما أنّ المادّة 389 من قانون العقوبات السوري نصّت على معاقبة الموظّف الّذي يرجيء أو يهمل الإخبار عن وقوع الجريمة بحيث اعتبرت: - إذا كان هذا الموظّف من المكلّفين بالبحث عن الجرائم (كمعاون النائب العامّ ومدير الناحية ) فإنّه يعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات مع الغرامة مائة ليرة سوريّة . - أمّا إذا لم يكن الموظّف من زمرة الضابطة العدليّة ( كالجباة مثلاً ) فيعاقب فقط بالغرامة مائة ليرة سوريّة . ولا عجب في ذلك ومقصد هذه المادّة واضح ، لأنّه من غير المقبول أن يقوم الموظّف المكلّف بالبحث عن الجرائم واستقصائها ، بإهمال الإخبار عنها أو إرجاء هذا الإخبار أو تعطيله ! . وبذلك يفترق الإخبار العادي عن الإخبار الرسمي . ولا نتصوّر أنّ رجال الشرطة وهم معاوني النائب العامّ ( أي يتلقّون الإخبارات عن وقوع الجرائم المختلفة بنوعيها السابقي الذكر ) ، سيقومون بالسكوت عن الجرائم الّتي يعلمون بها أثناء وظيفتهم أو في معرض القيام بها ( ولا يجب أن يحدث ذلك حتّى ولو كانوا خارج الوظيفة ) ، ولكنّنا وبصدد البحث بنوعية الإخبارات الّتي يتلقّاها رجال الشرطة وكيفيّة حصول هذه الإخبارات ، نجد أنّها تصدر إمّا من أشخاص معروفين بالنسبة لمتلقّي الإخبار أي ما يعرف ب(المخبرين) ، أو هاتفيّا بعد التعرّف على شخص المخبر والتأكّد منه إلى حدّ ما ، أو شخصيّاً بالحضور إلى دائرة الشرطة من أجل هذا الإخبار وهو أمر نادر الحدوث إلّا إذا تعلّق بذات المبلّغ ( المخبر) ، ومادام متعلّقا بذاته فيجب أن يكون مدّعياً ما يستدعي قيامه بالشكوى ( التي تختلف عن الإخبار ) ، وتبقى صفة الرسميّة للإخبار الّذي يقوم به رجال الشرطة للنائب العامّ بوقوع جريمة ما و يقوم هو بإنابتهم من أجل ملاحقة الجريمة ومتابعتها والتحقيق فيها . وأنوّه أخيراً إلى أنّ الإخبار قد يكون مكتوماً لا يعرف صاحبه مبدئيّاً ، أو معلناً من شخص معروف ، ولا يوجد في القانون ما يسمح بالأخذ بالإخبار المكتوم ، ولا يمكن الادّعاء بهذه الطريقة أمام القضاء . لكنّ الشرطة قد تأخذ بهذه الطريقة في الإخبار في حالات محدودة وضيّقة إذا شعرت أنّها صادقة وظهر من الظروف أنّ المخبر يخشى فعلاً من الإفصاح عن هويّته . والفقرة الثانية من المادّة 314 من قانون العقوبات السوري نصّت على أنّ على النائب العامّ أن يعلم المتّهم المبرّأ بأسماء الأشخاص الّذين أخبروا عنه ، ما لم تقرّر المحكمة خلاف ذلك . ليستطيع هذا المتّهم ( المبرّأ) من ملاحقة المخبر عنه كذباً بالتعويض وبتهمة الافتراء إذا تحقّقت شروطها . ولم يخرج نظام خدمة الشرطة عن القاعدة العامّة في وجوب ملاحقة ( المفتري ) على رجال الشرطة عند قيامهم بمهامّهم فنصّت المادّة 226 من هذا النظام على أنّه : إذا أتت إخباريّة مفتراة عن أحد عسكريي الشرطة ، فلا يجوز إجراء التعقيبات العدليّة بالمفتري إلّا بعد صدور قرار بمنع محاكمة المظنون فيه أو صدور حكم ببراءته. و التعقيبات العدليّة بالمفتري تجري دائماً بناءً على طلب من قائد قوى الأمن الداخلي.
وأمّا في حال كون المفتري ليس من رجال الشرطة فإنّ محكمة النقض تذهب إلى اعتبار أنّ: الإخبار المقدّم إلى ضبّاط الضابطة العدليّة العسكريّة ينتج أثره بالنسبة لجرم الافتراء. نقض سوري – جناية 191 قرار165 تاريخ 26/2/1956 قاعدة 858 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 592
وأورد هنا هذا البلاغ الصادر عن وزارة العدل برقم 33 وتاريخ 31 / 10 / 1960:
يعمد البعض إلى الافتراء على رجال الشرطة والأمن ، مسندين إليهم جرائم ارتكبت أثناء قيامهم بالوظيفة ، أو بمناسبتها ، مقدّمين ادّعاءات شخصيّة بحقّهم ومؤدّين السلفة والكفالة المطلوبتين قانوناً لإقامة الدعوى العامّة.
وبما أنّ قسماً كبيراً من هذه الادّعاءات يظهر عدم جدّيته بنتيجة التحقيق.
وبما أنّ فسح المجال أمام الادّعاءات غير الصحيحة من شأنه أن يؤدّي إلى إصابة رجال الشرطة والأمن بفتور في نشاطهم ، وبالتالي إلى تنصّلهم من المسؤوليّة ، ولا يخفى ما لذلك من أثر كبير على الأمن.
لذلك نرغب من السادة القضاة وأعضاء النيابة ، التأكّد من جدّية الادّعاء الشخصي، ومدى صحّته ، حتّى إذا كان الأمر ليس كذلك ، عمدوا إلى رفع مبلغ الكفالة ، بغية الحدّ من الادّعاءات غير الجدّية أو الصحيحة.
دمشق في 31 / 10 /1960 وزير العدل
وأمّا عن الشكل الّذي يجب أن يتمّ فيه الإخبار فقد أوضحته المادّة 27 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة حين نصّت:
1 ـ يحرّر الإخبار صاحبه أو من ينيبه عنه بموجب وكالة خاصّة ، أو النائب العامّ إذا طلب إليه ذلك ، ويوقّع كلّ صفحة من الإخبار النائب العامّ والمخبر أو وكيله.
2 ـ إذا كان المخبر أو وكيله لا يعرف كتابة إمضائه فيستعاض عن إمضائه ببصمة إصبعه ، وإذا تمنّع وجبت الإشارة إلى ذلك.
3 ـ تبقى الوكالة مرفقة بورقة الاخبار ، وللمخبر إذا شاء أن يستخرج على نفقته صورة عن إخباره.
والملاحظ أنّ هذه الشكليّات للدلالة وليس للتطبيق ، فغالباً توجّه الإخبارات بشكل مخالف لأحكام هذه المادّة ، سيّما إذا كان المخبر يخشى انتقام من قام بالإخبار عنه ، أو يخشى أن يلاحق بجرم الافتراء إذا برئت ساحة المتّهم ، ونجد أنّ هذه الشكليّات غير ذات فائدة ولقد قام القانون الفرنسي الجديد لعام 1958 بإلغاء الشكليّات في الإخبارات والشكاوي .
وتذهب محكمة النقض في سورية في أحد اجتهاداتها إلى القول :
لا تتوافر في الإخبار الصفة القانونيّة ما لم يكن مكتوباً وموقّعاً عليه من قبل صاحبه أو وكيله القانوني ، ولا قيمة له إذا كان قولاً مجرّداً.
لا يتمّ الافتراء إلّا بوجود الإخبار المنظّم وفقاً للقانون ، فإذا لم يوجد في القضيّة إخبار رسمي فلا يكون الافتراء قائماً.
جناية أساس 1147 قرار 820 تاريخ 22/9/1984
قاعدة 126 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 136
وجاء في قرار لمحكمة النقض السورية أيضاً :
يتحقّق جرم الافتراء بإخبار المفتري رجال الشرطة وتوقيعه لديهم لأنّ هؤلاء أعوان النائب العامّ ، فكأنّ المفتري أخبر النائب العامّ فحرّر الاتّهام.
ومن حيث أنّ الفقرة الأولى من المادّة 23 من الأصول الجزائيّة تنصّ على أنّه يحرّر الإخبار صاحبه أو من ينيبه عنه بموجب وكالة خاصّة أو النائب العامّ إذا طلب إليه ذلك ويوقّع كلّ صفحة من الإخبار النائب العامّ والمخبر أو وكيله. ومن حيث أنّ من مؤدّى ذلك أنّ الإخبار يمكن تحريره من قبل صاحبه أو النائب العامّ إذا طلب إليه ذلك.
ومن حيث أنّ رجال الشرطة هم من رجال الضابطة العدليّة الّذين يساعدون النائب العامّ في إجراء وظائف الضابطة العدليّة بمقتضى المادّة / 8 / من الأصول الجزائيّة. ومن حيث أنّ إمكان تحرير الإخبار من قبل الضابطة العدليّة يكون بناء على أقوال المخبر أو الشاكي حيث تدوّن أقواله ويؤخذ توقيعه عليها وهذا ما وقع فعلاً في هذه الدعوى. ومن حيث أن افتراض تقديم مخطوط موقّع من قبل المدّعى عليه لا يستند إلى أساس إذ أنّ ذلك يكون في حال الادّعاء أو الشكاية. أمّا الإخبار فلا سند لوجوب تقديم تحرير ما في النصوص القانونيّة سيّما وأنّ اجتهادات هذه المحكمة المستقرّة تفيد وجوب إخبار رسمي موقّع، وكان اكتساب الصفة الرسميّة للإخبار إنما تستكمل بتصديقها وتوقيعها من قبل المرجع الرسمي الّذي هو النائب العامّ أو مساعدوه في القيام بأعمال الضابطة العدليّة.
(جناية أساس 144 قرار 24 تاريخ 20 / 1 / 1974)
وورد في قرار آخر لمحكمة النقض السوريّة :
إن المادّة (393) من قانون العقوبات قد نصّت على عقوبة من قدّم شكاية أو إخبار إلى السلطة القضائيّة فعزا إلى أحد الناس جرم يعرف براءته منه. جاء في المادّة (27) من الأصول الجزائيّة إنّ الإخبار يحرّره صاحبه ويوقّع على كلّ صحيفة منه ونصّت المادّة (59) منه على أنّ أحكام الإخبار تسري على الشكوى أيضا .
وكان ظاهراً من ذلك أنّ الإخبار أو الشكوى يجب أن يكون خطيّاً وموقّعاً عليه من صاحبه وهذا غير متوفّر في هذه الدعوى فإنّ الشعبة السياسيّة اطّلعت على الحادثة وأوعزت إلى رجال الشرطة بالتحقيق ، وهذا ما يؤدّي إلى فقدان الوثيقة المؤلّفة لكيان الجريمة وينتهي الأمر إلى اعتباره كأن لم يكن .
ومتى فقد الإخبار أو الشكوى أو انعدم وجودها القانوني فإنّ ما يترتّب عليها من الافتراء يصبح غير موجود أيضا وينعدم كذلك التحريض عليه .
قرار : 2701 / 196 8أساس: غير متوفر اجتهادات الموسوعة القانونية الجزائية تصنيف انس كيلاني - اجتهاد رقم 1122قرارت محكمة النقض السورية 1964 ـ 1972 - اجتهاد رقم 835
ثانياً- في الشكاوي :
تصدر الشكوى عن المتضرّر بالجريمة وتقدّم إلى النيابة العامّة ، وليس إلى أيّ من دوائر الشرطة (فالشكوى تتمّ إحالتها إلى الشرطة من قبل النائب العامّ ومعاونوه في النيابة إذا استلزمت التحقيق وقرّر النائب العامّ أو النيابة العامّة قبوله ، كما أنّ للنيابة إحالتها إلى قاضي التحقيق إذا رأت أنّ هذه الشكوى غير واضحة الأسباب ). ولا تختلف الشكوى من حيث أشكالها ونتائجها عن الإخبار إلا في أنّها تصدر من المتضرّر نفسه ، ولكن إذا رافقها ادّعاء شخصي فإنّ النيابة العامّة تجبر على إقامة الدعوى العامّة بحقّ المدعى عليه . فيصبح المدّعي الشخصي طرفاً في الخصومة ويحقّ له أن يطلب التعويض ، ويذهب الاجتهاد القضائي إلى أنّ قاضي التحقيق أيضاً مجبر في حال تقديم الادّعاء الشخصي له وليس إلى النيابة العامّة على القيام بالتحقيق في الجرم موضوع الادّعاء ، حتّى بدون موافقة النيابة أوفي حال رفضها. والسبب أنّ الادّعاء الشخصي يعرّض صاحبه في حال فشله إلى المسؤوليّة المدنيّة والجزائيّة ، ولا يقدم عليه غالباً إلّا من كان واثقاً من ادّعائه . إضافةً إلى أنّ بعض الجرائم لا يمكن للنيابة العامّة إقامة الدعوى العامّة فيها إلّا بوجود ادّعاء شخصي من المتضرّر( كالزنا والقدح . .) . ومع ذلك ذهبت محكمة النقض السورية إلى أنّ : التصريح في ضبط الشرطة من المتضرّر بإقامة الدعوى يكفي لتحريك الدعوى العامّة. نقض سوري ـ جنحة 3953 قرار 42 تاريخ 17/12/1963 قاعدة 1526 ـ شرح قانون العقوبات ج2 ـ أديب استانبولي ـ ص 1325 و : يكفي لاكتساب صفة الادّعاء الشخصي مراجعة المتضرّر مخفر الشرطة وطلبه في إفادته الفوريّة مجازاة المدّعى عليه. قرار: 547 / 1956أساس : 586 / 1956اجتهادات اصول المحاكمات الجزائية ـ تصنيف استانبولي ج1 ـ اجتهاد رقم 246 و: الشكوى الحاصلة عن طريق المراجعة الشفويّة للشرطة أو للقاضي تكفي لتحريك الدعوى التي تعلّق إقامتها على شكوى. جنحة أساس 1043 قرار 1171 تاريخ 17/12/1950 قاعدة 16 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 36 ونجد أنّه فيما يتعلّق بالإخبارات أنّ المشرّع قد فرّق بين ثلاث حالات في قرار لمحكمة النقض السوريّة : الأولى: الإخبار الّذي أوجبه على السلطات والموظّفين (المادّة 25 من الأصول الجزائيّة) وألزم به كلّ من شاهد اعتداءً ليعلم بذلك النائب العامّ المختصّ (مادّة 26 من هذا الأصول). الثانية: الشكوى الّتي يقدّمها كلّ شخص يعدّ نفسه متضرّراً من جرّاء جناية أو جنحة (مادّة 57 و59 بدلالة المادّة 27 أصول). الثالثة: الدعوى الشخصيّة الّتي نصّت عليها المادّة 60 من الأصول الجزائية وقد اعتبر الإخبار والشكوى سبباً في تحريك الدعوى العامّة إذا قنع بأحدهما ممثل النيابة العامّة أوأجبر النيابة العامّة على تحريك هذه الدعوى. إذا أقام المتضرر نفسه مدّعياً شخصيّاً وفاقاً للشروط المعيّنة في القانون (ف 2 من المادّة الأولى أصول جزائيّة). ومن هذه الفروق يتّضح أنّ النيابة العامّة لا تجبر على تحريك الدعوى العامّة كلّما أقام المتضرّر نفسه مدّعياً شخصيّاً دون أن يوفّق عمله على الشروط المعينة في القانون ، ويبقى للنائب العامّ الّذي يتلقّى الإخبارات والشكاوي الّتي ترد إليه (مادّة 20) أن يحفظ منها ما يرى أنّه لا يؤلّف جرماً أو لا دليل عليه (مادّة 51 أصول) ، وقد أوجبت (المادّة 49 أصول) على موظّفي الضابطة العدليّة ومساعدي النائب العامّ أن يودعوا إليه بلا إبطاء الإضبارات ومحاضر الضبط. وفي الفقرة 1 و 2 من المادة 51 من الأصول يحيل النائب العامّ تحقيقات الضابطة العدليّة إلى قاضي التحقيق أو إلى المحكمة مباشرةً ، حسب مقتضى الحال وفي الفقرة 3 يشفع الإحالة بادّعائه ويطلب ما يراه لازماً. وحيث أنّه متى أقام الشاكي دعواه الشخصيّة وصرّح أنّه يطلب المجازاة وإعادة أمواله المسروقة ، وأنّه مستعدّ لأداء السلفة القانونيّة فإنّه يعتبر ولا شكّ ناصباً نفسه مدّعياً شخصيّاً، ولا يبقى عليه إلّا توفيق عمله هذا على المادّة الأولى ف 2 ـ 1 والمادّة 60 من الأصول الجزائيّة بأداء السلفة فإذا تولّت المحكمة عن تحديد السلفة يبقى عمله من جانبه في حدود القانون ويمارس حقوق المدّعي الشخصي كلّها ، فيستأنف الحكم ولو ذهلت المحكمة عن دعوته إلى المحاكمة الّتي انتهت بحكم أصدرته في غيبته ، أمّا إذا أصر على كلّ طلبات المدّعين الشخصيين قولاً وحضوراً دون أن يؤدّي سلفة الادّعاء فلا يعتبر مدّعياً شخصيّاً بالمعنى الّذي يجبر النيابة العامّة على تحريك دعواها هذا الإجبار الّذي أوضحته المادّة الأولى من الأصول الجزائيّة ، وعندئذ يكون تحريك الدعوى العامّة من مرجعها بناءً على الإخبار وحده أو الشكوى أو الدعوى الشخصيّة غير المتوافقة مع شروط القانون على عاتق النيابة العامّة التي تحرّكها بلا رسم أو تأمين ولا يلاحق بالرسم الشاكي الّذي نصّب نفسه مدّعياً شخصيّاً ولم يوفّق عمله مع القانون بتأدية التأمين ، بدليل ترتيب الشكاوي وما تضمّنته المادّتين 51 و58 أصول من حقّ النائب العامّ في إحالة الشكاوي مشفوعة بادّعائه وبطلب ما يراه مناسباً ، أمّا المتضرّر فقد نصت الفقرة 2 من المادّة 58 أصول على وجوب التقيّد في دعواه بتعجيل النفقات والرسوم ، وقد نصّت المادّة 62 على إمكان إعفاء المدّعي الشخصي من نفقات الدعوى ورسومها كلّها أو بعضها إذا منعت محاكمة المدّعى عليه بقرار من قاضي التحقيق أو قاضي الإحالة واتّضح حسن نيّة المدّعي من شكواه ، ونصّت المادّة 202 أصول على مثل هذا ونصّت المادّة 126 عقوبات على أنّ النفقات على الفريق الخاسر ، والشاكي ليس بفريق في الدعوى إذ لا يقبل منها قبل تعجيل السلفة ومن المستقرّ فقهاً واجتهاداً أنّ الشاكي لا يضمن الرسوم. ومن كلّ ذلك يتّضح أنه لا يمكن اعتبار الشاكي المتّخذ صفة الادّعاء الشخصي والّذي امتنع عن أداء السلفة مسؤولاً عن رسم الدعوى الّتي حرّكتها النيابة أو قاضي الصلح ، لصفته ممثّلاً لها بتحريك الدعوى لما يملكه من اتّخاذ الإجراء المناسب متى تلقّى الإخبارات والشكاوي دون أن يتقيّد بقواعد السلفة الّتي من حقّه أن يشترط تعجيلها ليقيم الدعوى العامّة، حتّى إذا حرّكها قبل التعجيل وبقي الشاكي ممتنعاً عدّت الدعوى محركة باسم النيابة العامّة. (جنحة أساس 1419 قرار 1149 تاريخ 27 / 4 / 1964) وأرى أنّه لا دور للشرطة إطلاقاً في ( تلقّي ) الشكاوي ، لأنّ الّذي يحدث عمليّاً أنّ المتضرّر من جرم قد يذهب إلى دائرة الشرطة مباشرةً ( ليشتكي ) فيشير عليه رجال هذه الدائرة بأنّ عليه أن يذهب إلى المحامي العامّ في المحافظة أو إلى النيابة العامّة فيها ليقدّم ( معروضاً) يتّخذ فيه صفة الادّعاء الشخصي بحقّ المدّعى عليه ، ويتمّ تكليفه بدفع السلفة القانونيّة ثم يحال إلى قسم أو فرع الشرطة المختصّ ليصار إلى التحقيق من قبلهم بالجرم المدّعى بوقوعه أو بالواقعة الّتي يشتكي منها . والانتقادات الموجهة إلى هذا الأسلوب في التعامل مع الشكاوي كثيرة ومتناقضة ، فمنها ما يرى أنّه أسلوب معقّد وشكلي ولا داعٍ له وليذهب المتضرّر ( المشتكي ) فوراً إلى الشرطة مادام سيحال إليها ، وإذا كان لا بدّ من دفع السلفة والتصريح بالادّعاء وطلب التعويض فليتمّ هذا في دائرة الشرطة نفسها ( وقد اعتمدت هذه الطريقة في مصر من الناحية العمليّة . . حيث توجد دوائر النيابة إلى جانب المباحث والشرطة في نفس المبنى ) . ومن هذه الانتقادات ما يرى عكس ذلك فإجراءات الادّعاء الشخصي وكلفته ( الّتي لا تتعدّى مائة ليرة سورية ) أمر بالغ الخطورة إذا لم تحكمه الضوابط الّتي تفيد التأكّد من صحّة هذا الادّعاء ، خاصّة إذا نظرنا إلى الآثار المترتّبة عنه بحقّ المدّعى عليه ما قد يستدعي توقيفه أو محاكمته أو الإساءة إليه في ألطف الأحوال .
جاء في بلاغ وزارة العدل رقم 1 لعام 1963 :
نذكّر السادة قضاة المحاكم والدوائر القضائية بضرورة تقدير الكفالة الواجب دفعها كشرط لإقامة دعوى الحقّ العامّ على الموظّف بجرم ناشىء عن الوظيفة أو له علاقة بها ، بشكل يتناسب مع أهميّة الجرم المدّعى وقوعه من قبل الموظّف على المتضرّر حتّى لا يترك المجال لإقامة الدعاوى الكيدية بحقّ الموظّفين إذا كان مقدار الكفالة بسيطاً.
دمشق في 3 / 1 / 1963 وزير العدل
ولكن مالعمل إذا كان المشتكي على حقّ وليس للشرطة أو النيابة أو قاضي التحقيق أن يقرّروا هذا الأمر ؟
ويطالب رأي ثالث أكثر موضوعيّةً في تعامله مع هذه المعضلة بإنشاء جهاز مستقلّ للضابطة العدليّة يوضع تحت إشراف قاضي التحقيق وحده (وهذا ما فعلته بلجيكا ) ، أو يرتبط بالنيابة العامّة وعلى كل حالّ ومادام هذا غير موجود حاليّا فإنّه من الضروري الالتفات وبشكل غاية في الجديّة إلى تدريب ضبّاط الشرطة وصفّ الضبّاط فيها على الدراسات القانونيّة ولو بصورة مختصرة ، على ما يتعلّق بأعمالهم الّتي يقومون بها بوصفهم مساعدين للنائب العامّ يتلقّون الإخبارات وتحال الشكاوي إليهم لكي يتفهّموا هذا الدور القانوني الّذي يضطلعون به ، ويساعدوا القضاء على القيام بمهامّه عن طريق تحريّات واستثباتات سليمة لا تقصير فيها ولا تجاوز .
وجدير بالذكر أن القانون يعاقب على الافتراءات و الإخبارات الكاذبة الّتي يمكن أن تصدر عن الموظّفين أو الأشخاص العاديين في المادّتين 392 و 393 من قانون العقوبات : مادّة 392 من أخبر السلطة القضائيّة أو سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائيّة عن جريمة أنّها لم تقترف ، ومن كان سبباً في مباشرة تحقيق تمهيدي أو قضائي باختلاقه أدلّة ماديّة على جريمة كهذه عوقب بالحبس مدّة لا تتجاوز الستة أشهر وبغرامة لا تزيد على المائة ليرة أو بإحدى العقوبتين.
مادّة 393
1 ـ من قدّم شكاية أو إخباراً إلى السلطة القضائيّة أو إلى سلطة يجب عليها إبلاغ السلطة القضائيّة ، فعزا إلى أحد الناس جنحةً أو مخالفةً يعرف براءته منها أو اختلق عليه أدلّةً ماديّةً على وقوع مثل هذا الجرم عوقب بالحبس من شهر إلى ثلاث سنوات.
2 ـ وإذا كان الفعل المعزو يؤلّف جناية ، عوقب المفتري بالأشغال الشاقة المؤقّتة عشر سنوات على الأكثر.
3 ـ وإذا أفضى الافتراء إلى حكم بالإعدام أو بعقوبة مؤبّدة فلا تنقص عقوبة الأشغال الشاقة عن عشر سنوات ويمكن إبلاغها إلى خمس عشرة سنة.
ولقد أوردت محكمة النقض السوريّة فيما يتعلّق بالتفريق بين هاتين المادّتين الاجتهاد التالي : إنّ الافتراء إنّما يتمّ على طريقتين أولاهما ما نصّت عليه المادّة 392 من قانون العقوبات ، وهي تتعلّق بافتراء جرم لم يقترف ولم ينسب إلى أحد ويكون المفتري سبباً في مباشرة التحقيق عن فاعل مجهول لذلك الجرم ، وفي أشغال الدوائر الرسميّة بأمور لا حقيقة لها ، وهذا الافتراء هو من نوع الجنحة على كلّ حال وسواءً كان الإخبار متعلقاً بجناية أو جنحة... والطريقة الثانية ما نصّت عليه المادّة 393 وهي تتعلّق بالافتراء عن جرم منسوب إلى شخص معين بنيّة سيّئة وبقصد الإضرار به ، ويكون من نوع الجنحة إذا كان الجرم المفترى به من هذا النوع ويكون جناية إذا كان الجرم جنائي الوصف. سورية قرار جنائي 432 ا 11/6م966 قق 830 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 1115
الفصل الثاني : في تفتيش المساكن وضبط الأشياء والأوراق
أوّلاً - في تفتيش المساكن :
صان الدستور السوري حرمة المساكن ، ومنع الدخول إليها أو تفتيشها إلّا في الأحوال الّتي يجيزها القانون . فلقد جاء في المادّة 31 من الدستور السوري : المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلّا في الأحوال المبيّنة في القانون . والسبب أنّ تفتيش المسكن فيه قهر لإرادة المواطن ويمسّ حرمةً ينبغي لها أن تصان ويؤذي الناس في حياتهم الخاصّة ، ولذلك كلّه وجب أن يكون التفتيش عملاً قضائيّاً . ويعاقب قانون العقوبات في مادتّه 557 : من دخل منزلاً أو مسكناً آخر أو ملحقات مسكنه أو منزله خلافاً لإرادته ، بالحبس مدّة لا تتجاوز الستّة أشهر . وهو ما يعرف بجريمة ( خرق حرمة منزل) . وتشدّد العقوبة فيما إذا كان الفاعل موظّفا ويدخل المنزل بهذه الصفة دون أن يراعي الأصول الّتي أوجبها القانون للقيام بهذا العمل وفق المادّة 360 من قانون العقوبات السوري الّتي نصّها : 1- كلّ موظّف يدخل بصفة كونه موظّفا منزل أحد الناس أو ملحقات المنزل في غير الحالات الّتي ينصّ عليها القانون ، و دون مراعاة الأصول الّتي يفرضها يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات . 2- و لا تنقص العقوبة عن ستّة أشهر إذا رافق الفعل تحرّي المكان أو أيّ عمل تحكّمي آخر أتاه الفاعل . وجاء في نظام خدمة الشرطة في المادّة /64/: بيت كلّ فرد من الناس حرم لا يجوز انتهاكه ، فإذا دخلت الشرطة عدّت مسيئة استعمال نفوذ وظيفتها إلّا في الحالات التالية : 1- في النهار يحقّ لها أن تدخله لسببٍ واردٍ بصراحةٍ في قانون . 2- في الليل لا يحقّ لها الدخول إلى البيت إلّا إذا حدث فيه حريق أو طغت عليه المياه أو صدر من داخله استغاثة . أمّا في غير هذه الحالات فيجب على الشرطة أن تكتفي بترصّد الدار حتّى تطلع الشمس، منتظرة ورود التعليمات إليها بجواز الدخول أو وصول السلطة الّتي يحقّ لها أن تطلب فتح الباب . وجاء في المادّة /65/ منه: فيما خلا الأحوال المذكورة في المادّة السابقة ، و خلا الجرم المشهود الآتي تعريفه في المادّة /67/ لا يجوز للشرطة أن تدخل بيتاً من البيوت بدون رضا صاحبه .
أي أنّ سبب العقاب الّذي أوجبه القانون بحقّ من يرتكب هذا الجرم هو الاعتداء على إرادة صاحب المنزل دون مسوّغٍ قانوني ، وهو الركن المادّي لهذه الجريمة وهذا ما أكّدته محكمة النقض السوريّة حين قالت :
إنّ المادّة 557 ق.ع حدّدت عقاب من دخل منزل آخر خلافاً لإرادته ، ومؤدّى ذلك أنّه لا عقاب على من دخل منزل آخر إلّا في حالة الاعتداء على إرادة صاحبه في الدخول إليه قسراً وبدون موافقته ، وهذا هو الركن الأساسي في الجريمة ، ولا وجود لها بدونه ، أمّا إذا تمّ الدخول إلى المنزل برضى من يملك الإذن بالدخول من أفراد الأسرة القاطنين مع صاحب المنزل كالزوجة مثلاً أو الابن أو الابنة وحتّى إذا تمّ الدخول بموافقة الخادمة ، فإنّ الدخول إلى البيت لا يؤلّف جرماً لانتفاء الركن الأساسي المكّون لهذا الجرم. نقض سوري ـ أحداث 347 قرار 75 تاريخ 24/3/1982قاعدة 1522 ـ شرح قانون العقوبات ج2 ـ أديب استانبولي ـ ص 1323 فالقانون أجاز لرجال الضابطة العدليّة المذكورين في المادّة 44 من الأصول الجزائية أن يدخلوا البيوت وأن يفتّشوها ( لضرورات الكشف عن آثار الجريمة في حالة الجناية المشهودة وبناءً على أمر قاضي التحقيق في الجنايات والجنح غير المشهودة وبناءً على طلب صاحب المنزل في كافّة الحالات ) .
وجاء في المادّة 33 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة : إذا تبيّن من ماهيّة الجريمة أنّ الأوراق والأشياء الموجودة لدى المدّعى عليه يمكن أن تكون مدار استدلال على ارتكابه الجريمة ، فللنائب العامّ أن ينتقل حالاً إلى مسكن المدّعى عليه للتفتيش عن الأشياء الّتي يراها مؤدّيةً إلى إظهار الحقيقة. وهذا يعني أنّ مبرّر التفتيش هو أن تكون الأشياء أو الأوراق الّتي يتمّ التفتيش من أجل الحصول عليها هي ( مدار استدلال على وقوع الجريمة ) ، والتفتيش الّذي يتمّ خلافاً لهذا هو تفتيش تعسفيّ ومخالف للقانون تجوز مقاضاة فاعله ومن حقّ محكمة الموضوع أن تشرف على حسن تنفيذ النص السابق من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة عند نظرها في الدعوى ، فهذا النص لم يوضع اعتباطاً بل لصيانة كرامات الناس وحرمات حياتهم الخاصّة. وبطلان التفتيش يعني بطلان كافّة الإجراءات الّتي ترتّبت عليه . حتّى أنّ : محكمة النقض المصريّة تذهب إلى أنّ قيام الضابط بالتفتيش خلافاًَ للأصول، يوجب على المحكمة أن تقرّر براءة المتّهم ولو أفضى التفتيش إلى العثور على موادّ مخدرة . نقض مصري – 24/4/1956 القضية رقم 181 لكنّ محكمة النقض السورية تنحو عكس هذا الاتجاه حين تقرّر في قضيّة مشابهة أنّ : مخالفة رجال الشرطة للقانون لا يؤدّي إلى إنكار ما نشأ عنه من الأمر الواقع والمشاهدة المحسوسة. إنّ محكمة الجنايات تشير في قرارها أنّ رجال الشرطة يقومون بتصنيع الأدلّة وتزوير الحقائق ، وجنحت بعد ذلك إلى براءة المدعى عليهما وكانت هذه المقدّمة لا تكفي لصدور حكم البراءة قبل أن تقوم المحكمة بالتحقيق عمّا أسندته إلى رجال الشرطة في ارتكابهم جرماً جنائيّاً يعاقب عليه القانون بالأشغال الشاقّة ، وكانت المادّة 298 من الأصول الجزائيّة قد أوجبت على رئيس المحكمة الجنائيّة أن يطلع المتّهم على الموادّ الجرميّة والّتي يمكن أن تكون مداراً للثبوت ويسأله أن يجيب بنفسه عنها ، وهل يقرّ بمعرفتها ، كما وأنّه يطلع الشهود عند الاقتضاء على الموادّ المذكورة وكان تطبيق هذه المادّة يعتبر من النظام العامّ لأنّه يؤثّر في حقّ الدفاع ، كما هو مؤثّر أيضاً في جهة الإثبات والذهول يؤدّي إلى الإخلال بإجراءات المحاكمة ويستدعي النقض . وكان على المحكمة لتمويل قناعتها كاملةً في هذه الدعوى أن تستدعي الشهود والخبراء ومنظّمي الضبط وتعلمهم مع المتّهمين على الموادّ الجرميّة ، وتقوم بالتحقيق حتّى يتبيّن لها الحقيقة واضحةً جليةً فتذهب إلى تطبيق أحكام القانون . وإنّ عمل الشرطة وإن كان مخالفاً للقانون إلّا أنّ ما نشأ عنه الأمر من الواقع والمشاهدة المحسوسة يشاهدها كلّ ذي عينين ، لا يمكن إنكاره والتغاضي عنه واعتباره كأن لم يكن فإذا تجاوز رجال الشرطة حدود وظيفتهم فإنّهم يعرّضون أنفسهم للعقوبة ، ولكنّ ذلك دون رؤية الأمر الواقع والمشاهدة المحسوسة. (جناية اساس 190 قرار 235 تاريخ 10 / 4 / 1965) وتنصّ مقدّمة المادّة/213/ من نظام خدمة الشرطة على أنّ : كلّ فعل من الشرطة يعكّر على الأهلين حرّيّتهم الشخصيّة يعد إساءة استعمال نفوذ الوظيفة ، فمن يرتكب هذا الجرم من الضبّاط وصفّ الضبّاط و الشرطيين يعاقب عقاباً انضباطيّا ما عدا التعقيبات العدليّة الّتي قد تجري عليه . ويسيء عسكرّيو الشرطة استعمال نفوذ الوظيفة إذا هم : - لم يراعوا القانون و الأصول الّتي أوعز بها في دخولهم سكن أحد من الأهلين. ولم يعرّف القانون المسكن أو البيت الوارد ذكرهما في نصوصه ، ولكنّ الاجتهاد القضائي يسير على معيار خصوصيّة المكان الّذي يعود للشخص ( المنزل والفناء والحديقة والمستودع والملحقات ..). والاجتهادات القضائيّة حول هذا الموضوع كثيرة منها : إذا وقع الدخول إلى حديقة البناية المشتركة فتكفي الشكوى من بعض سكانها. نقض سوري ـ جنحة 4160 قرار 732 تاريخ 23/3/1963قاعدة 1528 ـ شرح قانون العقوبات ج2 ـ أديب استانبولي ـ ص 1326 و: حظيرة الحيوانات المجاورة للدار تعتبر من ملحقاتها. نقض سوري ـ جنحة 2321 قرار 2078 تاريخ 22/9/1966قاعدة 1529 ـ شرح قانون العقوبات ج2 ـ أديب استانبولي ـ ص 1326 و : إذا كان الدخول إلى الحديقة الّتي هي من ملحقات البناية والعائدة إلى جميع سكانها يكفي مراجعة البعض منهم إلى الشرطة (الدخول كان ليلاً). (سورية قرار جنحي 732 تاريخ 23/3/963 قق 1275 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 2405) وأمّا بالنسبة للأماكن العامّة فيعتمد الفقه القانوني تقسيمها إلى ثلاثة أقسام : - محلّات عامّة بطبيعتها ( كالشوارع والساحات والحدائق العامّة. . ) وهذه لا يمكن تصوّر حدوث خرق حرمة المسكن أو ملحقاته فيها . - ومحلّات عامّة بالتخصيص ( كالمقهي والمعابد والمكتبات العامّة والمستشفيات . . ) وهذه يحقّ لرجال الشرطة وموظّفي الضابطة العدليّة دخولها للتأكّد من قيامها بتطبيق الأنظمة الخاصّة بها وضبط المخالفات ، ولكن لا يحقّ لهم دخولها للكشف عن جرائم من غير تلك المخالفات ويرى الأستاذ غورو : أنّ مجرّد إغلاق الباب في المحل العامّ حين يحين وقت إغلاقه يمنحه الحصانة الّتي للمسكن المصون. - ومحلّات عامّة بالصدفة أي ليست معدّة للجمهور لكنّها تصبح عامّة ( عند وجود اجتماع عامّ فيها مثلا . .) . وإنّ تفتيش المسكن يجب أنّ يتمّ ضمن الأصول الّتي أوجبتها المادّة 36 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة : 1 ـ تجري معاملات التفتيش المبيّنة في الموادّ السابقة بحضور المدّعى عليه موقوفاً كان أو غير موقوف. 2 ـ فإنّ رفض الحضور أو تعذّر حضوره جرت المعاملة أمام وكيله أو أمام اثنين من أفراد عائلته ، وإلّا فبحضور شاهدين يستدعيهما النائب العامّ. 3 ـ تعرّض الأشياء المضبوط على المدّعى عليه أو على من ينوب عنه للمصادقة والتوقيع عليها ، وإن امتنع صرّح بذلك في المحضر. وأخيراً فإنّه لا يجوز بأيّ حال من الأحوال لرجال الشرطة وموظّفي الضابطة العدليّة أن يتخطّوا عند قيامهم بالتفتيش في الحالات الّتي أجاز فيها القانون لهم هذا الإجراء ، القواعد الّتي فرضها الدستور والقانون صيانةً للحريّات العامّة وضمانةً لراحة المواطن وحمايته من نزعة المتسرّعين والمتهوّرين من الموظّفين الّذين قد يقومون بهذا العمل . وعلى رئيس المجموعة الّتي تقوم بتنفيذ هذه المهمّة ( سواء كان رجل شرطة أو النائب العامّ نفسه . . ) أن يقف بباب المنزل أو المسكن المراد تفتيشه ، ويعرّف عن نفسه ومهمّته ، ويستأذن بالدخول ، فإذا لم يؤذن له جاز أن يقتحم المكان بالقوّة بواسطة التسلّق أو كسر الباب وبالقدر الضروري للدخول و إنجاز المهمّة . وتقوم عناصر الشرطة الّتي ترافق موظّف الضابطة العدليّة خلال قيامه بالتفتيش أو التحرّي أو المصادرة ، وكذلك خلال مرافقتهم للموظّفين الآخرين ( كالتموين والبلديّة والصحّة . . ) الذّين يقومون بتنظيم ضبوط بحقّ المخالفين أو تنفيذ القرارات المتعلّقة بمخالفاتهم ( كالهدم أو إغلاق المحلّ المخالف وتشميعه . . ) يقوم هؤلاء العناصر ب (مؤازرة ) أولئك الموظّفين ، والمؤازرة لا تدخل في صلب العمل الّذي يقوم رجل الشرطة بأدائه ، فهي كما هو واضح من تسميتها عمل مساعد يقوم به تحت وصاية الموظّف صاحب الاختصاص الأصلي أو إلى جانبه ، ومن أجل ألّا يتعرّض للممانعة أو المضايقة ، ويجدر برجال الشرطة أن يتعاملوا مع المواطن في حالاتٍ كثيرةٍ بلطف وأن يقدرّوا أنّه قد يكون في وضع نفسيّ حرج ربّما يتصرّف بسببه بعنف وانفعال ، و من الجميل محاولة امتصاصهما لتنفيذ القانون بأقلّ الخسائر أو بدونها إذا أمكن ( كما قد يحدث في حالات الهدم أو تسليم الصغير إلى أحد أبويه بناء على قرار قضائي أو مصادرة بضاعة غير نظاميّة أو إخلاء مستأجر . . ) . ولقد أوضحت المادّة 41 من نظام خدمة الشرطة مفهوم المؤازرة حين قالت : المؤازرة معناها معاونة حكّام أو موظّفين أو مأمورين وهم قائمون بعمل داخل في نطاق صلاحيّتهم . فوظيفة الشرطة أثناء ذلك إنّما هي تأمين حريّة العمل للمكلّفين بتلك المهمّة ، و القيام بحمايتها بدون أن تشترك معهم بتنفيذ مهمّتهم لأنّ ذلك بوجه عامّ ليس من صلاحيّتها .
ثانياً- في ضبط الأشياء والأوراق
أجاز القانون ضبط الأشياء والأوراق الّتي تؤّيد أو تنفي التهمة عند إجراء التفتيش لمنزل المدّعى عليه من قبل رجال الضابطة العدليّة .
جاء في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة : في المادّة 35 1 ـ يعنى بحفظ الأشياء المضبوطة بالحالة الّتي كانت عليها . فتحزم أو توضع في وعاء إذا اقتضت ماهيّتها ذلك وتختم في الحالتين بخاتم رسمي. 2 ـ إذا وجدت أوراق نقديّة لا يستوجب الأمر الاحتفاظ بها بالذات لاستظهار الحقيقة أو لحفظ حقوق الطرفين أو حقوق الغير ، جاز للنائب العامّ أن يأذن بإيداعها صندوق الخزينة. وفي المادّة 97 1 ـ إذا اقتضت الحال البحث عن أوراق ، فلقاضي التحقيق وحده أو لموظّف الضابطة العدليّة المستناب وفقاً للأصول أن يطّلع عليها قبل ضبطها. 2 ـ لا تفضّ الأختام ولا تفرز الأوراق بعد ضبطها إلّا في حضور المدّعى عليه أو وكيله أو في غيابهما ، إذا دعيا وفقاً للأصول ولم يحضرا ، ويدعى أيضاً من جرت المعاملة عنده لحضورها. 3 ـ يطّلع قاضي التحقيق وحده على الرسائل والبرقيّات المضبوطة حال تسلّمه الأوراق في غلافها المختوم ، فيحتفظ بالرسائل والبرقيّات الّتي يراها لازمة لإظهار الحقيقة ، أو الّتي يكون أمر اتّصالها بالغير مضرّاً بمصلحة التحقيق . ويسلّم ما بقي منها إلى المدّعى عليه أو إلى الأشخاص الموجّهة إليهم. 4 ـ ينبغي أن ترسل أصول الرسائل والبرقيّات المضبوطة جميعها أو بعضها أو صورة عنها إلى المدّعى عليه أو إلى الشخص الموجّهة إليه ، في أقرب مهلة مستطاعة إلّا إذا كان أمر اتّصالها بهما مضرّاً بمصلحة التحقيق. 5 ـ أمّا الأوراق النقديّة فتطبّق عليها أحكام الفقرة الثانية من المادّة 35 . ورغم أنّ الاطّلاع على الأوراق أمر خطير لما من شأنه انتهاك أسرار الناس ، لكنّه ضرورة قد يكون لا بدّ منها لكشف الحقائق . والقانون حرص على أن يتمّ هذا الإجراء تحت مظلّته وفي حدود الشكليّات الّتي أوجبها بأن حصر حقّ الاطّلاع على هذه الأوراق والأشياء بضابط الضابطة العدليّة وفي المدّعى عليه أو وكيله أو اثنين من أفراد عائلته أو الشاهدين الّذين يتم استدعاؤهما لحضور عمليّة التفتيش ( أي نفس الأصول المتّبعة في التفتيش لجهة الحضور). وعندما يجد الضابط المكلّف أنّ هناك فائدة للتحقيق من ضبط الأوراق ، يتمّ حزمها ووضعها في مغلّف وختمها بالخاتم الرسمي ، ولا تفضّ بعد ذلك إلّا بحضور الأشخاص أنفسهم كي لا يتسرّب الشكّ إلى سلامة الإجراء ( كأن يزعم المتّهم أنها استبدلت أو دسّت له دسّاً ) وتتمّ نفس العمليّة بالنسبة للأشياء المنقولة ( كالملابس الملطّخة بالدماء أو الأسلحة أو النقود المزيّفة . . ) وأوجب القانون عرض كافّة الأوراق والأشياء المضبوطة على المدّعى عليه أو على نائبه للمصادقة والتوقيع عليها ، فإذا امتنع صرّح الضابط العدليّ المكلّف في محضره بهذا الامتناع .
وتنصّ المادّة 107 من نظام خدمة الشرطة على أنّه : كلّ من يقبض عليه يجب سوقه حالاً إلى أقرب ضابطة عدليّة ، و تسليم الأشياء المصادرة والأدوات الثبوتيّة إلى هذا الضابط . ويجب على رجال الشرطة والضابطة العدليّة الّذين يطّلعون على هذه الأشياء والأوراق أن يحتفظوا بسريّتها ، لأنّهم ملزمون بذلك ويتعرّض من يخالف هذا الأمر للمساءلة القانونيّة . ويجدر بالذكر هنا الإشارة إلى أنّه إلى جانب التفتيش القضائي الّذي تحدّثت عنه فإنّ هناك تفتيشاً من نوع خاصّ يجيزه القانون صراحةً ، بداعي حماية الصالح العامّ وينوط بفئة معيّنة من الموظّفين إجراءه ( كالشرطة والجمارك . . ) بالنسبة لأعمالهم في الحدود والموانيء البحريّة والجويّة وما يتعلّق بالمسافرين وأمتعتهم ، ويعلّله الفقه بأنّه يتمّ بناء على رضا صاحبه الضمني بدافع موافقته على استتباب الأمن .
الفصل الثالث : في التحرّي والقبض على الأشخاص
أوّلاً- في التحرّي :
منع الدستور السوري تحرّي الأشخاص أو القبض عليهم إلّا في الأحوال الّتي أجاز القانون فيها القيام بهذا الإجراء فلقد جاء في المادّة 28 منه : 1 - كلّ متّهم بريء حتّى يدان بحكم قضائي مبرم . 2 - لا يجوز تحرّي أحد أو توقيفه إلّا وفقا للقانون . 3 - لا يجوز تعذيب أحد جسديّاً أو معنويّاً أو معاملته معاملة مهينة ويحدّد القانون عقاب من يفعل ذلك . 4 - حقّ التقاضي وسلوك سبل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون . ولا يجيز قانون أصول المحاكمات الجزائيّة التحرّي أو إلقاء القبض على أحد إلّا في حالتين : 1- الجرم المشهود ( جنحة كان أو جناية ) . 2- وجود أمر من قاضي التحقيق في حالات (الجنايات أو الجنح غير المشهودة ) . وإذا فلقد رغب المشرّع بمنع إلقاء القبض على أحد خارج حالتي الأمر القضائي ، والجرم المشهود زيادةً في تشدّده في الحفاظ على حرّيات الناس الفرديّة . غير أنّه إذا وجد الضابط العدليّ نفسه أمام علائم كافية تبرّر اعتقاده بأنّ هذا الشخص هو مرتكب الجريمة ووجد أنّ من المصلحة أن يقبض عليه ، فإنّه يستوقفه للسؤال عن هويّته ويستدرجه للكلام عن حاله فإذا لم يقتنع فله أن يقتاده إلى المخفر ليضعه بتصرّف النيابة ! . إنّ هذا الإجراء الّذي يدعى ( الاستيقاف ) مشكوك بسلامته من الناحية القانونيّة لأنّه ليس له أيّ مستند في نصوص القانون السوري ولكنّه عمليّاً وبالنسبة للشرطة شيء مألوف حدوثه خاصّةً أثناء الدوريّات الّتي يقومون بها ليلا والّذي يجب أن يحدث في هذه الحالات أن يتمّ إعلام الرؤساء فوراً ( وقد بات هذا الأمر الآن في منتهى السهولة بوجود أجهزة الاتّصال الحديثة ) ويقوم هؤلاء الرؤساء بإعلام الجهة القضائية المختصّة والحصول منها على الإذن للقيام بهذا الإجراء (المؤقّت) ولا يجب بأيّ حال من الأحوال أن تتجاوز مدّة الاستيقاف دقائق من الوقت اللازم لإجراء الاتصالات وأخذ الإذن ، ولا أن تتجاوز مدّة القبض في حال السماح به من النيابة أو من قاضي التحقيق أو من القاضي المناوب مدّة 24 ساعة ليتمّ تسليمه إلى الجهة القضائية المختصّة ، وكلّ ذلك عند وجود علائم جدّية وإمارات واضحة ضدّ الشخص المشتبه به فلا يجوز أن يتمّ استيقاف الأشخاص اعتباطيّاً وكيفما اتّفق. وإذاً فإنّ الاستيقاف عمل من أعمال البحث عن الجريمة والاستدلال عليه أيّ أنّه ليس عملاً تحقيقياً ، لذلك يبرّر بأنّه من حقّ موظّفي الضابطة العدليّة والشرطة وحرّاس الليل القيام به للتأكّد من حمل الهويّات الّتي يلتزم المواطنين بحملها أو في حالات الشبهة ( كوجود الشخص في وقت متأخّر من الليل في أمكنة غير مألوف وجوده فيها في هذا الوقت .. ) كما أن هذا الإجراء يمكن أن يكون أسلوباً لقمع الجرائم قبل وقوعها ، وهو عمل الشرطة باعتبارها ( ضابطة إداريّة ) . ولقد أجاز القانون الفرنسي هذا الإجراء في المادّة 77 من الأصول الجزائيّة ( لضرورات التحرّي الأولي ) ، وأجازته الأصول الجزائيّة المصريّة في المادّة 34 منها وحدّدته بمدّة 24 ساعة يرسل بعدها إلى النيابة العامّة ولكن بشرط وجود أدلّة كافية . ولذلك يذهب الدكتور عبد الوهاب حومد إلى أنّ حالةً كهذه تستدعي وجود نصّ قانوني يبرّرها كما في فرنسا ومصر ، لذا ينبغي أن يكون للضابطة العدليّة في القانون صراحةً حقّ القبض على شخص مشتبه به خارج حالتي الجرم المشهود والأمر القضائي ، شريطة تسليمه كما سبق وذكرت إلى السلطة القضائيّة خلال 24ساعة وعند وجود الدلائل القويّة والكافية للقيام بهذا الإجراء .
ثانياً- في إلقاء القبض :
وأمّا القبض فالمقصود به إمساك الشخص من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حقّ التجوّل، دون أن يتعلّق هذا الأمر على فترة معيّنة . ويستتبع هذا إجراء التحرّي على ما قد يكون بحوزة هذا الشخص من أوراق وأشياء من شأنها أن تساعد على إثبات الجريمة ، أو اكتشافها، أو خشية من وجود سلاح خطر . جاء في أحد قرارات محكمة النقض المصريّة : إنّ القبض على الشخص هو إمساكه من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حرّيّة التجوّل، ولمّا كان حبس الشخص أو حجزه معناه حرمانه من حرّيته فترة من الزمن. وكانت هذه الأفعال تشترك في عنصر واحد هو حرمان الشخص من حرّيته وقتاً طال أم قصر، فإنّه يتعيّن القول بأنّ الشارع يعتبر أنّ كلّ حدّ من حرّية الشخص في التحرّك ـ سواء عدّ ذلك قبضاً أو حبساً أو حجزاً ـ معاقب عليه في كلّ من المادّتين 280 و271 عقوبات مصري فتوقع عقوبة الجنحة في الحالة المبّينة في المادّة الأولى ، وعقوبة الجناية في الأحوال المبّينة في المادّة الثانية بفقرتيها. (مصر قرار 1009 تاريخ 8/5/944 مج 930 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 2386) ولقد قضت محكمة النقض المصريّة أيضا بأنّ اشتباه الموظّف بالشخص لمجرّد أنه تلفّت حوله في الطريق لا يجيز القبض عليه ، وإنّه لا يجوز له في حالة الاستيقاف إمساك يد الشخص وفتحها بالقوّة إذا ظنّ أنه يخفي فيها شيئاً ممنوعاً . وجاء في قرار لمحكمة النقض السوريّة أنّه متى كان إلقاء القبض على الظنين صحيحاً فإنّ تفتيش ملابسه يكون عملاً مشروعاً ، ليس فيه انتهاك لحرّية الفرد وهو ضرورة لازمة خشية من شرّ المقبوض عليه . وجاء في اجتهاد آخر لمحكمة النقض السوريّة : الجنحة المشهودة تجيز إلقاء القبض على فاعلها وإحضاره أمام النائب العامّ ، وامتناع المحكوم عليه عن مرافقة الدّرك يعتبر مقاومة سلبيّة لعمل مشروع يقوم به موظّف ضمن دائرة اختصاصه. نقض سوري قرار رقم 944 تاريخ 28/5/1951 قاعدة 141 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 154
حيث أنّه في الجنايات والجنح المشهودة يكون القبض على مرتكبيها واجب على الجميع ، ومن باب أولى أن يكون واجباً على رجال الشرطة الّذين يضطلعون بهذه المهمّة في صلب وظيفتهم. وحال وقوع هذا القبض فإنه ينبغي أن يتمّ إحضار المقبوض عليه إلى أحد رجال الضابطة العدليّة المختصّين دون حاجة إلى مذكّرة إحضار أو أمر قضائي . ولذلك فإنّ للنيابة العامّة في الجرائم المشهودة نفس مالقاضي التحقيق من حقّ في التوقيف . وعلى هذا سار الاجتهاد القضائي : للنيابة العامّة في حالة الجرم المشهود حقوقاً متساوية بحقوق قاضي التحقيق ولها مثل هذه الحالة حقّ التوقيف. جناية أساس 720 قرار 546 تاريخ 14/10/1962 قاعدة 154 قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 176 ويجب بكّافة الحالات ألّا تتجاوز فترة القبض 24 ساعة وإلّا تعرّض المتجاوز للعقوبة المنصوص عليها في المادّة 358 من قانون العقوبات الّتي سلف ذكرها . لأنّ التوقيف من قبل الشرطة ليس هو التوقيف القضائي ( أي أنّه التوقيف بمعناه اللغوي إذا صحّ التعبير وليس بمعناه القانوني ) والّذي يحقّ لقاضي التحقيق القيام به عندما يضع يده على القضية ، أو للنيابة العامّة والنائب العامّ في الجنح والجنايات المشهودة لذلك يدعى ( بإلقاء القبض ) ، وهو بالنسبة للشرطة ليس إلا تدبيراً إداريّاً ولمحكمة النقض السوريّة في ذلك اجتهاد صريح : التوقيف من قبل الدرك تدبير إداريّ ينتهي حكماً بوصول الظنين إلى يد القضاء الّذي عليه أن يتّخذ قراراً بتوقيفه وإلّا فيعتبر الظنين طليقاً. قرار محكمة النقض المؤرخ في 18/3/1950- مجلة القانون صفحة 306 قاعدة 155 ـ قانون أصول المحاكمات الجزائية ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 177 وتنصّ المادّة 115 من قانون العقوبات السوري على أنّ : من يقبض عليه بموجب مذكّرة توقيف يساق بلا إبطاء إلى النيابة العامّة في مركز قاضي التحقيق الّذي أصدر المذكّرة ، فتعطي الموظّف الّذي نفّذ المذكرة إيصالاً بتسليم المدّعي عليه وترسل هذا الأخير إلى محلّ التوقيف و تحيط قاضي التحقيق علماً بالأمر . وجاء في المادّة 215 من نظام خدمة الشرطة : كلّ شخص تقبض عليه الشرطة متلبّساًَ جرماً مشهوداً في الحالات المعيّنة في هذا النظام و لا يوجد به مذكّرة توقيف أو حكم جزاء من الجزاءات التأديبيّة أو الترهيبيّة ، يساق في الحال إلى رئيس النيابة . ولا يجوز نقله بعد ذلك إلى دار من دور التوقيف أو دور العدل إلّا بموجب المذكّرة الصادرة من ضابط الضابطة العدليّة. كما أنّ نظام خدمة الشرطة قد أوضح ماهية مذكّرة التوقيف بالشكل الّذي يوافق أحكام قانون الأصول الجزائيّة ، وتحدّث أيضا عن مذكّرة القبض بعد الاتّهام التي تنفّذ بذات الطريقة:
المادّة /58/– مذكّرة التوقيف عبارة عن أمر صادر لمأموري القوة العامّة من قاضي التحقيق ، بناء على مطالعة النائب العامّ أن يقبضوا على الشخص المتّهم بجناية أو المظنون بجنحة تستلزم الحبس و يلقوه في السجن . المادّة /60/- مذكّرة القبض بعد الاتّهام أمر يصدر عن قاضي الإحالة ، وتنفّذ بنفس طريقة تنفيذ مذكّرات التوقيف ، و يساق المتّهم توّاً إلى دار التوقيف . وإنّ محكمة الموضوع والنائب العامّ وقضاة التحقيق والإحالة معنيّون بمراقبة تصرّفات رجال الشرطة وموظّفي الضابطة العدليّة في معرض قيامهم بإلقاء القبض على الأشخاص ، كي لا يقع منهم أيّ تعدٍّ على حرّيات الناس ، ويجب أن تلتفت المحكمة عن الدليل الّذي يتمّ الحصول عليه بناء على قبض باطل . وعلى الرؤساء الإداريين عدم تجاوز تصرّفات مرؤوسيهم السيّئة ومعاقبتهم مسلكيّا على هذا التجاوز ، إضافة إلى ماقد يتعرّضون له من ملاحقة قضائية . جاء في بلاغ وزارة العدل رقم 33 تاريخ 28 / 8 / 1958 : لاحظت الوزارة أنّ بعض قضاة النيابة العامّة يتّصلون هاتفيّاً بموظّفي الضابطة العدليّة القائمين بالتحقيق استناداً لأحكام المادّة 46 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة ، ويطلبون إليهم ترك أشخاص احتجزوا مؤقّتاً للتحقيق معهم في أمور أسندت إليهم.ولمّا كان هذا التصرف من قبل قضاة النيابة لا يجيزه القانون . لأنّ قاضي النيابة يستطيع التصرّف بالتحقيق وما يتّصل به من حجز حرية أو ترك في حال شخوصه بالذات إلى موقع الجرم وقيامه بالإجراءات القانونية الّتي هي في الأصل من اختصاصه. لذا رأينا لفت نظر قضاة النيابة بأن لا يطلب أحد منهم إلى موظّفي الضابطة ترك أحد يجري التحقيق معه من قبلهم إلّا بعد الاطلاع على مجرى التحقيق. وزير العدل
وجاء في بلاغ وزارة العدل رقم 17 لعام 1964 : نمي إلينا أنّ بعض قضاة النيابة العامّة يلجأ إلى الاتّصال برجال الشرطة القائمين بالتحقيق في قضيّة من القضايا ، ويطلب منهم الإفراج عن الشخص الّذي يجري معه التحقيق على أن يقدّم موجوداً مع الأوراق إلى النيابة العامّة عند الانتهاء من التحقيق. وبما أنّ هذا الأمر غير جائز قانوناً ما دامت الأوراق لم تحل إلى النيابة العامّة. لذلك نلفت انتباه السادة قضاة النيابة العامّة إلى هذه الناحية ، وعدم طلب الإفراج عن أحد ممن يجري التحقيق معه من قبل رجال الشرطة ، إلّا إذا شاؤوا استلام التحقيق بأنفسهم قبل إحالة الأوراق إليهم . ولهم بعد ذلك تفويض رجال الشرطة بمتابعة التحقيق. دمشق في 5 / 5 / 1964 وزير العدل
الفصل الرابع : في اللباس والاختصاص المكاني و الوظيفي
أوّلاً- في اللباس :
إنّ اللباس الّذي يرتديه رجال الشرطة أمر يتميّزون به ولا شكّ ، وليس شيئاً عاديّاً غير مهمّ ارتداؤه وحتّى أنّ الموادّ المتعلّقة باللباس من النظام الداخلي للشرطة كانت شديدة التأكيد على ضرورة المحافظة على هيبة هذا اللباس الّذي يعبّر عن صفة صاحبه ورتبته ومدى انضباطه وتقيّده بالنظام العسكري . ومن باب التأكيد سأذكر نصّ المادّة 29 من النظام الداخلي للشرطة وهو القرار 500 م ق الصادر عن وزير الداخليّة على أنّ : 1- على عسكريّي الشرطة أن يتقيّدوا بنظاميّة البزّة وألّا يدخلوا عليها أيّ تعديل وأن يحافظوا على نظافتها والعناية بها . 2- يحظّر عند ارتداء اللباس العسكري ما يلي : - حمل العصي أو الشمسيّات أو ما شابه ذلك باستثناء العصي والهراوات المخصّصة للخدمة . - حمل السلل أو الصرر أو السبحات أو ما شابه ذلك . - حمل الأولاد أو تأبّط أذرع الآخرين . - نزع غطاء الرأس أو القفّازات في البزّات الّتي من مفرداتها القفّاز في الطريق العامّ ( كشرطة المرور ) . - فكّ أزرار الألبسة أو وضع الأيدي في الجيوب . - القراءة أثناء التجوال . - لبس الخواتم باستثناء خواتم الزواج أو الخطوبة . - تدخين الغليون في الطريق العامّ . فلننظر إلى أيّ مدى حرص نظام الشرطة على ظهور عسكرييه أثناء ارتدائهم لبزّاتهم النظاميّة بالمظهر الأمثل الّذي يعبّر عن هيبة الوظيفة الّتي يتحمّلون القيام بها ، ولنأسف لأنّ ما سردته المادّة الآنفة الذكر بعيد عن الواقع ، ولنتذكّر دائماً أنّ الشرطة وجه من وجوه القطر الحضاريّة حتّى أنّ السائح أو الزائر لسورية قد لا يلتقي من الموظّفين الرسميين في فترة زيارته إلّا شرطة الهجرة والجوازات في الحدود أو شرطة المرور في الشوارع والساحات العامّة . وعلى كلّ حال فإنّ مبحثي هنا هو ما يتعلّق باللباس الّذي يرتديه رجل الشرطة فيما إذا كان ضروريّاً ارتداؤه دوماً ليكون الضبط الّذي ينظّمه أثناء عمله صحيحا ؟
إنّ القاعدة العامّة أنّ رجال الضابطة العدليّة المعاونين للنائب العامّ يستطيعون استقصاء الجرائم الموكول إليهم أمر استقصائها ولو كانوا في ملابس عاديّة ، ودون أي إشارة خاصّة تعرّف الناس بهم. غير أنّهم ملزمون بتعريف أنفسهم بصورة جليّة بأن يبرزوا البطاقة الخاصّة الّتي يحملونها، ولكنّ ارتداء هذه الملابس ضروريّ في بعض الحالات لاسيّما المثقلة منها بالنتائج! وهذا هو رأي محكمة النقض الفرنسيّة في قرار مشهور لها : إنّ المبدأ العامّ أنّ الموظّف لا يحتاج إلى أن يكون مرتدياً ملابسه الرسميّة أو حاملاً الشارات الدالّة عليه ليقوم بواجب عمله ، إلّا إذا كان العمل من شأنه قسر إرادة المواطن كالدخول إلى مسكنه ، أو ككلّ فعل من شأنه أن يستفزّه إلى العصيان غير المشروع . قرار نقض مؤرخ في 20 /9 / 1933 وأمّا بالنسبة للشرطة السوريّة فإنّ القانون ينصّ صراحة في نظامهم بأنّهم لا يستطيعون إجراء أيّ عمل متنكّرين أو في غير ملابسهم الرسمية. وأمّا الّذين يرتدون اللباس المدني أثناء القيام بوظيفتهم ممّن استثنتهم الأنظمة بسبب طبيعة عملهم كالأمن الجنائي والأمن السياسي ، فإنّ عليهم ( وبكلّ وضوح ) أن يعرّفوا بأنفسهم تعريفاً واضحاً في معرض تعاملهم مع المواطنين مهما كان هذا التعامل . وفي هذا تذهب محكمة النقض إلى القول : الشرطي عندما يكون معتدياً فإنّ تصرّفاته تعتبر أثناء الوظيفة إذا كان بلباسه الرسمي ، ولا يعتبر كذلك إذا كان معتدى عليه إلّا إذا كان الجرم متّصلاً بالوظيفة. نقض سوري – جنحة أساس529 قرار428 تاريخ 28/2/1967 قاعدة 791 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 561
وجاء في قرار لمحكمة النقض السوريّة أنّ : أحكام القانون قد فرضت حماية شديدة للموظّفين أثناء قيامهم بالوظيفة وإحاطتهم برعاية خاصّة حتّى يتمكّنوا من أداء واجبهم على أكمل وجه ، مطمئنّين على أنفسهم من عبث العابثين واعتداء المعتدين ، ولذلك فإنّه يجب أن يكون المعتدي عالماً بصفة المعتدى عليه ووظيفته ، وبكونه قائماً بعمل من أعمال الوظيفة ، أمّا إذا كان جاهلاً حقيقة أمره فإنّ النزاع يصبح عاديّاً ولا يعتبر جارياً أثناء الوظيفة ولا في معرض أدائها ، وكان المشتكي يلبس الألبسة المدنية ولم يعلم الطاعن بحقيقة أمره فيكون النزاع القائم بين الطرفين نزاعاً بين مواطنين مدنيين ولا علاقة للوظيفة به ويخرج عن اختصاص المحاكم العسكريّة. (سورية قرار جنحي 4393 تاريخ 25/11/963 قق 712 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 1003) ولقد أجازت كلّ من المادّة 18 من نظام الخدمة الداخليّة للشرطة والقرار رقم / 323/ ق تاريخ 22/5/1974 الصادر عن وزير الداخليّة لجميع الضبّاط والعناصر العاملة في الأمن السياسي والأمن الجنائي ، وللضبّاط العاملين في المكاتب بارتداء اللباس المدني خلال وخارج أوقات الدوام الرسمي . وهنا نجد أنّ رجال الشرطة ينظّمون الضبوط في كافّة أنحاء الجمهورية العربية السوريّة ، ويعتبرون قائمين بوظيفتهم ولو كانوا في حالة الإجازة أو الإذن وذلك ( في حالة الجرائم المشهودة ). وهذا المبدأ أكدّته المادّة 2 من نظام خدمة الشرطة الصادر بالقرار 1962 لعام 1930 حين قالت : (تقوم الشرطة بوظيفتها في جميع أنحاء الدولة وعسكريّو الشرطة من أيّ رتبة كانت يعدّون قائمين بوظيفتهم في أيّ مكان كان ). وجاء في المادّة 31 من النظام الداخلي للشرطة أنّ : يسمح للضباط بارتداء الألبسة المدنيّة خارج وقت الدوام الرسمي ، وللمساعدين الأوليين وللمساعدين أيّام العطل الرسميّة ، ولبقيّة العسكريين عندما يكونون بإجازة خارج منطقة عملهم . كما ويسمح بقرار من الوزير بارتداء الألبسة المدنيّة في أثناء العمل للحوامل ولمن تقضي طبيعة عمله ممارسته بهذه الألبسة . والحقيقة أنّ ارتداء اللباس العسكري من قبل الشرطة خلال قيامها بمهامها أمر في منتهى البداهة من حيث المبدأ ، إضافةً إلى أنّه كقانون وعرف وكاستقرار تعامل شيء قديم جداً لسبب رئيسٍ يتعلّق بحاجة هذه المؤسّسة أن يكون ظهورها جليّاً ومتميّزاً ، بسبب طبيعة عملها . والاستثناءات الواردة على هذا المبدأ والمتعلّقة ببعض الفئات الّتي تتطلّب طبيعة أعمالها ألّا تظهر في اللباس العسكري يجب أن تنحصر في هذه الناحية فقط وليس دائماً . أي ينحصر الاستثناء الوارد بارتداء اللباس المدني من أجل الحالة الّتي بسببها تمّ السماح بارتدائه . ومادامت هذه الحالة غير قائمة فيجب إذا أن يكون رجل الشرطة مرتدياً لباسه العسكري عند قيامه بتنظيم الضبط أو التحقيق في حادث أو جريمة أو القيام بقمع مخالفة معيّنة مادام متوجّباً عليه ارتداء هذا اللباس خلال خدمته . ولا يسوغ لرجل الشرطة الملزم بارتداء اللباس العسكري أن يغفل هذا الأمر ، ويستند إلى بطاقته للتعريف عن نفسه أو للقيام بعمله باعتباره يحمل هذه الصفة أو كونه معروفاً من قبل المواطنين أصحاب العلاقة .
ثانياً- في الاختصاص المكاني و الوظيفي :
وأمّا أنّ عسكريي الشرطة بأيّ رتبة كانوا يعدّون قائمين بوظيفتهم في أيّ مكان كان كما ورد في المادّة 2 من نظام خدمة الشرطة السالفة الذكر ، فإنّه ليس كلاماً دقيقاً لأنّنا إذا عدنا إلى نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائيّة فإنّنا سنجد في المادّة 44 (.. . أن يتلقّوا الإخبارات المتعلّقة بالجرائم المرتكبة في الأماكن الّتي يمارسون فيها وظائفهم . . ) كما تنصّ المادّة 14 من نفس القانون على أنّ ( النائب العامّ هو رئيس الضابطة العدليّة في منطقته .. ) ويذهب الفقه القانوني إلى أنّه إذا جاوز هذه المنطقة أصبح فرداً عاديّاً وفي أحسن الأحوال أحد رجال السلطة العامّة العاديين . وإذا احتاج موظّف أو مساعد الضابطة العدليّة إلى إجراءٍ خارج حدود منطقته ، فعليه أن يتّصل بزملائه المختصّين في تلك المناطق أو يلجأ إلى رؤسائه .
وجاء في المادّة 49 من نظام خدمة الشرطة :
ضبّاط الشرطة من أيّ رتبة كانوا معدودون من ضبّاط الضابطة العدليّة المساعدين للنائب العامّ ضمن المناطق القائمون عادة بوظائفهم فيها ، و كذلك المحافظون و مديرو المناطق و مديرو النواحي و قضاة المحاكم الابتدائيّة الجزائيّة و المخاتير و أعضاء الهيئات الاختياريّة و حرّاس القرى و نواطير الأحراج فإنّهم مكلّفون بالقيام بالضابطة العدليّة كمساعدين للنائب العامّ .
ولكن الواقع العملي اضطر القضاء والشرطة على حدّ سواء للبحث عن مخرج إزاء هذا المنع من تجاوز منطقة العمل ، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بمطاردة المجرمين الخطرين أو ملاحقة نوعيّة معيّنة من الجرائم لا يجوز التواني عنها خوفاً من فقدان الأدلّة . ومن هذه المخارج ما ذهبت إليه محكمة النقض المصرية حين أوجدت ما سمّي بنظرية الاضطرار المفاجيء . وأجازت لرجل الضابطة القضائيّة متابعة المجرمين إلى خارج حدود منطقته لأنّه لا يجوز أن يبقى مغلول اليدين ! وتنبّه القانون الفرنسي أيضا لهذه المسالة فنصّ عليها في المادّة 18 من قانون الإجراءات الجزائيّة الجديد . ويمكن القول أنّه لا مانع من الأخذ بهذه النظرية في حالات الاستعجال والضرورة . ( وأنوّه إلى أنّ القانون أعطى لبعض الضبّاط العدليين حقّ القيام بأعمال الضابطة العدليّة في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية وبموجب نصوص خاصّة ، كالنائب العامّ في الجمهورية وقائد قوى الأمن الداخلي ورئيسي شعبتي الأمن السياسي والجنائي). وتتّجه الدول اليوم إلى تعزيز مبدأ الفصل في الاختصاصات على المستويين الإداري والقضائي ، ونرى أنّ أجهزة الشرطة أكثر الجهات الّتي يمكن تطبيق هذا المفهوم على الأعمال الّتي تضطلع بها لا سيّما أنّها أصبحت متشعّبة للغاية ومتعدّدة الأغراض والأهداف، وهذا التمايز يتعلّق بطبيعة العمل نفسه الّذي يكلّف رجل الشرطة بإنجازه ، فقد افترق العمل المروريّ كثيراً عن ذلك العمل الّذي يمكن تأديته في مجال الهجرة والجوازات أو الضابطة البلديّة والتموينيّة ، وحتّى بالنسبة للبحث أو مهامّ الحراسة والنجدة ، وكلّ ذلك بالرغم من أنّ الغاية الأساسيّة لجهاز الشرطة لا تتعدّى العنوانين الرئيسين الّذين هما ( الضابطة الإداريّة والضابطة العدليّة ) . ولكنّ التجربة أثبتت أنّ هذا التطبيق هو الأجدى نفعاً والأكثر جدوى فيما يتعلّق بإنجاز الأعمال الموكولة بالطريقة الأكثر معرفةً ، فلا ضير من أن يكون التثقيف الشرطي متّجهاً نحو الاختصاص ( بعد أن يكون العنصر قد أتمّ علومه الأساسيّة في هذا المجال ) وسيكون هذا بالنتيجة في مصلحة الخدمة وفي صالح المواطن . وربّما بدأت الشرطة السورية اليوم بأخذ زمام المبادرة في هذا الاتجاه الّذي اتّبعته دول عديدة منذ فترة لا بأس بها ( حيث ترفد الدراسة الشرطيّة العامّة الّتي يتلقّاها رجل الشرطة بدراسة خاصّة نظريّة وعلميّة في المجال الّذي سيتمّ تعيينه فيه ) .
الفصل الخامس : في الممانعة والتحقير وحمل السلاح واستخدامه
أوّلا- في الممانعة والتحقير :
عّرف الاجتهاد القضائي السوري الممانعة بأنّها كلّ ما يقع في سبيل منع الموظف من تنفيذ عمله ، وبهدف هذه الغاية وحدها ولقد عالجت المادّتان 369 و 370 من قانون العقوبات هذا الموضوع : مادّة 369 1 ـ من هاجم أو قاوم بالعنف موظّفاً يعمل على تطبيق القوانين أو الأنظمة أو جباية الرسوم والضرائب أو تنفيذ قرار قضائي أو مذكّرة قضائية أو أيّ أمر صادر عن السلطة ذات الصلاحيّة . عوقب بالسجن سنتين على الأقل إذا كان مسلّحاً وبالسجن من ستّة أشهر إلى سنتين إذا كان أعزلاً من السلاح. 2 ـ وتضاعف العقوبة إذا كان الفاعلون اثنين فأكثر. مادّة 370 كلّ مقاومة فعليّة كانت أم سلبيّة توقف عملاً مشروعاً يقوم به أحد الأشخاص الّذين وصفتهم المادّة السابقة ، يعاقب عليها بالحبس من شهر إلى ستّة أشهر وبالغرامة حتّى مائة ليرة.
فنرى أنّه يشترط إذا لتحقق حدوث هذا الجرم : 1- أن يكون الهجوم أو المقاومة الفعليّة أو الاعتداء واقعاً على موظّف . والمادّة 340 من قانون العقوبات تنصّ على أنّ : يعدّ موظّفاً بالمعنى المقصود في هذا الباب كلّ موظّف عامّ في السلك الإداري أو القضائي، وكلّ ضابط من ضبّاط السلطة المدنيّة أو العسكريّة أو فرد من أفرادها ، وكلّ عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامّة. و : إذا انتفت الصفة الوظيفيّة عن المعتدى عليه بالضرب اعتبر الضرب عاديًّّا . نقض سوري – عسكرية1487 قرار1510 تاريخ 2/12/1981 قاعدة 795 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 561 والموظّف كما جاء في اجتهاد محكمة النقض :
الموظّف بالمعنى المقصود في الجرائم المخلّة بواجبات الوظيفة هو كلّ من يعمل في الدولة أو الإدارة العامّة ، مهما كان القانون الّذي يسري على تعيينه وحقوقه. نقض سوري – جناية أساس7 قرار351 تاريخ 16/5/1973 قاعدة 661 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 486 ومن البداهة أنّه يجب أن يكون الموظّف هو الّذي تعرّض للاعتداء ، وليس العكس وعند حدوث هذا العكس فإنّه لا مجال أبدا لشمول الموظّف بمفهوم الحماية الّتي كفلها القانون له : إنّ البادئ بالاعتداء غير مشمول بالحماية الشديدة للموظّف الّتي نصّ عليها القانون وذلك أثناء قيامه بوظيفته أوفي معرض قيامها. نقض سوري – عسكرية1420 قرار1435 تاريخ 13/11/1982 قاعدة 796 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 562 2- أن تكون هذه الممانعة واقعة على هذا الموظّف في معرض قيامه بوظيفته وبسببها . فنرى أنّ : أحكام المادّة /369/ عقوبات وما بعدها إنّما تتعلّق بجرائم الاعتداء على الموظّفين أثناء ممارستهم وظيفتهم أو في معرض أدائها ، ولا علاقة لها بالاعتداء عليهم في شؤونهم الخاصّة. سورية قرار جنحي 2199 تاريخ 29/9/966 قق 805 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني قانون العقوبات ـ قاعدة 983 و : إذا كان الموظّف القائم بهدم بناء المدعى عليه ليس هو المكلّف بذلك ، فإنّ النزاع معه يكون عاديّاً ولا علاقة له بالوظيفة. نقض سوري – جنحة أساس1895 قرار1446 تاريخ 9/6/1965 قاعدة 788 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 560 3- أن يكون العمل الّذي يؤدّيه هذا الموظف مشروعاً ، أي لا يكفي أنّه يقوم بهذا العمل خلال وظيفته وحسب ، بل يجب أن يكون صاحب صلاحيّة للقيام به وضمن حدود الأنظمة والقوانين. جاء في الاجتهاد القضائي : ( يتعيّن على المحكمة البحث في مشروعية محاولة دخول عناصر الأمن لدار المدّعى عليه بعد منتصف الليل ، قبل البحث في جرم ممانعته لهذه العناصر ). نقض سوري – عسكرية أساس377 قرار376 تاريخ 24/3/1979 قاعدة 792 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 561
وجاء أيضاً أنّه : إذا كانت المصادرة الّتي قام بها رجال شرطة المحافظة غير مشروعة ولا مستند لها في القانون ، فإنّ ما ينشأ أثناءها من نزاع مع رجال الشرطة لا علاقة له بالوظيفة. نقض سوري جنحة 2831 قرار2795 تاريخ 18/1/1965 قاعدة 31 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 78 4- أن تؤدّي الممانعة إلى توقّف العمل المشروع الّذي يقوم به الموظّف دون النظر إلى السبب الّذي تمّت الممانعة من أجله . جاء في اجتهاد محكمة النقض : إنّ جرم ممانعة موظّف من القيام بأعمال وظيفته إذا لم تؤدّ إلى توقّف العمل ولو لمدّة مؤقّتة ، يبقى الفعل في حيّز الشروع الّذي لا يعاقب عليه في الجرائم الجنحيّة ، إلّا في الحالات الّتي ينصّ عليها القانون صراحة وذلك توفيقاً مع أحكام المادّة 201 من قانون العقوبات العامّ. عسكرية أساس648 قرار718 تاريخ 25/8/1976 قاعدة 404 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 312 و : إنّ جرم ممانعة الموظّف لا يتمّ إلّا إذا أدّت مقاومته إلى توقّف العمل المشروع الّذي يقوم به ، ولو لمدّة مؤقّتة ولا يوجد نصّ على معاقبة الشروع في جرم الممانعة. نقض سوري – عسكرية648 قرار718 تاريخ 25/8/1976 قاعدة 774 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 552 جاء أيضاً في اجتهاد محكمة النقض المصرية : لا يعتدّ بالباعث في جرائم الاعتداء على الموظّفين ومقاومتهم الواردة في الباب السابع من قانون العقوبات المصري ، وإنّما يكفي لتوافر الركن الأدبي في تلك الجرائم أن يرتكب الجاني الاعتداء وهو مدرك لما يفعل عالم بشروط الجريمة الّتي لا يلزم لوجودها غير توافر القصد العامّ. مصر قرار 654 تاريخ 30/6/959 ح 1604 ـ الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 985 و : يجب أن يبيّن في الحكم أنّ التعدّي وقع على موظف عمومي أثناء تأديته وظيفته ونوع العمل الّذي كان قائماً به وقت الاعتداء عليه. مصر قرار 4 تاريخ 6/3/930 ق 120 الموسوعة القانونية لأنس كيلاني ـ قانون العقوبات ـ قاعدة 988
والممانعة من الأمور الّتي يندر ألّا يتعرّض لها رجال الشرطة أثناء خدمتهم ، وهي ذات مضمون اجتماعي ونفسي يفسّر بردّة الفعل الّتي قد تصدر عن الأشخاص عند قسرهم على تنفيذ القانون ، وهو أمر ليس نادر الحدوث بل إنّه كثيراً ما يحدث في الحالات الّتي لا يستطيع القانون فيها أن يتقيّد بالضوابط والظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة لأصحاب العلاقة الّذين ينفّذ القانون تجاههم ( كالحالات الّتي أسلفت ذكرها في الحديث عن المؤازرة الّتي يطلب إلى الشرطة القيام بها كهدم المباني المخالفة أو المستملكة ومصادرة البضائع وإغلاق المحالّ. .) ورغم أنّ القانون حرص وبشدّة على عقاب هذا الجرم بما يتناسب مع صورته ، باعتباره واقعاً على الموظّف الّذي يمثّل السلطة العامّة ، ويقوم بتنفيذ الأوامر الإداريّة أو القضائيّة المكلّف بها ، ورغم أنّ المشرّع شدّد العقوبة أيضاً فيما إذا كان الأسلوب المتّبع في مقاومة العمل المشروع الّذي يقوم به الموظّف هو الضرب كما ورد في المادّة 371 من قانون العقوبات : 1 ـ من ضرب موظّفاً أو عامله بالعنف والشدّة في أثناء ممارسته الوظيفة أو في معرض ممارسته إيّاها يعاقب بالحبس من ستّة أشهر إلى سنتين. 2 ـ وإذا وقع الفعل على قاضٍ كانت العقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات. ولمحكمة النقض السوريّة اجتهاد فيما يتعلّق بوجوب التفريق بين حالات تطبيق كلّ من الموادّ السابقة جاء فيه : يجب بيان الفارق بين الموادّ 369–371 عقوبات عامّ وتعيين الوثائق الّتي تنطبق على كلّ واحدة منها . ومن مقارنة هذه النصوص ظاهراً أنّ كلّ ما يقع في سبيل منع الموظّف من تنفيذ عمله يهدف إلى هذه الغاية وحدها فهو من قبيل الممانعة الّتي تنطبق على أحكام المادّة 370/ عقوبات . أمّا إذا كان الاعتداء مقصوداً لذاته وغير متّصل يمنع الموظّف من إنجاز عمله بل يرمى إلى الانتقام منه وإيذائه فإنّ المادّة /371/ هي الّتي تطبّق على تلك الجريمة ، وكذلك المادّة 369 فإنّها ترمي إلى نفس الغاية الّتي أشارت إليها المادّة /371/ ولكنّها تطبّق على بعض الموظفين الّذين يقومون بجباية الضرائب أو تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من السلطة ذات الاختصاص ويتعرّضون لظروف خاصّة بهم لكثرة اختلاطهم بالمواطنين واحتكاكهم بمصالحهم. نقض سوري – جنحة أساس859 قرار591 تاريخ 31/3/1965 قاعدة 787 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 559
كما نرى أنّ المادّة 373 من قانون العقوبات تتحدّث عن التحقير الّذي يمكن أن يتعرّض له الموظّف عند تنفيذه مهامّ وظيفته : 1 ـ التحقير بالكلام والحركات أو التهديد الّذي يوجّه إلى موظّف في أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها أو يبلغه بإرادة الفاعل.والتحقير بكتابة أو رسم لم يجعلا علنيين أو مخابرة برقيّة أو تلفونيّة إذا وجّه إلى موظّف في أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها.يعاقب عليه بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر. 2 ـ إذا كان الموظّف المحقّر ممن يمارسون السلطة العامّة كانت العقوبة من شهرين إلى سنة. 3 ـ وإذا وقع التحقير بالكلام أو الحركات أو التهديد على قاضٍ في منصّة القضاء كانت العقوبة الحبس من ستّة أشهر إلى سنتين. ويذهب الاجتهاد القضائي في معرض التفريق بين أحكام المادّة 373 من قانون العقوبات بفقرتيها الأولى والثانية إلى أنّ : المادّة (373) من قانون العقوبات قد اشتملت على فقرتين، أولّهما تتعلّق بتحقير الموظّف بصورة مطلقة وحدّدت العقوبة بمدّة لا تزيد على ستّة أشهر ، فيكون الحدّ الأدنى عشرة أيام لأنّها عقوبة جنحية وأمّا الفقرة الثانية فهي تتعلّق بتحقير موظّف يمارس السلطة العامّة وتكون العقوبة من شهرين إلى سنة وكان ظاهراً من هذه المادّة أنّ واضع القانون قسّم الموظّفين إلى قسمين احدهما موظّف يمارس السلطة العامّة والآخر موظّف لا يمارسها. والموظّف الّذي يعدّ من النوع الأول هو الّذي يستطيع إصدار أوامر ويطلب من المواطنين تنفيذها ، كالمحافظ وأمين العاصمة وأمثالها وأمّا إذا كان عمل الموظّف مقتصراً على تنفيذ ما يلقى عليه من الأوامر فهو موظّف بالمعنى المطلق ، ولا يستطيع أن يمارس السلطة العامّة ولا أن يصدر أمر واجب التنفيذ كأفراد الشرطة وموظّفي الدواوين والأقلام ، وأمّا القضاء فقد أفردت لهم المادّة المذكورة فقرة خاصّة بهم. ولمّا كان الشرطي لا يعد ّممارسا السلطة العامّة فيكون التحقير الموجّه إليه منطبقا على الفقرة الأولى منها وتكون العقوبة من عشر أيام إلى ستّة أشهر وقد أخطأ القرار المطعون فيه حينما اعتبر العقوبة منطبقة على الفقرة الثانية. قرار: 2203 / 1966أساس: غير متوفر اجتهادات الموسوعة القانونية الجزائية ـ تصنيف انس كيلاني - اجتهاد رقم 1009قرارت محكمة النقض السورية 1964 ـ 1972 - اجتهاد رقم 1418 وعادت محكمة النقض فأكّدت هذا المعيار للتفريق بين من يقع عليهم جرم التحقير الوارد في المادّة 373 المذكورة حين قالت : إذا كان عمل الموظّف مقتصراً على تنفيذ ما يلقى إليه من الأوامر فهو موظّف بالمعنى المطلق ، ولا يستطيع أن يمارس السلطة ولا أن يصدر أمراً واجب التنفيذ كأفراد الشرطة وموظّفي الدواوين وأمثالهم . وإنّ شرطي المرور لا يعدّ ممارساً السلطة العامّة ، فالتحقير الموجّه إليه ينطبق على أحكام الفقرة (1) من المادة 373 من قانون العقوبات. أمّا التحقير الموجّه إلى موظّف يمارس السلطة، كالمحافظ وأمين العاصمة وأمثالهما، فيكون منطبقاً على أحكام الفقرة(2) من المادة المذكورة. نقض سوري – عسكرية165 قرار613 تاريخ 5/4/1983 قاعدة 775 ـ شرح قانون العقوبات ج1 ـ أديب استانبولي ـ ص 553 ولا يشترط للتحقير الّذي يمكن أن يقع على موظّف أن يكون هذا الموظّف لا يزال موجوداً والى ذلك ذهبت محكمة النقض السوريّة في قضيّة لها : إنّ وقائع هذه الدعوى تشير إلى أنّ رجال الشرطة نظّموا ضبطاً بحقّ المدّعى عليه وغادروا مكانه ، وأقدم على تحقيرهم بغيابهم وأخبروا به ، ولمّا كانت المادّة 373 من قانون العقوبات قد عرّفت التحقير بأنّه الكلام أو الحركات الّتي توجّه إلى موظّف في أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه بها أو يبلغه بإرادة الفاعل. ومؤدّى ذلك أنّ التحقير إمّا أن يقع بمواجهة الموظّف في أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض أدائها ، وإمّا أن يقع بغيابه وأن يبلغ إليه بإرادة الفاعل. وكان ظاهراً من ذلك أن واضع القانون لم يشترط في هذه الجريمة حضور الموظف وسماعه التحقير ، بل تمّ التحقير بغيابه واشترط لذلك شرطين أولّهما أن يعلم بهذا التحقير وثانيهما أن يكون هذا العلم قد تم
