Welcome1.png
موسوعة القانون المشارك الجامعية ترحب بكم.
حساب جديد ( أو دخول مشترك) ولا تتردد في طلب مساعدة إدارية ..وانضم لنا على فيس بووك Facebook logo 1.png

عند الاشتراك - يرجي تفعيل بريد الكتروني سليم لاسترجاع كلمة السر عند فقدها ومراقبة التغييرات .دائما استخدم اسم الاشتراك لحماية الخصوصية ، ومتابعة الموسوعة

حاليا لدينا٤٬١٥٩ مقالة اطلع على فهرس كل المقالات

محركات بحث دول عربية


الامارات العربيةالجزائرجمهورية مصر العربيةلبنانتونسالمملكة المغربيةالسعوديةالكويت

Edit-icon.png إذا كنت لا تعرف طريقك بعد ..ندعوك للمساهمة في ← إرسال مقالة إلى بريد المقالات السريع
Edit-icon.png وإذا كان قد سبق لك البحث عن موضوع ولم تجده ولديك معلومات عنه إبدأ بوضع عنوان المقال أدناه (برجاء اختصار وتحديد العنوان قدر الامكان) ثم ضغط الزر:


المحتوى أ • إ • آ • ا • ب • ت • ث • ج • ح • خ • د • ذ • ر • ز • س • ش • ص • ض • ط • ظ • ع • غ • ف • ق • ك • ل • لا • م • ن • و • ي • # •

تطبيق القانون الجزائي في المكان (tn)

من جوريسبيديا, الموسوعة الحره
اذهب إلى: تصفح, بحث

تونس

Tn flag.png

تعتبر مسألة تطبيق القانون الجزائي في المكان ذات أهمية كبرى لتفادي حالات تنازع الاختصاص بين الدول والناتجة عن التنازع الايجابي أو السلبي للاختصاص. فالتنازع السلبي هو الحالة التي لا توجد فيها أي دولة تعلن اختصاصها لعدم وجود أي عنصر يسمح لمحاكمها بالنظر في الجريمة، أما التنازع الايجابي فهو الحالة المعاكسة تماما أي التي تعلن فيها عدة دول اختصاصها في ذات الوقت لتوفر أحد عناصر اعلان اختصاص المحاكم الوطنية مثل مكان وجود الجاني أو المجني عليه أو جنسية أي منهما. ولتفادي أي من الحالتين ظهرت جملة من المبادئ التي تحدد كيفية تطبيق القانون الجزائي في الزمان (الفقرة الأولى)، ولكن نظرا لتطور وسائل المواصلات وسرعة التنقل من مكان لأخر فإن تلك المبادئ وقع تدعيمها من خلال آليات للتعاون الدولي على مكافحة الجريمة(الفقرة الثانية).

فهرست

الفقرة الأولى: المبادئ العامة

ورغم محدودية نجاعة قاعدة الإقليمية فإنه حافظت على مكانتها كمبدأ عام وإقصائي لأنها تعتبر المظهر الحقيقي لسيادة الدولة على إقليمها فكل الجرائم التي ترتكب على ذلك الحيّز المكاني تخضع لسلطان قانونها الجزائي بصرف النظر عن جنسية الجاني أو المجني عليه فكل دولة تختص بشؤون العقاب داخل إقليمها بغير تدخل من جانب بقية الدول إلا أن تطبيق القاعدة بصورة مطلقة سيؤدي إلى جمود القانون الجزائي، خاصة وانه لا يمكن أن تبقى الدولة بعيدة عن الجرائم المرتكبة بالخارج طالما يلحقها الضرر مباشرة أو غير مباشرة من جرّاء تلك الجرائم التي تمس مصالحها الحيوية في الوقت الذي قد لا تهتم به الدولة الأجنبية التي ارتكبت فيها الجريمة بمعاقبة مرتكبيها بقدر اهتمام الدولة التي وقع عليها الضرر لهذا اقرت قواعد تسمح للدول بممارسة حقها في تتبع الجرائم التي تهدد نظامها العام الداخلي أو النظام العام الدولي حتى في صورة ارتكاب الجريمة خارج حدودها . وأصبحت قاعدة الإقليمية مبدأ عاما له عدة استثناءات راجعة إلى : 1.تزايد اهتمام الدول بمصالحها الأساسية ومصالح موطنيها في الخارج وهو ما خلق مبدأي الشخصية والعينية. 2.خروج بعض الجرائم الخطيرة التي تهدد الإنسانية جمعاء عن اختصاص دولة بعينها وهو ما خلق مبدأ العالمية. لذلك أخذت عدة الدول بهذه المبادئ الأخرى التي باتت لا تقل أهمية عن مبدأ الاقليمية. فالقاعدة العامة في القوانين الجزائية هي أنها لا تطبق إلا داخل إقليم الدولة وعلى ما يقع فيه من جرائم ولا يتعدى أثرها إلى ما يقع خارجه لهذا يوصف القانون الجزائي بأنه قانونا إقليميا. فأصبح للقاعدة الجزائية منطقة جغرافية محددة يكون لها فيها كل النفوذ والسلطان فتسري على كل ما يرتكب فيها من جرائم وهذا ما يعبّر عنه بالسلطان المكاني للقاعدة الجزائية وهو ما سمح للبعض بالقول أن نظام الإقليمية يأخذ مكانة متميزة أو هامة عند تطبيق القانون الجزائي في المكان لهذا يمكن وصفه بالمبدأ الاقصائي (أ) وبقية الأنظمة لا تعدو أن تكون سوى مكمّلة له (ب) .

أ- المبدأ الإقصائي: مبدأ الإقليمية:

إن سيادة الدولة على إقليمها تقتضي ألا يسري غير قانونها الوطني على ما يرتكب فيه من جرائم وألا يمتدّ تطبيق ذلك القانون إلى خارج حدود إقليمها مبدئيا. والسيادة هي الصلاحية المعترف بها للدولة في القانون الدولي العام لتملي النظم ذات الصفة الملزمة بموجب سلطتها العامة على الأفراد الذين يؤلفون هذه الدولة ضمن الحدود التي تحيط أرضها فمبدأ الإقليمية يؤسس على مفهوم السيادة ولكنه في الوقت نفسه في خدمة السيادة طالما أنه يضمن احترام القواعد القانونية ويفرض تطبيقها في المكان. إذ يعتبر مبدأ الإقليمية نتيجة حتمية لمبدأ السيادة، وتأتي أهمية هذا المبدأ من أنه يتماشى مع ما تتطلبه قواعد القانون الدولي من احترام لحدود الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فالدولة تمارس سيادتها على إقليمها ويكون ذلك بمنحها الاختصاص المطلق للنظر في كل ما يحدث عليه من جرائم، وهو ما يعبر عنه بمبدأ الإقليمية ( أخذت انقلترا مبدأ الإقليمية بصفة مطلقة حتى سنة 1529. ونص دستور الولايات المتحدة الأمريكية عليه صراحة وكرّسه المشرع الفرنسي بالمادة الثالثة من المجلة المدنية، وبالفصل 113 من المجلة الجنائية وكذلك قانون العقوبات السويسري بالمادة الثالثة وقانون العقوبات البلغاري بالمادة 65، واعتمده المشرع المصري بالفصل الأول من قانون العقوبات المصري والفصل 10 من القانون الجنائي المغربي.) الذي لابد من تحديد محتواه(1) وبيان استثناءاته (2).

1- محتوى مبدأ الإقليمية:

يقصد بمبدأ إقليمية القانون الجزائي أن هذا القانون يبسط أحكامه على جميع الجرائم التي ترتكب على الإقليم الخاضع لسيادة الدولة سواء كان مرتكبها مواطنا أم أجنبيا وسواء نالت من مصلحة الدولة صاحبة السيادة على الإقليم أم نالت من مصلحة دولة أجنبية وهذا هو الوجه الإيجابي لمبدأ الإقليمية أما الوجه السلبي لهذا المبدأ فيتمثل في عدم تطبيق القانون الوطني على الجرائم التي ترتكب خارج حدود الإقليم . أي أن مبدأ إقليمية القانون الجزائي ما هو إلا تأكيد للاختصاص المطلق للدولة ومختلف قوانينها الخاصة تجاه الجرائم التي وقعت داخل حدود إقليمها. ويعتبر مبدأ الإقليمية اليوم بمثابة الحل المبدئي عند تطبيق القانون الجزائي في المكان، فهو مبدأ عام وجامع للاختصاص التشريعي والقضائي للدولة ( لهذا فقد اعتمدته جل التشريعات من ذلك الفصل 113-2 من المجلة الجزائية الفرنسية الذي ينص على مايلي:" ينطبق القانون الجزائي الفرنسي على الجرائم المرتكبة على إقليم الجمهورية. تعتبر الجريمة مرتكبة على إقليم الجمهورية عندما يكون أحد العناصر المكوّنة للجريمة قد إرتكبت على الإقليم"). و حسب منتسكيو فإن القوانين السياسية تطلب من كل مواطن أن يخضع للمحاكم الجزائية والمدنية لبلده أين يوجد . ويقول بكاريا : "إن مكان العقوبة ومكان الجرم متلازمين ويجب أن يكون مكان العقوبة هو نفسه مكان الجريمة لأن في ذلك الحيز المكاني فقط نجد دافع الجريمة وبه يجب أن تسلط العقوبة. فالجريمة من المستحسن أن تعالج في مكانها نظرا للظروف المحيطة بها وكذلك لملابساتها وهو ما يضمن نجاعة الحصول على أكثر معلومات تهم الجريمة. فالغاية من مبدأ الإقليمية هي زجر كل الأفعال التي تمس من هيبة المجتمع وحرمته، وما من شك فإن تطبيق القانون الجزائي يردّ الاعتبار للمتضرر الواقع عليه الجريمة ويضمن إعادة التوازن الذي اختل بمناسبة الجريمة- وهو ما يؤكد أن العقوبة تكون أكثر منفعة وقابلية للتنفيذ كلما زاد قربها من مكان وزمان الجريمة. وقد كان المشرع التونسي ينص على هذا المبدأ بالفصل الثاني من المجلة الجزائية لسنة 1913 الذي جاء فيه "على أنه يجري بهذا القانون عمل المحاكم التونسية: أولا : على من هم لنظرها ويرتكبون بالمملكة التونسية بصفة كونهم فاعلين أو مشاركين إحدى الجرائم المنصوص على عقابها بهذا القانون...". لكن هذا النص ألغي بالأمر المؤرخ في 13 نوفمبر 1956 ولم ينص عليه المشرع مرة ثانية بصفة صريحة لا صلب المجلة الجزائية ولا صلب مجلة الإجراءات الجزائية ولكن يمكن استنتاج هذا المبدأ من محتوى الفصل 305 وما بعده من م إ ج . فماهو المقصود بالاقليم؟ ومتى تعد الجريمة مرتكبة داخل اقليم الدولة؟

أولا : مفهوم الإقليم:

إن الإقليم بالإضافة إلى كونه عنصرا من عناصر الدولة فهو المكان الذي تباشر فيه سلطاتها وعلى كل ما يوجد عليه وهو في الوقت نفسه موضوع ممارستها لسلطاتها. و يمكن تعريف الإقليم بأنه "جزء من التراب المضبوط داخل حدود وطنية بالإضافة إلى البحر الإقليمي والفضاء الجوي الموجود بمحاذاة و فوق اليابسة فهو ذلك الحيز المكاني الذي تستأثر به الدولة وتمارس عليه سيادتها بصفة دائمة ومستمرة ومستقرة وهو يغطي الجزء من الكرة الأرضية الذي تمارس الدولة سيادتها عليه ، ويشمل الإقليم البري والفضاء الجوي والإقليم البحري. ويتضح أن الإقليم الحقيقي يشمل المجال الأرضي أو البري والمجال البحري والفضاء الجوي.

- الإقليم البري :

هو المنطقة من الكرة الأرضية التي تعيّنها الحدود السياسية للدولة ويشمل كذلك طبقات الأرض تحت هذه المنطقة إلى مركز الكرة الأرضية. فالإقليم البري التونسي هو ذلك الجزء من التراب الذي يغطي مساحة 163,610 كم2 وكل ما دونه من طبقات الأرض.

الإقليم الجوي:

يقصد بالإقليم الجوي المجال الذي يغطي ما يعلو الإقليمين البري والبحري. وقد تأكد المبدأ القائل بأن للدولة السيادة الكاملة على طبقات الهواء التي تعلو إقليمها البري والمياه الداخلية والبحر الإقليمي بجملة من النصوص الدولية(وهو ما أشارت إليه المادة الأولى من معاهدة شيكاغو المؤرخة في 07 ديسمبر 1944 المتعلقة بالطيران المدني الدولي. وكذلك بمقتضى اتفاقية 1919 التي أصبح بمقتضاها أنه يجوز للدولة أن تمنع الطائرات الحربية من المرور بمنطقتها الجوية ما لم تمنح لها رخصة في ذلك. ونصت المادة 32 منها أنه يجوز للطائرات المدنية المرور بدون إذن وتعرضت كذلك إلى أن الجريمة إذا ارتكبت على متن طائرة حربية فإنها تخضع لقانون الدولة التي تنتمي إليها تلك الطائرة).

أما الطائرات

ينص الفصل 113-4 من المجلة الجزائية الفرنسية على أن القانون الجزائي الفرنسي ينطبق على الجرائم المرتكبة على متن الطائرات المسجلة في فرنسا أو ضدّها في أي مكان وجدت ، و ينطبق القانون الجزائي الفرنسي وحده على الجرائم المرتكبة على متن الطائرات العسكرية. هناك تأكيد على قاعدة تتمثل في أنه إذا ارتكبت الجريمة على متن باخرة أو طائرة عسكرية فإن القانون الفرنسي وحده المختص. هذه القاعدة تتأسس على السيادة الفرنسية ولكن هذا لا يمنع حتما البلد الأجنبي في إطار سيادته الخاصة به من متابعة الجريمة وذلك تطبيقا لقواعد إختصاصه، ولكن توجد صعوبة طالما أنه في حالة إدانة فعلية من طرف السلط القضائية الأجنبية، يستوجب التوفيق بين الفصلين 113-3 و4 والفصل 113-9 الذي طبقا له لا يمكن القيام بتتبع جديد ضدّ شخص أثبت أنه حكم عليه في الخارج.). كما نص الفصل 14 من مجلة الطيران المدني التونسية: (المنقح بمقتضى القانون عدد 84 لسنة 2005 مؤرخ في 15 أوت 2005 يتعلق بتنقيح و إتمام بعض أحكام مجلة الطيران المدني الصادرة بالقانون عدد 58 لسنة 1999 مؤرخ في 29 جوان 1999) على مايلي:"تختص المحاكم التونسية بالنظر في جرائم الطيران المدني وفقا لقواعد الاختصاص المنصوص عليها بمجلة الإجراءات الجزائية".( وقد كان هذا الفصل قبل تنقيحه ينص على: "تختص المحاكم التونسية بالنظر في الجرائم التي ترتكب على متن الطائرات المسجلة بالبلاد التونسية. وتختص هذه المحاكم بالنظر أيضا في كل جريمة وقع ارتكابها على متن طائرات غير مسجلة بالبلاد التونسية في الحالات التالية: ‌أ-إذا كان مرتكب الجريمة أو المتضرر منها يحمل الجنسية التونسية. ‌ب-إذا نزلت الطائرة بالتراب التونسي إثر ارتكاب الجريمة. ‌ج-إذا كان مستغل الطائرة التي وضعت على ذمة الغير بمقتضى عقد كراء دون طاقم مقيما بالبلاد التونسية. ‌د-إذا كان القصد تحويل وجهة الطائرة وكان الفاعل او احد المشاركين موجودا بالبلاد التونسية. تكون المحاكم المختصة محاكم مكان النزول في صورة التتبع عند النزول او محاكم مكان الإيقاف في صورة ما إذا ألقي القبض على المخالف لاحقا بالبلاد التونسية". وهو ذات الحل المعمول به القانون الفرنسي ففي حالة حصول جناية أو جنحة على متن أو ضدّ طائرة غير مسجلة بفرنسا فإنه حسب الفصل 113-1 ينطبق القانون الفرنسي في 3 حالات :إذا كان الفاعل أو الضحية ذو جنسية فرنسية./ -إذا نزلت الطائرة بفرنسا بعد إرتكاب الجريمة. /-إذا أسلمت الطائرة على سبيل الكراء وبدون طاقم إلى شخص يكون مقرّه الأساسي للإستغلال أو يقيم بصفة مستمرة على إقليم الجمهورية، هذه الأحكام الجديدة عوّضت أحكام الفصل L : 121-7 وما يليه من مجلة الطيران. وينصّ الفصل 693 من مجلة الاجراءات الجزائية الفرنسية على أنه "المحكمة المختصة هي تلك التي يقيم بدائرتها المظنون فيه ، أو دائرة آخر مقرّ له معلوم أو الدائرة التي وجد بها أو دائرة إقامة الضحية. أو إذا كانت الجريمة ارتكبت على متن الطائرة أو ضدّها فإن المحكمة المختصة هي تلك التي نزلت بدائرتها الطائرة وإذا لم يكن بالاستطاعة تطبيق أحكام الفقرة السابقة فإن المحكمة المختصة هي تلك الموجودة بباريس ، إلا إذا أحيل حق النظر في القضية إلى محكمة مجاورة لمكان ارتكاب الجريمة من طرف محكمة التعقيب على أساس عريضة من النيابة العمومية أو بطلب من أحد الأطراف")

الإقليم البحري :

استقر العرف الدولي على اعتبار الجزء من البحر المحاذي للشاطئ خاضعا لسيادة الدولة وهذا الجزء من البحر يسمى البحر الإقليمي وهو عبارة عن مساحة من البحر الملاصقة للشواطئ والممتدة نحو أعالي البحار ويطلق عليها اصطلاح "المياه الإقليمية" Les eaux territoriales»". أي ذلك الجزء من البحر الذي يجاور إقليم الدولة البري ومياهها الداخلية وتمتد إليه سيادتها وحسب المادة الثانية من اتفاقية البحار المؤرخة في 10 ديسمبر 1982 فإن سيادة الدولة الساحلية تمتد إلى مياهها الداخلية وكذلك على حزام بحري ملاصق يعرف بالبحر الإقليمي لمسافة إثنا عشر ميلا بحريا. وقد حدد القانون عدد 49 لسنة 1973 المؤرخ في 02 أوت 1973 المياه الإقليمية التونسية (ومما جاء في ذلك القانون: الفصل 1: - تتكون المياه الإقليمية التونسية بين الحدود التونسية الجزائرية والحدود التونسية الليبية وحول الجزر والمرتفعات البحرية الواقعة عرض الشابة وجزر قرقنة حيث توجد مصائد بحرية قارة والمرتفعات البحرية المكشوفة الواقعة عرض البيبان من جزء البحر الممتد إلى خط يبعد باثني عشر ميلا بحريا عن خطوط الأساس. الفصل 4: - تمتد سيادة الدولة التونسية إلى الفضاء الجوي وإلى قاع البحر وما تحته وذلك داخل حدود المياه الإقليمية).

و بالنسبة للسفن

المعدة للملاحة البحرية ينص الفصل 113-3 من المجلة الجزائية الفرنسية على أن القانون الجزائي الفرنسي ينطبق على الجرائم المرتكبة على متن البواخر التي تحمل العلم الفرنسي أو ضدّ هذه البواخر في أي مكان وجدت ، و ينطبق القانون الجزائي الفرنسي وحده على الجرائم المرتكبة على متن بواخر البحرية الوطنية (الحربية) أو ضدّ هذه البواخر في أي مكان وجدت. كما نص المشرع التونسي صراحة بالفصل 15 من القانون عدد 28 لسنة 1977 مؤرخ في 30 مارس 1977 المتعلق بإصدار المجلة التأديبية والجزائية البحرية على مايلي:" الجنايات والجنح المرتكبة على متن السفن المشار اليها بالفصل الأول من هذه المجلة ترجع بالنظر إلى محاكم الحق العام" و ينص الفصل1 من المجلة المذكورة على مايلي: "يخضع لأحكام هذه المجلة جميع الأشخاص مهما كانت جنسيتهم الذين يوجدون على« متن كل سفينة تونسية تمسك دفترا للطاقم باستثناء السفن الحربية وذلك سواء كان هؤلاء الأشخاص مرسمين بدفتر الطاقم او موجودين بالفعل على متن السفينة بصفة مسافرين او للقيام برحلة وذلك في اي مكان توجد به السفينة. استثناء للأحكام المتقدمة فان عساكر القوات البرية او البحرية او الجوية الذين يبحرون بأي صفة على متن إحدى السفن المشار اليها بالفقرة المتقدمة تقع محاكمتهم لأجل الجنح او الجنايات المبينة بهذه المجلة من طرف المحاكم العسكرية. تضبط بقانون الاجراءات المتعلقة بكشف ومعاينة الجنح او الجنايات المبينة بالفقرة المتقدمة وكذلك شروط جزر المخالفات التأديبية المبينة بهذه المجلة التي يرتكبها عساكر القوات البرية او البحرية اوالجوية". ويتضح من خلال أحكام هذا الفصل أن تحديد مكان ارتكاب الجريمة هو عنصر حاسم في تطبيق مبدأ الأقليمية.

ثانيا: تحديد مكان ارتكاب الجريمة

يقتضي تطبيق مبدأ إقليمية القانون الجزائي أن تكون الجريمة ارتكبت داخل حدود الإقليم، وهو ما يستوجب تحديد مكان ارتكاب الجريمة بالاعتماد أساسا على العناصر التي تكوّن ركنها المادي فحسب دون أن يعطى الاعتبار لمكان إقامة الجاني أو المجني عليه أو جنسيتهما، فالمقياس الوحيد هو مكان تحقق الركن المادي. وهو أمر قد يبدو لأول وهلة سهلا وبسيطا. لكن من المعلوم ان الجريمة الجريمة تظهر للعالم الخارجي من خلال ركنها المادي. وهذا الركن المادي يتألف من ثلاثة عناصر سلوك ونتيجة ورابطة سببية بينهما، فعلى أي عنصر سنعتمد؟. ففي حالة التي حقق فيها السلوك الاجرامي نتيجته في الغالب هذه الجرائم يحدد مكان ارتكابها في إقليم معيّن لارتباط عنصرها المادي الوحيد بذلك الإقليم وكذلك لحينيّة الفعل- ولكن من الممكن أن ترتكب الجريمة على عدة أقاليم مختلفة وذلك بتجزئة الركن المادي وبعبارة أخرى أن ارتكب الفعل الإجرامي في دولة معينة وتظهر نتائجه في دولة أخرى والمثال التقليدي على ذلك أطلق شخص من الحدود الجزائرية عيارا ناريا على تونسي وهو في أرض تونس وينتقل هذا إلى فرنسا للمعاجلة أين يلفظ أنفاسه، فأي محاكم تلك الدول صاحبة الاختصاص؟ مكان وجود الجاني ويكون الاختصاص للمحاكم الجزائرية التابعة لها الأرض باعتبارها المكان الذي صدرت منه الفعلة؟ أم أن هذه الجريمة من اختصاص المحاكم التونسية باعتبارها المكان الذي توجد فيه الضحية ؟ أم أنّ هذه الجريمة من اختصاص المحاكم الفرنسية باعتباره المكان الذي تحققت فيه النتيجة الاجرامية؟ تعدّدت النظريات الفقهية في هذا الموضوع، إذ يعتبر البعض أن المكان الذي جدّ فيه نشاط المجرم هو مكان ارتكاب الجريمة، فينصبّ اهتمام هذه النظرية على المكان الذي حصل به ماديا الفعل الإجرامي، بينما يظهر للبعض الآخر أنه يجب اعتماد المكان الذي ظهرت فيه نتيجة الجريمة بينما يتضح لشقّ ثالث أن الجريمة مرتكبة في مكان نشاط المجرم وفي نفس الوقت في المكان الذي ظهرت فيه نتيجته. لم يكرس المشرع التونسي حلا واضحا لكن بالرجوع للفصل 305 من م إ ج في نسخته العربية يتضح أن المشرع التونسي يمكن القول أنه تبنى ضمنيا معيار مكان ارتكاب السلوك الاجرامي إذ نص الفصل المذكور على أنه "يمكن تتبع ومحاكمة المواطن التونسي من طرف المحاكم التونسية إذا ارتكب خارج تراب الجمهورية جناية أو جنحة يعاقب عليها القانون التونسي. ولكن نظرية الفعل ورغم اعتمادها من شق لا يستهان به من طرف الفقه وفقه القضاء ولكن اليوم باتت عاجزة عن حل المشكل نظرا لوجود أصناف من الجرائم يتحقق فيها السلوك الإجرامي في أكثر من مكان وهو ما سمح بظهور معيار النتيجة التي تعتمد لتحديد مكان ارتكاب الجريمة، المكان الذي حصل فيه النشاط الإجرامي، وهذا الأثر يجب الوقوف عنده نظرا لأنه مقصد المجرم وغايته. فالنتيجة هي التي تثبت الجريمة وهي مكان اجتماع حقيقتها المادية. كما أن هذا المعيار يستوعب ما شهده العالم من تطورات خاصة الانفتاح الخارجي وتسهيل المعاملات أصبحت الجريمة ترتكب على عدة أقاليم وهو ما يؤكد دور النتيجة وليس الفعل الإجرامي الذي لا يظهر بسهولة في هذا الإطار. ولكن هناك من يعتبرأن المعيار الأفضل هو القائم على أساس العلاقة السببية بين عناصر الركن المادي للجريمة إذ أنه يمكن اعتبار الجريمة ارتكبت في المكان الذي قام الجاني فيه بنشاطه الإجرامي كما أنها ارتكبت في المكان الذي حدثت فيه نتيجة الفعل الإجرامي طالما أن هذين العنصرين هما الوسيلة الوحيدة لإجراء ذلك . وبهما يتم توضيح طبيعة الجريمة من زاويتي التطبيق المادي للجريمة وكذلك ظهور أثرها، فلتكن هذه أو تلك تمت داخل الاقليم فإن القضاء الوطني يكون هو المختص . ويتضح من ذلك أنه ليس السلوك أو النتيجة التي ساهمت في إحداث الجريمة ولكن باجتماعهما في نفس الوقت لذلك تعتبر الجريمة مرتكبة في مكان السلوك ومكان النتيجة وفي كل مكان تتحقق فيه الآثار المباشرة للسلوك الإجرامي التي تتكون منها الحلقات المسببة التي تصل بين السلوك والنتيجة. في حين يرى البعض أن مكان الأثر المباشر هو الأنسب باعتباره المكان الذي يسهل فيه الإثبات وجمع الأدلة والشهود لهذا يجب التركيز على النتيجة المباشرة التي جاء بها السلوك ومثال ذلك إن نتيجة الطلق الناري ليست ظهور القذيفة في حد ذاتها ولكن الإصابة التي لحقت بالمتضرر وكذلك في حالة الاعتداء بالسبب والشتم على شخص ليست النتيجة في ردود الفعل النفسية للمعتدي عليه ولكن أيضا في الأضرار التي لحقته من جرّاء ذلك الاعتداء. فهناك نتائج فورية بما أن الجريمة ينتهي كل نشاطها ونتيجتها في وقت واحد وعلى مكان واحد. وهناك نتيجة تحدث وقائعها المرتبطة في أزمنة وأمكنة متفرقة وهو ما جعل الفقه يعتبر أن تحديد مكان ارتكاب الجريمة بالمكان الذي حدث فيه النشاط أي بمعنى "الأثر المباشر" والغاية من ذلك استبعاد الأمكنة الأخرى التي قد ينتقل إليها المتضرر وتحدث فيها باقي الوقائع التي تكون النتيجة التي قصدها الجاني. ويتضح مما سبق أن الحلول التي اتجه إليها الفقه، من شأنها أن تولد تنازعا بين الدول لهذا فهناك من يرى أن الواجب اعتبار جميع الدول متساوية في الحقوق والسيادة لهذا وجب إعطاء الأفضلية لقاضي الدولة الذي تطرح الدعوى أمامه لأول مرة(سبق التعهد) مع مراعاة بقية مبادئ تطبيق القانون في المكان وقواعد تسليم المجرمين الأجانب.

2- استثناءات مبدأ الإقليمية (الحصانات):

هناك حالات لا يسري فيها القانون الجزائي على الجريمة المرتكبة في إقليم الدولة وذلك إذا وقعت هذه الجريمة من أشخاص معيّنين تقرّر إعفاؤهم من الخضوع للقضاء الجزائي إما بمقتض القانون الداخلي أو إما بمقتضى القانون الدولي العام وهم المتمتعون بالحصانة. فرغم إرتكاب الجريمة داخل التراب الوطني فإنه من الممكن عدم تطبيق القانون الجزائي المحلي نظرا لصفة الشخص أو وظيفته، وتأكيدا لأهمية الإعفاء من التتبع الجزائي فإنه يتجه ضبط نطاقها (2-1) وطبيعتها (2-2).

2-1- نطاق الحصانة

أكّد الدّستور التونسي بالفصل السادس مبدأ مساواة الجميع أمام القانون وذلك تماشيا مع المادة السابعة من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ولكن تعدّ الحصانة أمرا ضروريا بإسناد امتيازا لأقلية من الأفراد قصد حمايتهم من الضغوطات، وإنجاح مهامهم على أحسن وجه كما يبرّرها الفقه بأنها نشأت من أجل المحافظة على السيادة وخدمتها وهو ما يؤكد حصانة رئيس الدّولة وبعض الأشخاص المكلفين بوظائف محددة.

*- حصانة رئيس الدّولة :

نصت عليها الفقرة الثانية من الفصل 41 من الدستور:<< يتمتع رئيس الجمهورية اثناء ممارسة مهامه بحصانة قضائية ، كما ينتفع بهذه الحصانة القضائية بعد انتهاء مباشرته لمهامه بالنسبة إلى الأفعال التي قام بها بمناسبة أدائه لمهامه .>>. والهدف من تقرير هذه الحصانة هو تحقيق الاستقلال لرئيس الجمهورية حتى يمكنه القيام بمهام وظيفته وأهمها تحقيق التوازن بين سلطات الدّولة المختلفة" رئيس الدّولة يتمتع بهذا الامتياز من تاريخ تولّيه لمنصبه ولو كان غير مباشر لصلاحياته، وهي حصانة مطلقة بالنسبة للتقاضي الجزائي الوطني. ولكن نصت بعض التشاريع صراحة على محاكمة رئيس الدولة إذا ارتكب عملا من أعمال الخيانة العظمى أو عند خرقه للدستور مثل نص المادة 90 من الدستور الإيطإلى الصادر سنة 1948 والمادة 60 من الدستور اللبناني.

*- حصانة النواب والمستشارين:

من الثابت ان المجالس النيابية تضطلع بوظائف ومهام جسيمة وخطيرة، فهي من تسن القوانين التي تحدد معالم السياسات الحكومية على الصعيد الداخلي والخارجي كما أنها تراقب سياسات الحكومة الداخلية والخارجية من النواحي السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فلذلك كان لزاما أن يعطي الدستور حصانة لأعضاء مجلسي النواب والمستشارين حتى يمارسوا اعمالهم دون اية قيود تحد من حريتهم وتحفظ لهم الاستقلالية بالشكل الذي يبعدهم عن أي ضغط ، والحيلولة دون إعاقتهم عن متابعة أعمالهم على أكمل وجه. وهذه الحصانة نوعا مطلقة ونسبية. فهي حصانة مطلقة (وتسمى أيضا حصانة موضوعية لأنها تحول دون إمكانية وصف الفعل بالجريمة وبالتالي فلا مجال للمحاكمة مطلقا) طبق الفصل 26 من الدستور:"لا يمكن تتبع عضو مجلس النواب او عضو مجلس المستشارين أو إيقافه أو محاكمته لأجل آراء أو اقتراحات يبديها أو أعمال يقوم بها لأداء مهامه النيابية داخل كل مجلس". إذ تقتضي طبيعة النظام البرلماني عدم محاكمة أعضاء البرلمان جنائيا بسبب الآراء والأفكار التي يبدونها أثناء قيامهم بوظائفهم وهذه الحصانة تعبير عمّا استقر عليه العرف الدّستوري بالإضافة إلى أن تقرير الحصانة لأعضاء مجلسي النوّاب والمستشارين ضرورة لتمكينهم من أداء أعمالهم على النحو الذي يحدده الدستور. وهي حصانة نسبية (وتسمى كذلك حصانة إجرائية لأنها تعطل فقط إجراءات التتبع ومن الممكن أن تقع المحاكمة بعد زوالها أو بمجرد رفعها) طبق الفصل 27 من الدستور:<< لا يمكن تتبع أو إيقاف أحد أعضاء مجلس النواب أو مجلس المستشارين طيلة نيابته في تهمة جنائية أو جناحية ما لم يرفع عنه المجلس المعني الحصانة . أما في حالة التلبس بالجريمة فانه يمكن إيقافه ويعلم المجلس المعني حالا على أن ينتهي كل إيقاف إن طلب المجلس المعني ذلك. وخلال عطلة المجلس المعني يقوم مكتبه مقامه >>. والغاية من هذه الحصانة هي توفير الحرية الكاملة لممثلي الشعب في أداء مهامهم والاضطلاع بمسؤولياتهم ولكن تبقى إثارة التتبع ممكنة كلّما وافق المجلس على ذلك. ولا بد من الإشارة هنا ان العضو الذي رفعت عنه الحصانة ولم يقع إيقافه له الحق في حضور جلسات المجلس واجتماعات اللجان والمشاركة في المناقشة والتصويت، كما انه ليس من حق النائب ان يتنازل عن حصانته دون موافقة المجلس ومن هذا كله نجد ان الحصانة البرلمانية ما هي الا عبارة عن مجموعة من القواعد الخاصة المقررة كاستثناء لأعضاء البرلمان لتأمين استقلاليتهم عن السلطات الأخرى ولتمكينهم من القيام بواجباتهم الدستورية، وتتمثل هذه القواعد بعدم مؤاخذة أعضاء البرلمان عما يبدونه من آراء وأفكار بمناسبة قيامهم بعملهم البرلماني وعدم جواز اتخاذ إجراءات جزائية ضدهم الا بعد الحصول على إذن المجلس التابعين له.

*- حصانة القضاة:

جاء القانون رقم 29 المؤرخ في 14 جويلية 1967 ضابطا لنظام القضاء ومهنة القضاة واقتضى الفصل 22 منه أنه : "لا يمكن بدون إذن من المجلس الأعلى للقضاء تتبع أي قاض من أجل جناية أو جنحة أو سجنه لكنه في صورة التلبّس بالجريمة يجوز إلقاء القبض عليه ويعلم عندئذ المجلس الأعلى للقضاء فورا." ويتضح من خلال ذلك أن حصانة القضاة لا تشمل المخالفات وتنفيذ العقوبات المالية وهي حصانة إجرائية بالأساس وهي ذات طابع نسبي تحول دون تتبعهم أو تنفيذ عقوبة سجنية بحقهم إلى أن يقع رفعها بإذن المجلس الأعلى للقضاء أو بعلمه في حالة التلبس.

*- حصانة رؤساء الدول الأجنبية

إن هذه الحصانة مقررة في العرف الدولي وأساسها فكرة المجاملة لرئيس الدولة، نظرا لتمثيله أعلى هرم السلطة في علاقاتها مع الخارج، ولهذا وجب أن يكون محلّ رعاية كاملة من سائر الدول الأخرى. فوجود الرئيس أو الملك على إقليم دولة أخرى يلزمها بأن تحفظ استقلاله وتوفر له الحماية والرعاية اللازمة، ومن الطبيعي إعفائه من الخضوع للقضاء الجزائي الإقليمي وعدم التعرّض للمسكن الذي يقيم فيه إلا بعد موافقته وهي حصانة مرتبطة في كل الحالات بقواعد المعاملة بالمثل والمجاملة والتقاليد التي تتبعها كل دولة، كما تمنح لأفراد أسرته وحاشيته، ولا تنتهي حتى لو زالت عنه صفته فليس هناك ما يمنع الدول أن تحتفظ له بها. كما يتمتع رؤساء الحكومات والوزراء بالحصانة القضائية طالما كانوا في مهمة رسمية أي أنه إذا مثلوا رؤساء دولهم في الخارج. ولكن يستثنى من هذه الحصانة الجرائم الدولية والأعمال الموجهة ضدّ سلم الإنسانية وأمنها طبق ما حددته المادة الخامسة من اتفاقية روما للمحكمة الجزائية الدولية الموقع عليها بتاريخ 17/07/1998، مثل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان فإن مرتكبها لا تعفيه صفته من المسؤولية طبق أحكام المادة 27 من الاتفاقية المذكورة وقد جاء في المادة السابعة في الفقرة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (1993) وفي المادة السادسة في الفقرة الثانية من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا (1994)، ما يؤكد أن الصفة الرسمية للشخص باعتباره رئيساً للدولة لا تعفيه بحال من الأحوال من المسؤولية الجنائية. و لقد وجهت المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة كما هو معروف الاتهام عام 1999 إلى رئيس جمهورية يوغسلافيا الاتحادية سابقا سلوبودان ميلوسوفيتش الذي توفي أثناء محاكمته. و في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1998 كان لوصول أوغستو بينوشيه إلى لندن لإجراء عملية جراحية أن زعزع ما قام عليه مفهوم حصانة رؤساء الدول الحاليين والسابقين في أوروبا، فقد أوقفت الشرطة رئيس تشيلي السابق بالاعتماد على مذكرة توقيف دولية أصدرها قاضيان إسبانيان بتهمة الإبادة الجماعية والتعذيب بحق أشخاص يحملون الجنسية الإسبانية.و بعد عشرة أيام طلب مكتب الشرطة الاتحادية السويسرية بدوره تمديد الإيقاف التحفظي بحقه بتهمة خطف وتعذيب وقتل مواطن سويسري، ثم تم تقديم ثماني شكاوى من لاجئين تشيليين أمام القضاء السويدي تبعتها شكاوى في بريطانيا وفرنسا، إلا أن وزارة الداخلية البريطانية رفضت تسليمه وسمحت له بالمغادرة إلى بلده. ولكن محكمة الاستئناف التشيلية أصدرت يوم 11 /1/ 2006 قرارا قضائيا بأغلبية 17 صوتا مقابل ستة أصوات، رفعت بموجبه الحصانة عن رئيس تشيلي السابق ليحاكم وهو في التسعين من العمر في قضية تتعلق بجريمتي قتل خارج القضاء عام 1973.أي أن مبدأ حصانة رئيس الدولة بدء يهتز، لكنه لم يسقط تماما. وللتذكير فقد رفضت فرنسا وبلجيكا الطلبات التي تقدمت بها المنظمات الحقوقية في نوفمبر 1998 لمحاكمة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية لوران كابيلا أثناء زيارته لتلك الدولتين.

*- حصانة الدبلوماسيون :

نص الفصل 31 بفقرته الأولى من اتفاقية فيانا المتعلقة بالعلاقات الدبلوماسية على أنّ:"المبعوث الدبلوماسي يتمتع بالحصانة الدبلوماسية أمام المحاكم الجزائية للدولة المعتمد لديها". ولقد حدّد الفصل الأول من الاتفاقية المذكورة المستفيدين من الحصانة فتشمل البعثة الدبلوماسية فضلا عن رئيسها مجموعة من الأشخاص الموظفين بها. ولا تتوقف الحصانة على هؤلاء بل تمتد إلى أعضاء عائلة الممثل الدبلوماسي وخدمته بشرط أن لا يكونوا من رعايا الدولة المعتمد لديها طبقا للفصل 37 من الاتفاقية المذكورة. وبالتالي يتمتع بالحصانه الدبلوماسية الأشخاص الآتين : " أ ) أفراد أسرة المبعوث من أهل بيته الذين يقيمون معه ./ ب ) موظفو البعثة الإداريون والفنيون ./ ج ) مستخدمو البعثة الذين ليسوا مواطنين او مقيمين إقامة دائمة في الدولة المضيفة./ د ) الخدم الخاصين لأعضاء البعثة الذين ليسوا من رعايا الدولة المعتمدون لديها وليست لهم بها إقامة دائمة لا يستفيدون من اية مزايا او حصانات دبلوماسية ./ هـ ) أما الممثل الدبلوماسي الذي يكون من جنسية الدولة المعتمد لديها او يكون محل إقامته الدائم بها لا يستفيد من الحصانة الدبلوماسية" . وعلى أي حال فإن هذه الحصانة اقتضتها ضرورة التعاون الدولي وهي مستمدة من استقلال الدولة وسيادتها- وتهدف هذه الحصانة إلى ضمان استقلال الممثل الدبلوماسي ليتمكن من القيام بوظائفه التمثيلية بوجه مرضي فالدبلوماسي يجب أن يسمح له بقدر من الحرية يبعده عن قبضة الاختصاص المحلي لدولة الاستقبال في حدود ما هو لازم لعدم تعكير حريته في أن يمثل السيادة التابع لها وأن يوافيها بتقاريره. وهو ما أكّده المنشور عدد 1970 المؤرخ في 24 أكتوبر 1960- فيتمتع رجال السلك السياسي بحصانة مطلقة تشمل كلّ أفعالهم سواء تعلّقت بالعمل الدبلوماسي أم لم تكن متعلقة به – ذلك أنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نفرق بين ما هو خاصّ وما هو عامّ بالنسبة لنشاط الممثل الدبلوماسي وحتى لو كانت هذه التفرقة ممكنة، فإن إخضاع نشاطه الخاص لاختصاص القضاء المحلّي قد يعوق نشاطه العام فإن الاتجاه يسير نحو جعل هذه الحصانة كاملة حتى أنّ العمل جرى على منحه قدرا كبيرا من الامتيازات يزيد عمّا يمنح لصاحب السيادة الذي يمثله." وجاء بديباجة اتفاقية فيانا لسنة 1961 "إن الهدف من إقرار الحصانة للسلك الدبلوماسي ليس هو تخويل امتياز لبعض الأفراد وإنّما هو فقط تمكين البعثات الدبلوماسية من ممارسة وظائفها في نجاعة كاملة"

*- حصانة القناصل :

المادة 42 من اتفاقيه فيانا لسنة 1961 تنص على إعفاء الأعضاء والموظفين و المستخدمين القنصليين من الخضوع لاختصاص السلطات القضائية او الإدارية بالدولة الموفدين إليها فيما يتعلق بالأعمال التي يقومون بها و المتصلة بأعمالهم القنصلية، ولكل من يصيبه ضرر من هذه الأعمال ان يتقدم إلى الدولة المضيفة بشكواه كي توصلها الى حكومة البعثة القنصلية. و فيما يتعلق بتصرفات القنصل الخاصة خارج نطاق عمله الرسمي، فقد جرى العمل بشرط المعاملة بالمثـل على قصر محاكمة القناصل على الجرائم الجسيمة التي يرتكبونها. و فيما عدا ذلك يخضع أعضاء البعثة القنصلية للاختصاص القضائي الجزائي للدولة المضيفة، فيحاكمون أمام محاكمها و ينفذ عليهم الأحكام الجزائية الصادرة ضدهم من تلك المحاكم. وهو ما أكده منشور كتابة الدولة للعدل بتاريخ 4/5/1964 والذي جاء فيه: "أن القناصل ليسوا معدودين من بين أعضاء السلك الدبلوماسي ولا يتمتعون بالحصانة إلا بالنسبة للأعمال التي يقومون بها أثناء مباشرتهم لوظائفهم ما لم تكن هناك اتفاقية دبلوماسية تقتضي خلاف ذلك" فالقنصل ليس سوى وكيل تجاري، فإن هذه الامتيازات والحصانات لا تمتد إلى أسرته لأن هذا غير لازم لمباشرة الوظيفة القنصلية وهذا ما يدعو بعض الفقهاء لأن يقول أن الامتيازات والحصانات القنصلية حكومية اكثر منها شخصية" . والحصانة القضائية لا تمتد إلى أعضاء عائلة الموظفين والعملة القنصليين بل تقتصر عليهم فقط إما بموجب الوظيفة أو إذا كانت هناك اتفاقية تقتضي شمول الأعمال التي ترتكب بصفة شخصية.

*- ممثلي وموظفي الهيئات والمنظمات الدولية :

هذه المنظمات والهيئات الدولية لا تتمتع بالحصانة القضائية إلا في نطاق المعاهدات المبرمة بينها وبين البلاد التونسية، وقد انضمت تونس إلى هيئة الأمم المتحدة المنظمة بالاتفاقية المؤرخة في 13/2/1946 واقتضى الفصل 105 منها أنه "تتمتع الهيئة في أرض كل عضو من أعضائها بالامتيازات والإعفاءات التي يتطلبها تحقيق مقاصدها وكذلك يتمتع المندوبون من أعضاء الأمم المتحدة وموظفو الهيئة بالامتيازات والإعفاءات التي يتطلبها استقلالهم في القيام بمهام وظائفهم المتصلة بالهيئة" . والملاحظ أن هذه الحصانة مقررة لممثلي الدول الأعضاء ليس بهدف مصلحتهم الخاصة وإنما ضمانا لتمتعهم بكامل الاستقلال في أداء مهامهم بهيئة الأمم المتحدة وهو ما أكدته المادة 14 من الاتفاقية المذكورة. ويتضح من خلال هذه المعاهدة أنه تمنح الحصانة لكل من الأمين العام للأمم المتحدة والأمناء المساعدين وزوجاتهم وأولادهم القصر وموظفي المنظمة بالنسبة لما يصدر منهم بصفتهم الرسمية من أعمال ويستمر ذلك معهم بالنسبة للأعمال التي قاموا بها أثناء مباشرتهم لوظائفهم ولو بعد انتهاء مأموريتهم طبقا للمادة 12 من الاتفاقية. كما صادقت تونس على إتفاقية21/11/1947 المتعلقة بامتيازات وحصانات الوكالات المختصة للأمم المتحدة وذلك بمقتضى القانون المؤرخ في 10/3/1958، ومن أهم هذه الهيئات، هيئة العمل الدوليّة، وهيئة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة وهيئة الطيران الدّولي، والبنك الدّولي للتعمير والتنمية. ونصت المادة 21 على تمتع الرئيس التنفيذي لكلّ وكالة بالمزايا والإعفاءات الممنوحة للمبعوثين الدبلوماسيين طبقا للقانون الدولي. كما يتمتع ممثلو الدول الأعضاء في الاجتماعات التي تدعو إليها أي وكالة مختصّة أثناء قيامهم بوظائفهم وأثناء سفرهم من وإلى مقر الاجتماع بالحصانات والامتيازات ولكن للدول الأعضاء رفع الحصانة عن ممثلها في جميع الأحوال التي يتضح فيها أن تلك الحصانة تحول دون تحقيق العدالة وهو ما نصت عليه المادة 16 من اتفاقية 1947. كما أن جامعة الدول العربية تربطها بتونس الاتفاقية الموقعة في 18 جوان 1980 والمصادق عليها بالقانون عدد 29 لسنة 1981 بتاريخ 15 أفريل 1981 واقتضت المادة 14 من ميثاق الجامعة على منح الحصانة لممثلي الحكومات فيها وكذلك الموظفين الدوليين، ونصّت المادة 11 من الاتفاقية التي اعتمدها المجلس في 10 ماي 1953 على الحصانة الشخصية التي تمنع القبض على الممثل وحبسه بالنسبة لما يصدر من ممثلي الدول الأعضاء في الجامعة قولا أو كتابة أو عملا.

*- حصانة قوة الطوارىء الدولية:

لا يخضع أفراد هذه القوة -كقاعدة عامة- للولاية القضائية الجنائية للدولة المتواجدين على أرضها فقد تقرر لهم التمتع بالحصانة الجزائية بالنسبة لما يرتكبونه من جرائم.

2-2- الطبيعة القانونية للحصانة

من المؤكد أن الحصانة تؤدي إلى عدم قيام سلطة الدّولة في معاقبة الفاعل ومن ثمّ لا يجوز إتخاذ أي إجراء من الإجراءات الجزائية في حقه، مع محافظة الدولة على حقها في اتخاذ الإجراءات الإدارية أو الدبلوماسية التي تكفل إبعاد المتمتع بالحصانة عن إقليمها، (وهو ما نص عليه المنشور عدد 1970 المتعلق بالحصانة الديبلوماسية المؤرخ في 24 أكتوبر 1960) ومع بقاء مرتكب الفعل خاضعا لقضاء دولته وهو ما يعني أن الحصانة ليست سبب إباحة وانما تعفي المتمتع بها فقط من الخضوع لقضاء الدولة المضيفة. لهذا يتجه بعض الفقه إلى تكييف الحصانة بأنها إعفاء من الخضوع للتشريع والمستفيد يخرج من عداد من يوجّه إليه المشرع أوامره ونواهيه، أي أن الحصانة سبب من أسباب الإباحة، لكن الأخذ بهذا الاتجاه سيؤدي إلى نتائج غير مقبولة تهم خاصة مسألتي المسؤولية المدنية وحالة الشريك الذي لا يتمتع بالحصانة، فالإباحة تعني أنه لا مسؤولية مدنية ولا مشاركة ويصبح من غير الممكن التعويض للمتضرر أو تسليط العقاب على المشارك، وهذا غير وارد طبعا. لذلك فهناك من يرى أن مجال الحصانة هو الإجراءات الجزائية فهي مجرد مانع إجرائي يحول دون اتخاذ الإجراءات ضد شخص معين، في حين يبقى الفعل على حاله ويظل ممنوعا. وتجدر الإشارة أخيرا إلى أن الحصانة إجراء يهمّ النظام العام تثيره المحكمة من تلقاء نفسها.

ب - المبادئ التكميلية:

إن تطبيق القانون الجزائي الوطني على جرائم ارتكبت خارج الإقليم يبقى بمثابة الاختصاص الاحتياطي أو التكميلي لأن المرجع الأصلي والاقصائي كما سبق بيانه هو هو مبدأ الإقليمية. وتطبيق النص الجزائي على الجرائم المرتكبة بالخارج تنظمه ثلاثة مبادئ هي: الشخصية والعينية والعالمية.

1- مبدأ الشخصية:

يعتبر مبدأ الشخصية تاريخيا الأصل في تطبيق القانون الجزائي إلا أنه أصبح اليوم من المبادئ المكمّلة لمبدأ الإقليمية في حالة ارتكب أحد مواطني الدولة جريمة في إقليم دولة أجنبية وعاد الى وطنه الأم، فسلطة الدولة لا تتوقف على ارتكاب الجريمة بإقليمها بل تمتد لتشمل الجرائم التي يرتكبها مواطنوها في الخارج أو التي يقع فيها الاعتداء عليهم. فمبدأ الشخصية له وجهان، وجه إيجابي هو تطبيق النص الجزائي على كلّ من يحمل جنسية الدولة إذا ارتكب جريمة في الخارج، ووجه سلبي يهدف إلى تطبيق النص الجزائي على كل جريمة فيها اعتداء على مواطن مهما كانت جنسية. وتجدر الاشارة هنا الى ان تطبيق القانون الجزائي الوطني خارج الإقليم يبرّر باعتماد فكرة التعاون الدولي لمكافحة الجريمة، لأنّ أغلب الدول لا تسلّم رعاياها فيصبح المجرم بدون عقاب بعد ارتكابه لجريمة في الخارج وتحصّنه بأرض دولته . لذلك اتجهت الدول لمتابعة الجرائم التي يرتكبها مواطنيها في الخارج (أولا) ومراقبتهم وتأمينهم من الجرائم التي يتعرضوا إليها خارج أرض الوطن (ثانيا).

أولا : مبدأ الشخصية الإيجابية: الجرائم المرتكبة في الخارج من قبل تونسي

إن علة تكملة مبدأ الإقليمية في هذه الحالة هي أنه من العدل أن يظلّ المواطنون مسؤولون لدى دولتهم عن أفعالهم الإجرامية التي من شأنها أن تضرّ بسمعتها بالخارج، لهذا فقد ضبط المشرع التونسي صلب الفصل 305 من مجلة الإجراءات الجزائية شروط التتبع وأهمها: - أن يكون الجاني تونسي، ذلك لأنه إذا كان أجنبيا فلا سبيل للدولة إليه ما دامت الجريمة الواقعة منه في الخارج لا تمس بها. فعلة هذا الاستثناء تكمن في أن الدولة التونسية لا يمكنها تسليم مواطنيها ولو ارتكابوا جريمة في الخارج لأن إبعاد المواطنين محظور دستوريا ( الفصل 11 من الدستور:"يحجر تغريب المواطن عن تراب الوطن أو منعه من العودة إليه".)،وتسليمهم ممنوع قانونا (الفصل 312 م ا ج:"لا يمنح التسليم في الحالات الآتية: أولا : إذا كان الشخص المطلوب تسليمه مواطنا تونسيا، وتقدر هذه الصفة عند النظر في مطلب التسليم") فإن لم تسلمه تونس ولم تعاقبه في نفس الوقت كان معنى ذلك إفلاته من العقاب واعتبر ذلك خرقا لالتزامها بالتعاون الدولي في مكافحة الإجرام وتقصيرا في إنزال الجزاء الواجب بمن يستحق الجزاء. ويطرح شرط الجنسية العديد من الصعوبات خاصة إذا ما تمسك المتهم بعدم انتمائه للجنسية التونسية لهذا فإن مسألة إثبات جنسية الفاعل تبقى من مشمولات النيابة العمومية بوصفها جهاز تتبع في الدعوى العمومية(وفي هذا الصدد نص المشرع التونسي صلب الفصل 50 من مجلة الجنسية على أنه إذا أثير لدى محكمة زجرية احتجاج بالجنسية التونسية أو بصفة الأجنبي فعلى هاته المحكمة أن تضرب أجل قدره ثلاثون يوما قصد القيام بقضية لدى المحكمة المختصة، مع العلم أن إثارة الدفع بفقدان الجنسية يوقف نظر القاضي الجزائي إلى حين صدور الحكم المدني، بما أن المشرع التونسي جعل النزاعات المتعلقة بالجنسية من أنظار المحاكم المدنية وأكد وجوبيّة حضور النيابة العمومية نظرا إلى أن مسائل الجنسية تهم النظام العام وتثيرها المحكمة من تلقاء نفسها، وإذا انقضى الأجل الوارد بالفصل 50 من مجلة الجنسية، فإن القاضي الجزائي يستأنف التتبع، غير أنه من الممكن للقاضي الجزائي أن يمنحه أجلا إضافيا وهو الاتجاه الغالب فقها). ويثار تساؤل حول إمكانية تغيير جنسية الجاني واختلافها عند المحاكمة عنها عند ارتكاب الجريمة (في حين ينص الفصل 113-6 من م ج الفرنسية على أنه يقع تطبيق هذا الفصل حتى ولو تحصل المتهم على الجنسية الفرنسية بعد الفعل المنسوب إليه) ، أجاب المشرع التونسي عن ذلك بالفقرة الثانية من الفصل 305 من م أ ج على أنه يمكن تتبع ومحاكمة الفاعل الذي لم يكتسب صفة المواطن التونسي إلاّ بعد تاريخ ارتكابه للأفعال المنسوبة إليه. - وإلى جانب شرط الجنسية يضيف الفقه شرطا أساسيا أخر لتطبيق مبدأ الشخصية الايجابية و هو أن يتواجد المجرم على إقليم دولته - أن تكون الجريمة طبق القانون التونسي من صنف الجناية أو الجنحة دون المخالفات نظرا لأنها لا تثير اهتماما كبيرا أو أنها لا تثير أي صدى بالبلاد التونسية طالما ارتكبت بالخارج. - أن يكون الفعل مجرما في مكان ارتكابه وفي تونس وهو ما يسمى قاعدة "إزدواج التجريم"، لكن لا ضرورة لوجود تطابق واتحاد بين القوانين فمن الممكن أن يعطي القانون الأجنبي للوقائع تكييف مختلف أو يطبق العقوبات بأكثر أو أقل شدة (مع الملاحظة أن القانون الفرنسي لا يشترط ازدواج التجريم في الجنايات أما الجنح المرتكبة من طرف الفرنسيين في الخارج فيشترط فيها إزدواجية التجريم حسب الفصل 113-6 "ينطبق القانون الجزائي الفرنسي على كل جناية إرتكبها فرنسي خارج إقليم الجمهورية وينطبق على الجنح التي ارتكبها الفرنسيون خارج إقليم الجمهورية إذا كانت الأفعال معاقب عليها من طرف تشريع البلد الذي ارتكبت فيه") . وتتحمل النيابة العمومية عبء إثبات أن الفعلة التي ارتكبها المتهم منصوص عليها بالقانون الجزائي الأجنبي (مع أن المحاكم الفرنسية اتجهت في العديد من القرارات إلى أنّ "قاضي الموضوع له سلطة تقديرية في إثبات أن الفعل المرتكب بالخارج لا يكوّن جريمة طبق القانون الأجنبي، إذ لا رقاية عليه من طرف محكمة التعقيب، قرار تعقيبي فرنسي بتاريخ 12 نوفمبر 1997") ، كما أن شرط ازدواج التجريم يقتضي أن يكون الفعل مجرّما عند التتبع وليس عند ارتكاب الجريمة، كما نصّ المشرع صراحة على إمكانية سقوط التتبع والمحاكمة كلّما أثبت المظنون فيه أنه سبق الحكم عليه بالخارج وانقرض مفعول هذا الحكم بالعفو أو التقادم. ويستثنى من شرط ازدواجية التجريم الجريمة الإرهابية حسب أحكام الفصل 55 من القانون عدد 75 لسنة 2003 مؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الارهاب ومنع غسل الاموال:"تكون المحاكم التونسية مختصّة بالنظر في الجرائم الإرهابية المرتكبة خارج تراب الجمهورية في الصور التالية:- إذا ارتكبت من قبل مواطن تونسي..." و. الفصل 56: لا تتوقف إثارة الدعوى العمومية، في الصور المنصوص عليها بالفصل 55 من هذا القانون، على تجريم الأفعال موضوع التتبع بمقتضى قانون الدولة التي ارتكبت فيها . فإن توفرت تلك الشروط كان بالإمكان تتبع المواطن التونسي المرتكب لجريمة في الخارج إلا إذا سبق صدور حكم في الخارج من أجل ذات الأفعال وذلك تطبيقا لقاعدة" عدم جواز المحاكمة عن الفعل الواحد مرتين"، وقد أقرّ المشرع هذه القاعدة بالفصل 132 م.إ.ج. مكرّر"لا يمكن تتبع من حكم ببراءته من جديد لأجل نفس الأفعال ولو تحت وصف قانوني آخر".وعلة هذا المبدأ التشريعي ترجع الى قرينة اتصال القضاء بالجريمة نهائيا ببلاد مكان الفعلة (- أكّدت محكمة التعقيب في العديد من القرارات على قرينة اتصال القضاء إذ جاء بالقرار التعقيبي الجزائي عدد 101771 المؤرخ في 10 مـــــارس 1999 : " لا يعاقب الشخص مرّتين من أجل فعلة واحدة إذ أنّ مبدأ اتصال القضاء يهمّ النظام العام ويستوجب على محكمة التعقيب بوصفها محكمة مراقبة حسن تطبيقه وإثارته ولو من تلقاء نفسها ومن باب أولى وأحرى إذا وقعت إثارته من قبل من له مصلحة في ذلك") وعلى أساسه لا يمكن أن تقع محاكمة تونسي فيما سبقت مقاضاته من أجله من طرف محاكم الدولة الأخرى وإلاّ صار عرضة للمحاكمة مرتين من أجل فعل واحد وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد العدل والأنصاف، ويتعيّن على التونسي الذي ارتكب جريمة بالخارج أن يثبت حينئذ أنّه قد صدر عليه حكم من محكمة أجنبية واتصل القضاء بذلك الحكم، ولكن هذا كلّه لا يكفي إذ لا بدّ عليه من إثبات أحد أمور ثلاثة أخرى أشار إليها الفصل 305من م.إ.ج، وهي إمّا قضاء العقاب المحكوم به عليه أو سقوطه بمرور الزمن أو محوه بالعفو. فعدم جواز إقامة الدعوى العموميّة في هذه الحالة أمام القضاء الوطني بسبب ذلك الحكم الأجنبي معناه الاعتراف لذلك الحكم بصفة إنهاء الخصومة في الموضوع الذي حسمه أي بالأثر السلبي للشيء المقضي فيه كما لو كان صادرا في هذا الموضوع من القضاء الوطني. وعلى أيّّ حال فإن الجنسية التونسية ولئن كانت معيارا لتتبع كل تونسي أجرم بالخارج، فإنها معيار كذلك لتتبع كل من يعتدي على تونسي بالخارج.

ثانيا : مبدأ الشخصية السلبية:الجرائم المرتكبة بالخارج ضد تونسي

نصّ المشرع بالفصل 307 مكرّر م إ ج الذي أضيف بموجب القانون عدد 113 المؤرخ في 22 نوفمبر 1993 على أنه "كل من ارتكب خارج التراب التونسي سواء بوصفه فاعلا أصليا أو شريك جناية أو جنحة يمكن تتبعه ومحاكمته من قبل المحاكم التونسية إذا كان المتضرّر تونسي الجنسية. ولا يجري التتبع إلا بطلب من النيابة العمومية بناء على شكاية من المتضرر أو من ورثته. ولا يجوز إجراء التتبع إذا أثبت المتهم أنه حكم عليه نهائيا بالخارج، وفي صورة الحكم عليه بالعقاب، أنه قضى العقاب المحكوم به عليه، أو سقط بمرور الزمن، أو شمله العفو" (وهو ما اتجه إليه المشرع الفرنسي بالفصل 7- 113 من المجلة الجزائية) يتضح من خلال أحكام هذا الفصل أنه لتتبع الجرائم المرتكبة بالخارج ضدّ المواطن التونسي، يجب توفرّ جملة من الشروط الإجرائية، وأخرى موضوعية (وهو تقريبا ذات الحل المعمول به في القانون الفرنسي: إذ ينص الفصل 113-7 م ج على أن القانون الجزائي الفرنسي ينطبق على كل جناية أو جنحة يعاقب عليها بالسجن، ارتكبها فرنسي أو أجنبي خارج إقليم الجمهورية إذا كانت الضحية فرنسية الجنسية عند إرتكاب الجريمة. وحسب الفصل 113-9 أنه في حالة ارتكاب جريمة في الخارج ويكون معاقب عليها طبق القانون الفرنسي فإنه لا يمكن ممارسة أي تتبع ضدّ شخص أثبت أنه حكم عليه نهائيا في الخارج من أجل نفس الأفعال أو إذا أثبت في حالة إدانته أنه قضى العقوبة أو أنها سقطت بموجب التقادم. والفارق هو أن القانون الفرنسي الجديد لم يعد يتعرض الى حالة العفو الخاص والسبب هو أن العفو (حسب ما أورده بعض الفقهاء) "يمكن أن يكون قد منح نتيجة لظروف محلية محضة" مثل المناسبات والأعياد) .

* فالشروط الإجرائية تتمثل في:

- أن لا يكون قد سبق اتصال القضاء بالموضوع نهائيا في الخارج، إذ أنّ إثارة الدفع بوجود حكم سابق يوقف التتبع أمام المحاكم التونسية، وذلك تطبيقا لقاعدة عدم جواز محاكمة شخص مرتين عن تلك الأفعال. - وأن تكون إثارة الدعوى العمومية بطلب من النيابة العمومية إثر شكاية من المتضرر أو ورثته. و لا يمكن للمتضرر القيام على مسؤوليته الخاصة (وفي القانون الفرنسي وحسب الفصل 691 م ا ج فإنه عندما "ترتكب جنحة ضدّ فرد، فإن فتح تتبع لا يمكن أن يكون إلا بعريضة من النيابة العمومية ويجب أن تسبق العريضة شكوى من الطرف المتضرر أو بلاغ رسمي للسلطة من طرف سلطة البلد أين ارتكبت الجريمة". واحتكار النيابة العمومية لسلطة التتبع لا يوجد إلا في المادة الجناحية, أما في مادة الجنايات يمكن للضحية طلب فتح تتبع على مسؤوليته الخاصة) .

* أما الشروط الموضوعيّة فهي:

-أن يكون الفعل مجرما و مصنفا كجناية أو جنحة طبقا للقانون التونسي، أي أنّه لا يشترط ازدواج التجريم. - و أن يكون المتضرّر لحظة وقوع الجريمة يتمتع بالجنسية التونسية، لا أن يكتسبها عند إثارة التتبع. فإذا توفرت جملة هذه الشروط كان للمحاكم التونسية الاختصاص للنظر في الجريمة المرتكبة بالخارج وهو ما يسمح به كذلك مبدأ العينية.

2- مبدأ العينية

يقصد بمبدأ العينية "هو تطبيق القانون الجزائي الوطني على كل جريمة تمسّ مصلحة أساسية للدولة، وذلك أيا كان مكان ارتكابها وجنسية من ارتكبها" . فبعض الجرائم التي ترتكب في الخارج تمسّ أحيانا وبصفة مباشرة المصالح الكبرى للدولة، مثل الجرائم التي تهدّد الأمن الداخلي أوالخارجي أو الاقتصاد الوطني، وطبق مبدأ العينية فإن اختصاص القضاء الوطني يمتد إلى كلّ الاعتداءات المرتكبة ضدّ أمن الدولة ووضعها المالي مهما كان مكان وقوع الجريمة وجنسية فاعلها. و يعتبر الفقه الفرنسي (و حسب الفصل 113-10 ينطبق القانون الفرنسي على الجرائم المرتكبة في الخارج من طرف الأجنبي إذا كانت هذه الجرائم تمسّ بالدولة الفرنسية والنص الجديد يستعمل عبارة "المصالح الحيوية للأمة" : "ينطبق القانون الجزائي الفرنسي على الجنايات والجنح الموصوفة بإعتداءات على المصالح الحيوية للأمة والمعاقب عليها في العنوان الأول من الكتاب 17 (الكتاب 17 من المجلة الجديدة حول الجنايات والجنح المرتكبة ضدّ الأمة والدولة السلام العام، يتضمن عنوانا حول "الإعتداءات المرتكبة ضدّ المصالح الحيوية للأمة مثل الخيانة والتجسس وأي إعتداء يهدد الجمهورية والتآمر وحركة تمرّد وأي إعتداء على أمن العسكريين أو سر الدفاع الوطني) وجرائم التزييف وتقليد خاتم الدولة والقطع النقدية والورقات البنكية أو الأوراق العمومية المعاقب عليها في الف 442-1 و443-1 وعلى كل جناية أو جنحة ارتكبت ضدّ الموظفين (agents) والبعثات الدبلوماسية أو القنصلية الفرنسية والمرتكبة خارج إقليم الجمهورية") أن مبدأ العينية هو تجسّّيّد للإقليمية الافتراضية، فالجريمة رغم ارتكابها بالخارج ولكنّها تمسّ مباشرة النظام الداخلي للدولة، ولذلك تحمل على أنها ارتكبت بإقليم الدولة المتضررة. و يتأسس هذا المبدأ على فكرة أنّ لكل دولة الحق في عقاب الأفعال المرتكبة حتى خارج إقليمها ومن أجانب ضدّ قوانينها الجزائية إذا كانت هذه الأفعال تكون اعتداء على وجودها أو إخلالا بأمنها حتى ولو كانت هذه الأفعال غير منصوص عليها في قانون الدولة التي ارتكبت على إقليمها" . وقد كرس المشرع هذا المبدأ بالفصل 307 من م.إ.ج. الذي يتضح من طالعه أنّه لا يصحّ التتبع الجزائي إلاّ إذا كان مرتكب الجريمة أجنبيا ولا يؤثر على ذلك أن يكون فاعلا أصليا أو شريكا. الشرط الأول : أن يكون الجاني أجنبيا :جاء بالفصل 307 م.إ.ج :" أن كلّ أجنبي يرتكب خارج الجمهورية سواء بوصفة فاعلا أصليا أو شريكا". نتبين من خلال هذه الفقرة أنّه لا يتم التتبع والمحاكمة في هذه الجرائم المعيّنة إلاّ إذا اتضح أن الجاني أجنبيا (نظم المشرع التونسي حالة الأجانب بالقانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 وعرّف الفصل الأول منه، الأجنبي بأنه الشخص الذي ليست له الجنسية التونسية سواء كانت له جنسية أجنبية أم عديم الجنسية. مع الملاحظة أن المشرع التونسي إقتصر في مجلة الجنسية على تحديد الأصل التونسي دون أن تعرّض لتعريف الأجنبي، ومن ثمّ فإن كل من لا يعد تونسيا بحكم هذه القوانين يعدّ أجنبيا لا بإعتباره ذا جنسية أجنبية وإنّما بوصفه غير تونسي) . وأما التونسي الذي يرتكب إحدى هذه الجرائم لا يمكن تتبعه على أساس الفصل 307 بل يبقى ممكنا فقط على أساس الفصل 305 م.إ.ج. كما تجدر الإشارة إلى أنّ المشرع التونسي أقرّ مبدأ المساواة بين الفاعل والشريك عند ارتكاب هذه الجرائم، وبذلك يصبح تحت طائلة الفصل 307 كل من ساهم في تنفيذ الجريمة سواء بالتحريض أو الإرشاد أو ساعد على إنجازها بتخبئة شخص أو تصريف أشياء ناجمة عنها- وفي كل الحالات يمكن تحديد أفعال المشاركة طبق الفصل 32 من المجلة الجزائية. الشرط الثاني : ضرورة حضور المجرم الأجنبي بالتراب التونسي: تضمنت الفقرة الأخيرة من الفصل 307: أنه "يمكن تتبعه ومحاكمته طبق القوانين التونسية إذا ألقي عليه القبض بالجمهورية التونسية أو تحصلت الحكومة على تسليمه." وهو شرط منطقي حاول من خلاله المشرع أن يتجاوز بعض النقائص بمعنى أن حضور المتهم يضمن محاكمة عادلة ويخوّل له ممارسة حق الدفاع، ويتفادى صدور الأحكام الغيابية التي يصعب تنفيذها بالخارج. الشرط الثالث نوعية الجريمة: وهي أن تكون جناية أو جنحة المرتكبة بالخارج معاقبا عليها في القانون التونسي، وتحديدا كل ما من شأنه النيل من أمن الدولة وتقليد طابعها وتدليس العملة الوطنية الرائجة. وعلى ذلك فإن اختصاص المحاكم التونسية تشمل كل الأفعال المندرجة ضمن الفصول 60 إلى 79 من المجلة الجزائية وأمّا جريمة تقليد طابع الدولة جاءت به الفصول 179 إلى 184 من نفس المجلة وكذلك جريمة تدليس العملة تضمنته الفصول من 185 إلى 192 من المجلّة الجزائية. و لئن تظهر هذه الجرائم على أنها اعتداء على دولة معيّنة فإنّه في حقيقة الأمر تمسّ هيبة وسلطة كلّ الدول وهو ما يبرهن الاعتراف باختصاص عيني ذو بعد عالمي.

3- مبدأ العالمية:

يقصد بهذا المبدأ خضوع الأجنبي لقانون عقوبات الدولة التي يقبض عليه فيها أو يوجد على أرضها بعد ارتكابه جريمة في الخارج، ولو لم يكن لدولة مكان الإيقاف أي صلة بتلك الجريمة فلا المجرم ولا الضحية من مواطنيها ولا محل الجريمة من مصالحها فالغاية من هذا المبدأ هي تحقيق التعاون بين الدول في مكافحة الجريمة إذ يسمح بملاحقة أي مجرم وعدم تمكينه الإفلات من العقوبة أيّا كانت جنسيته وأيّا كان مكان ارتكاب الجريمة وأيّا كان نوع الجريمة ووصفها، الشيء الذي سيؤول إلى تكريس مبدأ عالمية التجريم والعقاب دون النظر إلى جنسية المجرم، وجنسية الضحية ومكان ارتكاب الجريمة، وهو ما اصطلح على تسميته بالاختصاص العالمي. فلقد عرف المجتمع الدّولي ظاهرة الإجرام الدولي الذي يستفيد من تقدّم وسائل المواصلات بين الدّول وسهولتها في تنفيذ الأعمال الإجرامية، مثل الاتجار في المخدّرات وتزييف النقود والاتجار بالرقيق الأبيض وخطف الأطفال، ويلجأ مرتكبو هذه الجرائم إلى مغادرة الدّول التي يرتكبون فيها جرائمهم وتغيير جنسياتهم حتى يتجنّبوا محاكمتهم عنها مستغلين في ذلك اختلاف التشريعات الجزائية للدّول. لهذا ظهرت الحاجة إلى تعاون الدّول فيما بينها لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة. وهو ما أدى إلى ظهور التعاون الدولي بين الدول والمنظمات الدولية قصد عقد الاتفاقيات التي تجنب الأسرة الدولية النتائج الوخيمة لتنازع السيادات ولانعكاس نتائج الإجرام الدولي على السيادة الداخلية. فالجريمة الدولية نشاط إجرامي شديد الخطورة يرتكبه عادة أفراد من جنسيات مختلفة وعادة ما يتجمعون في شكل عصابات إجرامية منظمة ، فهي كل اعتداء يمس سلامة القيم العالمية والمصالح المشتركة للإنسانية جمعاء. وبات من الطبيعي أن تتضمن جل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمادة الجزائية مبدأ "أما التسليم وإما العقاب" (و أنظر في هذا الصدد مثلا المادة4- 2- من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ونصها: تتخذ كل دولة طرف بالمثل ما يلزم من الاجراءات لإقامة ولايتها القضائية على هذه الجرائم في الحالات التي يكون فيها مرتكب الجريمة المزعوم موجودا في أى اقليم يخضع لولاياتها القضائية ولا تقوم بتسليمة عملا بالمادة 8 إلى اية دولة من الدول التي ورد ذكرها في الفقرة أ من هذه المادة) فالمجموعة الدولية لم تعد تكتف بمنع الإجرام الدولي بل دعت مختلف بلدان العالم لقبول هذا المبدأ الذي يهدف الى ضمان عدم بقاء الجريمة دون عقاب مهما كانت القيود التي تقف أمام معاقبة المجرم أو تسليمه، وهو ما تولد عنه مبدأ العالمية، أي إعطاء محاكم دولة ما صلاحية محاكمة المجرم دون اعتبار مكان اقتراف الجريمة أو جنسية الفاعل أو الضحية، وذلك إذا تم إيقاف الفاعل على إقليم تلك الدولة أو وجد بها ولو عرضيا" . كما أن الجرائم الواردة بالفصل الخامس من قانون المحكمة الجزائية الدولية الدائمة تعتبر موضوع تتبع ومحاكمة على أساس عالمي، ويخوّل الفصل 17 من الاتفاقية للدول المصادقة عليها تتبع الجرائم وإثارة الدعوى الجزائية على أساس إقليمي. وهو ما يجسد فكرة التضامن الدولي لحماية المصالح العالمية المشتركة للإنسانية بحيث يعتبر الاختصاص العالمي، الاختصاص الأصلح لحماية النظام العام العالمي من خطر الإجرام الذي يتهدده وذلك على أساس القانون الطبيعي والتضامن الإنساني وضرورة المؤاخذة الجزائية . فعلى كل دولة إذا لم تسلم المجرم، أن تقوم بمحاكمته بهدف الحد من الاجرام وتحقيقا لمقتضيات العدالة والإنصاف. وبالتالي فإن تكريس مبدأ العالمية إما أن يتم بمقتضى اتفاقية دولية أو بموجب نص داخلي، بهدف قمع جرائم معينة، تتصف عادة بالخطورة. فقد منحت المحاكم التونسية اختصاصا عالميا في بعض الاتفاقيات التي صادقت عليها تونس مثل: اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية . و الاتفاقية المتعلقة بالوقاية من المخالفات ضد الأشخاص المتمتعين بحماية دولية بما فيهم الأعوان الدبلوماسيون وزجر هذه المخالفات . و الاتفاقية المتعلقة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة . و رغم مصادقة الدولة التونسية على عديد الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمادة الجزائية فإن المشرع لم يكرس الاختصاص العالمي صراحة بنص عام وإنما بمقتضى نص خاص ببعض أصناف الجرائم،من ذلك مثلا الفصل55 من القانون عدد 75 لسنة 2003 مؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال ونصه:" تكون المحاكم التونسية مختصّة بالنظر في الجرائم الإرهابية المرتكبة خارج تراب الجمهورية في الصور التالية:...- إذا ارتكبت ضد أطراف أو مصالح أجنبية من قبل أجنبي أو شخص عديم الجنسيّة يوجد محلّ إقامته المعتاد داخل التراب التونسي، أو من قبل أجنبي أو شخص عديم الجنسية وجد بالتراب التونسي، ولم تطلب السلط الأجنبية المختصّة بالنظر تسليمه بصفة قانونية قبل صدور حكم بات بشأنه من قبل المحاكم التونسية ذات النظر" (كما ورد بالفصل 56 من ذات القانون مايلي:" لا تتوقف إثارة الدعوى العمومية، في الصور المنصوص عليها بالفصل 55 من هذا القانون، على تجريم الأفعال موضوع التتبع بمقتضى قانون الدولة التي ارتكبت فيها") . ولكن باستثناء حالة وجود اتفاقية دولية أو نص داخلي، تجد الدولة التونسية نفسها غير قادرة على تنفيذ التزامها بمكافحة الجريمة الدولية، إذا وجد لديها الفاعل ولا يمكنها تسليمه، رغم ما يترتب عن هذه الوضعية من تهديد للنظام العام العالمي. ويتضح مما سبق أن تطبيق مبدأ العالمية مرتبط مبدئيا بوجود المتهم على إقليم الدولة وتعذر تسليمه، مما يعطي لمبدأ العالمية طابعا احتياطيا أي أنه يأتي لسد ثغرات نظام تسليم المجرمين ، كحالات رفض تسليم الدولة لمواطنيها، أو الامتناع عن التسليم لسوء العلاقات الدولية .فإذا كانت الدولة لا تنظر في العقاب على الجريمة إلا لمصالحها الخاصة فقط فإنها سوف تكون مأوى للمجرمين الهاربين كما أن خطر المجرم على أرضها وذكرى الجريمة والآثار التي نتجت عنها يولد الشعور بموجب العقاب، بل إن شعور المجرم بأنّه إذا ما التجأ إلى أية دولة فإنّه سوف يقع تحت طائلة العقاب يقلل من فرصة هربه أن لم يمنعه على الإطلاق. فاختصاص محل القبض إذن يمكن تبريره على أساس المصلحة الاجتماعية للدولة، في دفع الخطر الاجتماعي الذي يحدثه وجود المجرم الفار بدون عقاب. إن الاختصاص العالمي يسمح لدولة ما بممارسة ولايتها فيما يخص بعض الجرائم المرتكبة خارج حدودها الترابية على أساس أنها تعتبر من الأمور التي تثير القلق من طرف المجتمع الدولي وعندما لا تكون ثمة قاعدة قضائية أخرى للمتابعة. وفي العقد الأخير، تم فتح متابعات قضائية عالمية في عدة بلدان من أوروبا الغربية ضد مواطنين أجانب يزعم أنهم مسؤولون عن جرائم دولية مرتكبة في بلدانهم الأصيلة. ويحاول المدعون العامون أو قضاة التحقيق الأجانب متابعة هذه الحالات بمساعدة أو ضغط في غالب الأحيان من طرف المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان ومجموعات الضحايا. في 16 يونيو/حزيران عام 1993، صدر "القانون الخاص بمعاقبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الصادرة في 12 أغسطس/آب عام 1949 والبروتوكولين الأول والثاني المعتمدين في 8 يونيو/حزيران عام 1977" (قانون عام 1993). ومنح هذا القانون المحاكم ولاية قضائية عالمية تتيح لها الاختصاص بنظر قضايا المخالفات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول وانتهاكات البروتوكول الثاني. وقد صادقت بلجيكا على الاتفاقيات والبروتوكولين جميعاً. وتنص المادة 7 بوضوح على الولاية العالمية للقضاء فيما يتعلق بأيٍ من الانتهاكات الواردة في قانون عام 1999. وتنص الفقرة الأولى من تلك المادة على أن "المحاكم البلجيكية مختصة بنظر الانتهاكات المنصوص عليها في هذا القانون، بغض النظر عن المكان الذي ارتُكبت فيه هذه الانتهاكات." والنص الأصلي باللغة الفرنسية: “Les juridictions belges sont compétentes pour connaître des infractions prévues à la présente loi, indépendamment du lieu ou celles-ci auront été commises.”

ففى حين أعطى قانون عام 1993 الصلاحية للقضاء البلجيكى لنظر القضايا بغض النظر عن وجود عنصر وطني فيها أم لا، فإن التعديل الذى أجرى عليه عام 1999 أسقط الحصانة بالنسبة لمرتكبي تلك الجرائم، وشدد على عدم وجود أى حصانة لأى شخص يواجه هذا النوع من الاتهامات ولو كان مسئولا حكوميا أو رئيس دولة أجنبية. وأعطى القانون حصانة مؤقتة للقادة الأجانب ترتبط بوجودهم فى السلطة وبهذا منح القانون للمحاكم البلجيكية صلاحية دولية للنظر فى جرائم حرب وأعمال إبادة وجرائم ضد البشرية بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسيات الضحايا والمتهمين وأماكن إقامتهم، حتى إذا وقعت خارج البلاد، وحتى إذا لم يكن بين ضحاياها أحد من البلجيكيين مما أدى إلى رفع أكثر من ثلاثين شكوى فى بروكسل ضد عدد من الشخصيات السياسية فى العالم أبرزها الدعوى التى رفعها الناجين من مذابح صابرا وشاتيلا ضد رئيس الوزراء الإسرائيلى شارون، و أصدرت محكمة التعقيب البلجيكية قرارا في 13 فبراير/شباط 2003 يسمح بالتحقيق في مجزرة المدنيين في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين عام 1982 و أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئيل شارون، سوف يظل متمتعاً بحصانة من المقاضاة ما دام يشغل هذا المنصب، وقررت جواز المضي قدماً في التحقيقات ضد متهم آخر في نفس الدعوى، وهو قائد الجيش الإسرائيلي السابق أموس يارون. وقد أوضح قرار المحكمة أنه بالإمكان المضي قدماً في التحقيقات حتى إذا كان المشتبه فيه خارج البلاد. كما انهالت الشكاوى على المحاكم البلجيكية لمقاضاة زعماء أجانب ورفعت دعاوى ضد العديد من القادة السياسيين الآخرين ومن ضمنهم الزعيم الفلسطينى ياسر عرفات، والرئيس الكوبى فيدل كاسترو، والرئيس العراقى السابق صدام حسين، ورئيس ساحل العاج لوران باجبو، كما رفعت دعاوى مؤخرا وقبل تعديل القانون ضد الرئيس الأمريكى بوش الأب ووزير الخارجية باول باتهامهم بهجوم بالقنابل فى حرب الخليج الثانية عام 1991 أودى بحياة مئات المدنيين العزل. ورفعت شكاوى جديدة ضد الرئيس الأمريكى جورج بوش ورئيس الوزراء البريطانى تونى بلير فى يونيو 2003 لمسئوليتهما فى الحرب على العراق وهى الدعاوى التى أثارت غضب الولايات المتحدة التى طالبت بإلغاء القانون وهددت بنقل مقر حلف شمال الأطلسى الموجود فى العاصمة البلجيكية منذ عام 1967، وقد ساهمت هذه التهديدات إلى جانب الجدل البلجيكى الداخلى فى التوجه نحو إلغاء قانون الاختصاص العالمى وهو ما حصل فى 30 جويلية 2003 بعد سلسلة من التعديلات ، ووقع استبدله بقانون جديد يقصر حق رفع الدعاوى ضد مرتكبى الجرائم ضد الإنسانية على مواطنى بلجيكا أو المقيمين فيها. ووفق لقانون ألماني خاص بالجرائم ضد القانون الدولي صادرعام 2002 ، فإن المدعي الفدرالي الألماني مخول لتقديم الدعوى ضد مجرمي الحرب بغض النظر عن مكان تواجد المدعى عليه أو المدعي، وعن مكان حدوث الجريمة، وعن جنسية الأشخاص المتورطين. وقد تم تقديم الشكوى نيابة عن 11 مواطن عراقي كانوا ضحايا جرائم عنيفة، بما في ذلك الضرب المبرح، والحرمان من النوم والطعام، وتغطية الرأس، والإيذاء الجنسي في سجن أبو غريب ضد مدنيين وعسكريين أمريكيين رفيعي المستوى، بما فيهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ووزير العدل البيرتو غونزالس، لارتكابهم جرائم حرب في العراق وسجن غوانتنامو لكن الولايات المتحدة ضغطت على ألمانيا لإسقاط القضية، التي تم رفضها في شهر فيفري2005. فبعض الدول أعطت لمبدأ العالمية بعد أخر يجعلها مبدأ أصليا لا تكميليا حين أعطت لمحاكمها و بموجب تشريعها الوطني صلاحية محاكمة أشخاص ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو إبادة خارج أرضها وضد غير مواطنيها بناء على أن القانون الجزائي وضع لحماية الإنسانية ولا يهم مسألة تقسيم الأقاليم والحدود، و أساس عقاب المجرم على أرض الدولة التي هرب إليها أو وجد فيها لا لأنه أضرّ ببلد أو بآخر ولكن لأنه أضرّ بالإنسانية جمعاء فهو يخضع لذلك لكل المحاكم، ففكرة العالمية مستخلصة من فكرة حقيقية ودنيوية وهي أن هناك عدة مصالح مشتركة بين الناس جميعا تقضي بوجوب حمايتها والاتفاق على توحيد الاختصاص في العقاب على كلّ إعتداء يقع عليها. فالدولة التي تعاقب على هذه الجرائم تمارس اختصاصها العالمي دون أن تستند إلى حق السيادة المطلق لها ودون أن تستند إلى فكرة حماية مصالحها ولكنها تمارس هذا الاختصاص بقصد حماية مصلحة البشرية.

الفقرة الثانية: التعاون الدولي في مكافحة الجريمة

وهو الموضوع ما انفكت تتزايد أهميته لدى مختلف البلدان التي تسعى جاهدة إلى تحقيق الأمن و الاستقرار داخل مجتمعاتها، من خلال التصدي للإجرام بكل أشكاله و صوره، و خاصة في هذه الحقبة بالذات التي يشهد فيها العالم تحولات عميقة ومتسارعة على كل الأصعدة. فمكافحة الإجرام و ملاحقة المجرمين لم يعد، في هذا العصر، شأنا محليا يخص بلدا بعينه دون الآخر، بل أصبحت ظاهرة متشعبة و تتجاوز الحدود الوطنية، لما لها من امتدادات و آثار سلبية في المجتمعات الحديثة. و الأخطر من ذلك أن المبتكرات التقنية، التي يوفرها التقدم التكنولوجي المعاصر، قد تحولت من نعمة يقتصر استخدامها في ما ينفع الناس، إلى نقمة تجلب لهم أضرارا مدمرة، بفعل استغلال المجرمين لهذه المبتكرات و ما تتيحه من وسائل و تقنيات هائلة في ميادين الاتصالات و المواصلات، و توظيفها في تكوين عصابات إرهابية، و تشكيل شبكات للاتجار بالمخدرات، و تزييف العملة، و الاتجار بالأسلحة و المواد الضارة بالبيئة، و المتاجرة بالأسرار الصناعية، و غيرها من الجرائم الحديثة التي يتعذر حصرها في هذا المقام. و طالما أن الحواجز الحدودية لم تعد تحول دون ارتكاب الجرائم، فقد أدركت المجموعة الدولية أن هذه الحواجز يجب أيضا، ألا تكون عائقا أمام ضرورة وضع وسائل و آليات لقمع الإجرام و ردع مقترفيه، حيث عملت على توطيد أواصر التعاون لمجابهة هذا الخطر الداهم الذي بات يهدد الأشخاص و ممتلكاتهم، و من شأنه أن يصل إلى حد المساس بأمن الدول و المجتمعات و استقرارها. وقد عقدت، لهذا الغرض، مؤتمرات وندوات دولية، للبحث عن أنسب السبل وأنجع الوسائل الكفيلة باقتفاء آثار المجرمين، وحرمانهم من التنعم بعائدات جرائمهم، و زعزعة شعورهم بالأمان، كلما سولت لهم نفسهم تخطي الحدود الوطنية. فقد تميزت نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين بالسرعة الفائقة لحركة السلع والأشخاص والمعلومات بجميع أشكالها وقربت المسافات حتى أصبح العالم قرية صغيرة. تحكمها مبادئ الاقتصاد والتبادل الحر وما انجر عنهما من توجه عام نحو إلغاء جميع الحواجز والحدود أمام تنقل السلع والخدمات عبر بلدان العالم تكريسا للعولمة التي نتج عنها مس و تشكيك بالمبادئ المعتمدة دوليا، وساهمت في ظهور جرائم جديدة ذات خطورة كبيرة عرفت بالجرائم المنظمة عبر الوطنية ، لذلك بدت الحاجة ملحة إلى التفكير في إمكانية استغلال التقنيات الحديثة والمتطورة في جمع أدلة الإثبات التي تيسّر مكافحة هذا النوع الخطير من الإجرام والذي بات بحكم تشعبه دوليا يهدد النظام العام في كل مكان . لقد أصبح مصطلح العولمة اليوم شائعاً أكثر من أي وقت مضى، فهو لا يغيب عن مواضيع النقاش والبحث ومفهوم العولمة "يعبر عن حالة من تجاوز الحدود الراهنة للدول إلى آفاق أوسع وارحب تشمل العالم بأسره"، أي بمعنى أن العولمة تمثل الانفتاح على العالم والتأثير الثقافي المتبادل بين أقطاره المختلفة، فالعولمة لا تعدو إلا أن تكون نقلة من النقلات التي تخطوها المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد الاجتماعي المادي، والاعتماد على التقانة المعقدة، فهي التداخل الواضح لأمور السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والسلوك دون اعتداد يذكر بالحدود السياسة للدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، ودون حاجة إلى إجراءات حكومية. ومن المعروف أن السيادة الوطنية التي كانت الحكومات والدول تدافع عنها في وقت ما ولو بالقوى العسكرية، أصبحت الآن تعتبر قيداً غير مرغوب فيه، فالعولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية، وجعل نطاقه وتطبيقه عالمياً. ومن أهم مؤشرات العولمة :1.حرية حركة السلع والخدمات والأفكار والتبادل الفوري دون حواجز أو حدود . 2. تحول العالم إثر التطور التقني والتيار المعلوماتي إلى قرية كونية صغيرة بل كوخ إلكتروني . 3. ظهور نفوذ وسطوة الشركات متعددة ومتعدية الجنسيات وفوق القومية. 4. بروز تيارات فكرية منادية باحترام حقوق الإنسان وآدميته ورفع الاستعباد والجور والطغيان والتعسف وكل أشكال الهيمنة والقهر . ومن جهة ثانية للعولمة جوانبها المتعددة، منها السياسي والمتجلي في انهيار الدولة القومية، وسيادة فكرة الديمقراطية والمطالبة بحقوق الإنسان ، ومنها الاقتصادي المتمثلة في الأسواق الحرة والشركات متعددة الجنسيات ومتعدية الحدود، ومنها الاجتماعي والثقافي المتمثل في الاتجاه نحو التجانس الثقافي، وانفتاح الأنظمة الاجتماعية وبخاصة نظام التدرج الاجتماعي ونظام الأسرة ، والجوانب التكنولوجية أو التقنية المتمثلة في التقانة وبخاصة الصناعية والحربية والكمبيوتر ووسائل الاتصال التي تستخدم تقنيات الأقمار الصناعية . ومن مساوئ العولمة مثلا انتشار الجريمة المنظمة والجرائم الحديثة والفساد الإداري وجرائم المخدرات والعنف والإرهاب والانحلال الخلقي، وضعف قدرة النظام الداخلي على الإمساك بزمام الأمور بالدولة(انهيار الدولة القومية). ومعلوم أن هناك ارتباطا واضحا بين الجريمة والتغيرات والمتغيرات العالمية «العولمة». فقد استفادت، وما تزال، عصابات الإجرام في عمليات الفساد والإفساد من معطيات العولمة التقنية وسهولة التنقل للأفراد والسلع. وأصبحت الجريمة متعددة الأشكال ومتعدية الحدود والقيود. إن انتشار الجريمة له تأثيراته المختلفة على جميع مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية في أي مجتمع. والجريمة، عموماً، إذا شاعت سواء في شكلها التقليدي أو الحديث تهدد الأمن والسلم الاجتماعي والوطني لأي دولة. فالإرهاب والتعصب المصحوب بالعنف أخطر ظاهرتين تهددان الأمن والسلم المحلي والإقليمي والعالمي، لأن مقومات التعصب الأعمى هو إلغاء الآخر أياً كان والإرهاب يقوم على فرض الايديولوجيا بقوة التدمير. كما أن الجريمة المنظمة والفساد الإداري بمختلف الأشكال والأنواع هما صور للجرائم المعاصرة في ظل العولمة والتي استفادت من حيث النوع والشكل والمضمون من معطيات العولمة من تقنية عالية في وسائل التكنولوجيا والمعلومات والاتصالات وزيادة التشابك بين المجتمعات المعاصرة وذوبان الفوارق والحدود.ومن أبرز أشكال وصور الجريمة والمشاكل المعاصرة في ظل العولمة، والتي يتوقع لها أن تزداد مع زيادة شيوع مفهوم العولمة بسلبياته وإيجابياته، ما يلي:الإرهاب. /تجارة المخدرات / تجارة الرقيق الأبيض وبيع الأعضاء/غسيل الأموال/الفساد الإداري/ التهرب الضريبي. ومن هنا كانت جميع الدول دون استثناء تراقب بقلق هذا المدّ التصاعدي للجريمة وتخشى من مظاهر هذا التطور فكان لزاما عليها أن تتضامن فيما بينها حتى لا يفلت أي مجرم من العقاب بصرف النظر عن جنسيته أو جنسية المعتدى عليه أو مكان ارتكاب الجريمة وذلك حتى لا يشعر أي مجرم أنه بمنأى عن أن تصل إليه العدالة مهما كان المكان الذي توجه إليه. فبرزت في مرحلة أولى فكرة عالمية العقاب التي تعتبر الجريمة اعتداء على الإنسانية جمعاء وأن واجب العقاب هو واجب عالمي تقوم به الدولة الذي وقع المجرم في قبضتها، ولكن ثبت عجز الدولة بمفردها للتصدي لبعض الجرائم الخطيرة وهو ما أدى إلى ضرورة إنشاء تقنيات تسمح بتسليم المجرمين(أ) ومحاكم جزائية دولية(ب) بهدف القضاء على الجرائم التي تهدد الإنسانية (وفي الحقيقة توجد هناك ايضا تقنيات أخرى لا تقل أهمية مثل الانابات القضائية الدولية، وجهاز الشرطة الدولية "الانتربول Interpol ".فبالنسبة للانابات القضائية الدولية فقد اتجهت الدول الحديثة نحو إدخال مرونة على قوانينها تدعيما للتعاون القضائي الدولي، إذ اصبح من الممكن الاعتراف بالأعمال القضائية المجراة في الخارج، والغاية من ذلك الإجراء، القيام بعدة أعمال محددة مثل سماع الشهود أو حجز أشياء لإثبات الجريمة، مع العلم أن الإنابة تخضع لقانون الدولة المكلفة بذلك، غيرأن هذا المبدأ يمكن استبعاده بالاتفاق بين الدولتين.وقـد تنـاول المشرع التونسي مسألة الإنابة القضائية الدولية صلب الفصل 331 من م إ ج كما نصت عليها عديد الاتفاقيات من ذلك الاتفاقية التونسية الجزائرية المؤرخة في 26 جويلية 1963 والمصادق عليها من طرف الدولة التونسية بالقانون عدد 15 لسنة 1966 المؤرخ في 16 مارس 1966. وكذلك نجد الاتفاقية المبرمة بين تونس وساحل العاج الموقعة في أبيدجان في 8 جويلية 1975 والمصادق عليها من طرف الدولة التونسية بمقتضى القانون عدد 14 لسنة 1978 والمؤرخ في 1 مارس 1978 وكذلك الاتفاقيتين المبرمتين بين تونس وفرنسا في 28 جوان 1972 والمصادق عليهما بتونس بمقتضى القانون عدد 65 لسنة 1972 المؤرخ في غرة أوت 1972. والملاحظ أن الإنابة القضائية الدولية نوعان ، الأولى إيجابية وهي التي تنيب فيها البلاد التونسية دولة أخرى لإجراء أحد الأعمال القضائية وقد تكون سلبية وهي الصورة التي تتلقى فيها البلاد التونسية إنابة قضائية من دولة أجنبية للقيام بأعمال قضائية عل أراضيها) .

أ- التعاون من خلال تسليم المجرمين :

يعتبر تسليم المجرمين أو ما يصطلح عليه بتبادل المجرمين الشكل الأقدم على مستوى التعاون الجنائي بين الدول وقد تجسمت المظاهر الأولى لتسليم المجرمين عبر المعاهدات التي أبرمها الملوك والحكام القدامى لهدف تسليم أعدائهم الخصوصيين والانتقام منهم والفتك بهم (وقد تطورت الاتفاقيات الدولية في مادة تسليم المجرمين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر ولم يتبلور التحول في نظام تسليم المجرمين إلا خلال القرن التاسع عشر حيث شعرت الدول بضرورة وجود تنظيم داخلي يهم التسليم على هامش الاتفاقيات الدولية ونذكر على سبيل المثال القانون الفرنسي الصادر بتاريخ 10 مارس 1927) . فتسليـم المجرمين هـو إجـراء تقبل بمقتضاه دولة تسمى المطلوبة بأن تسلم لدولة أخرى تسمى الطالبة شخصا موجودا فوق ترابها وذلك لمحاكمته أو تنفيذ العقاب عليه ويتسم التسليم بمزايا عدة أهمها تتمثل في ضمان عدم إفلات المجرم من العقاب وضمان امتداد العدالة إلى كل من تحدثه نفسه بالنيل من حقوق وأمن المجتمعات البشرية في أي مكان كان، فضلا عما فيه من حفاظ على روح التضامن بين الدول والحد من انتشار الجريمة وأهوالها في ربوع العالم. وقد تناولت مجلة الإجراءات الجزائية التونسية الصادرة سنة 1968 مسألة تسليم المجرمين صلب الفصول 308 إلى 330 وتعتبر هذه الفصول الشريعة العامة في مادة تسليم المجرمين في غياب اتفاقية مخالفة بين الجمهورية التونسية والدولة المعنية بالأمر وفي نفس الوقت تعتبر قانونا تكميليا بما أنها تكمل الاتفاقيات بخصوص النقاط غير المنصوص عليها صلبها، علما وأن الدولة التونسية سعت إلى إبرام العديد من الاتفاقيات الثنائية في إطار التعاون القضائي (ويبدو أن نظام تسليم المجرمين لم يظهر في البلاد التونسية إلا سنة 1884 تاريخ أول معاهدة أبرمتها في هذا الميدان مع فرنسا في 16 ماي 1884 والتي تتناول تسليم المجرمين التونسيين والجزائريين) . وتطرح مسألة تسليم المجرمين إشكاليات ثلاثة تتعلق بشروطه (1) وإجراءاته (2) وآثاره(3).

1– شروط التسليـم

يخضع التسليم لشروط وتبرره أسباب محددة سواء صلب أحكام الباب الثامن من مجلة الإجراءات الجزائية او صلب الاتفاقيات الثنائية التي وقعتها البلاد التونسية مع عدد من الدول على اعتبار أن هذه الاتفاقيات إن وجدت فلها الأولوية في التطبيق حسبما اقتضاه الفصل 308 م إ ج حيث نص على انه "تخضع شروط تسليم المجرمين وإجراءاته وآثاره لأحكام هذا الباب ما لم تتضمن المعاهدات أحكاما مخالفة لها". والتسليـم موضوعه إما محاكمة الشخـص المطلوب استرداده أو تنفيذ عقاب صـادر ضده (الفصل 309 م إ ج) ومطلب التسليم لا يمكن أن يصدر إلا عن دولة معينة بصورة أساسية بتتبع ومحاكمة مقترف الجريمة وهي إما الدولة التي وقعت الجريمة على إقليمها أو الدولة صاحبة جنسية الشخص المطلوب تسليمه أو الدولة التي نالت الجريمة من مصالحها الأساسية طبق لما أورده الفصل 310 م إ ج. و تجدر الإشارة أن الفصل 314 من م إ ج وضع حلا لمشكل التنازع عندما تقدم عدة مطالب تسليم بشأن نفس الشخص من أجل جريمة أو عدة جرائم مختلفة. كما أنه لا يكفي أن تكون للدولة الطالبة رغبة في محاكمة الشخص المطلوب بل يجب أن تتبلور تلك الإرادة الشيء الذي يستوجب أن يكون التتبع قد أخذ مجراه أو أن الحكم قد صدر فعلا. أما بالنسبة إلى الشخـص أو المتهم المراد تسليمـه فإنه يخضـع إلى مجموعـة من الشروط و هي : 1- أن يكون فاعلا أو مشاركا في جناية أو جنحة معاقب عليها بعقوبة أو تدبير وقائي سالب للحرية (فعلى سبيل المثال نص الفصل 2 من اتفاقية الجمهورية التونسية وجمهورية ألمانيا الاتحادية المتعلقة بتسليم المجرمين والتعاون القضائي في المادة الجزائية على أنه "يمكن من طلب التسليم الجرائم المعاقب عنها حسب قوانين الدولة الطالبة والدولة المطلوب منها بعقاب أو بوسيلة وقائية سالبين للحرية..." ويقصد بالوسائل الوقائية المذكورة حسب الفصل 43 من ذات الاتفاقية "التدابير السالبة للحرية المقررة بمقتضى حكم من محكمة جزائية كتكملة للعقاب أو عوض عنه" وقد رفض فقه القضاء الفرنسي تسليم المجرمين من أجل تنفيذ تدابير وقائية) . 2- أن لا يكون الشخص المطلوب تونسي الجنسية (كرس الفصل 312 من م إ ج عدم جواز تسليم الرعايا التونسيين كما وقع تكريسه صلب المعاهدات التي وقعتها الجمهورية التونسية أما تقدير الجنسية فيقع البت فيه عند النظر في مطلب التسليم وهذا الشرط السلبي نصت عليه جل التشريعات المقارنة والاتفاقيات بين الدول وبعض الدساتير إلا أنه توجد له استثناءات فبعض الدول تقبل بتسليم رعاياها بشرط المعاملة بالمثل ونذكر من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وانقلترا وإيطاليا. وعموما لا يجوز لأي دولة إجبار دولة أخرى على تسليم مواطنيها للقضاء الأجنبي مثلما حصل مع الجماهيرية الليبية التي تعرضت لقرابة ثماني سنوات الى حصار عسكري و جوي لا لشيء إلا لأنها رفضت تسليم مواطنيها المتهمين في قضية الاعتداء على طائرة اليوينغ الأمريكية في سماء لوكربي سنة 1988 عمر أبو بكر باخشب: الأوجه القانونية حول حادث لوكربي، دراسة مقارنة وفقا لمبادئ القانون الدولي العام، مجلة الدراسات لدولية عدد 86 الثلاثي الأول 2003، ص 47 وما بعدها.. كما لا يحق لأي دولة مهما بلغ وزنها على الساحة الدولية وبقطع النظر عن دوافعها أن تعمد الى اختطاف شخص موجود على تراب دولة أخرى مثلما حصل مع الرئيس البنمي نورييغا الذي اختطفته الولايات المتحدة وحاكمته على ترابها) . 3- أن لا يكون الشخص المطلوب تابعا لاختصاص المحاكم التونسية وذلك عملا بالأحكام العامة أو النصوص الخاصة وما تضمنته كل الاتفاقيات التي وقعتها تونس. أما بالنسية للشروط المتعلقة بالجريمة المقترفة فقد اقتضى الفصل 311 من م إ ج انه يمنح التسليم إذا كانت الجريمة المطلوبة من أجلها يعاقب عليها القانون التونسي بعقاب جنائي أو جناحي. و أن تكون الجريمة معاقبا عليها حسب قانون الدولـة الطالبة بعقاب سالب للحرية تساوي مدته أو تزيد عن ستة أشهر ولا يهم هنا إن كان الوصف القانون للأفعال مخالف للوصف الذي تبنته الدولة الطالبة (إلا أنه يمكن إدخال تحوير على هذا الحد الأدنى للعقاب المستوجب للفعلة في إطار الاتفاقيات من ذلك ما ذهبت إليه الاتفاقية التونسية الجزائرية في بندها 28 الذي اشترط أن تكون الفعلة معاقبا عليها بقوانين البلدين بعقاب لا يقل عن لعامين سجنا). كما إن التسليم لا يمنح في الجرائم السياسية (ويعود هذا المنع إلى عدة اعتبارات منها ما كرسته التقاليد الليبرالية خلال القرن 19 من حماية للحرية الفردية ومن إرادة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما خاصة وأن الأفعال التي تدور في فلك الجريمة السياسية يصعب تقديرها وذات مضمون يتغير حسب تغير السلطات السياسية بالبلاد. ولكن لم يعرف القانون التونسي الجريمة السياسية على عكس نظيره اللبناني فقد عرف الجريمة المذكورة في نطاق الفصل 196 من قانون العقوبات). وحسب الفصل 313 من م إ ج فإن الاعتداء على حياة رئيس الدولة أو أحد أفراد عائلته أو أحد أعضاء الحكومة لا يكتسي طابعا سياسيا، وكذلك لا يمكن اعتبار الجرائم الإرهابية، بأي حال من الأحوال، جرائم سياسية. حسب الفصل 59 من قانون 2003 لمكافحة الارهاب. ولا يمنح التسليم إذا كانت الجريمة غير معاقب عليها في القانون التونسي وقانون الدولة الطالبة معا، كما يجب أن تشكل الأفعال المطلوب من أجلها التسليم على الأقل محاولة معاقب عنها أو عمل مشاركة معاقب عليه كما يشترط أن لا تكون الدعوى العمومية قد سقطت بمرور الزمن، وتقادم الدعوى يقع اعتباره بالرجوع سواء إلى قانون الدولة الطالبة أوالدولة المطلوب منها التسليم. وأخيرا هناك الشروط المتعلقة بالحكم المراد تنفيذه والذي يجب أن يحترم الصيغ القانونية والإجراءات التي تكفل الضمانات اللازمة لحقوق المتهم مثل حق الدفاع،

2– إجراءات التسليـم

تهدف إجراءات التسليم إلى ضمان حقوق الشخص المطلوب تسليمه وحماية حريته الفردية وتنقسم إلى إجراء أولى و الإجراءات أمام دائرة الاتهام. - الإجراء الأولي : بعد وصول مطلب التسليم للحكومة التونسية عبر المسالك الدبلوماسية مع مؤيداته القانونية من حجج ووثائق ومؤيدات واقعية وبطاقات قضائية وفق ما نص عليه الفصل 316 من م إ ج وبعد التثبت فيها من قبل وزارة الخارجية تقع إحالتها على وزارة العدل الذي يتأكد من صحة المطلب وعلى إثر قبول هذا الأخير للمطلب فإنه يحيل إلى وكيل الجمهورية بمكان وجود الشخص المطلوب تسليمه بطاقة الجلب أو نسخة القرار أو الحكم مع أوصاف الشخص المطلوب صحبة الملف تام الوثائق. و باتصال وكيل الجمهورية المذكور بالملف يسعى في إيقاف المطلوب وبإحضاره يقوم باستنطاقه فورا ويقوم بإعلامه بالوثيقة التي تم بموجبها إيقافه ولعل هذه الفرصة تمكنه من إعداد وسائل دفاعه على ضوء تلك الوثيقة وما عاضدها. ثم يحرر وكيل الجمهورية محضرا في ذلك ويودع الشخص المعني بالأمر بالسجن المدني بتونس العاصمة في أقرب أجل(الفصل 320 م إ ج). ويمثل الموقوف أمام دائرة الاتهام في الخمسة عشر يوما الموالية لتاريخ إعلامه بوثيقة إيقافه وتقوم بالاستنطاق من جديد مثبتة في هويته من جديد وما إن كان يرغب في أن يسلم مباشرة إلى دولته، فإن قبل ذلك يسجل عليه تصريحه ويرسل إلى وزير العدل ليرى في شأنه ما يراه صالحا. وتجدر الإشارة أنه في حالات التأكد وبناء على طلب مباشر صادر عن السلطات القضائية للدولة الطالبة يجوز لوكيل الجمهورية أن يأذن بإيقاف الأجنبي إيقافا تحفظيا بمجرد اتصاله بإعلام عن طريق البريد أو عن طريق أسرع على أن يتصل بالوثائق المذكورة آنفا. وبناء على أن هذه الطريقة فيها مساس بالحريات الفردية للأشخاص الموقوفين قبل ورود المؤيدات المدعمة لمطلب التسليم والمؤيدة للإدانة ودرءا للتعسف في استعمال هذا الإجراء اقتضى الفصل 325 م ا ج أن مدة الإيقاف لا تتجاوز شهرا وهذا الأجل يمكن التنقيص منه في إطار الاتفاقيات الثنائية من ذلك أن الفصل 15 من اتفاقية تونس وألمانيا حدد هذا الأجل بعشرين يوما. -الإجراءات أمام دائرة الاتهام:

تستأثر دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بتونس العاصمة بالنظر في مطالب التسليم وخلافا لما هو معتاد فإن الإجراءات أمام دائرة الاتهام تكون علنية وشفاهية مع احترام مبدأ المواجهة بما أن حضور المطلوب ضروري فإذا لم يحضر وكان بحالة سراح فإنه يقع إيقاف النظر ويهم مبدأ المواجهة المطلوب تسليمه والنيابة العمومية أما الدولة لطالبة فلا يقع تمثيلها، ويمكن لدائرة الاتهام إيقاف النظر وطلب مزيد الإرشادات التي تراها ضرورية (وقد نص على هذه الإمكانية مثلا الفصل 12 من اتفاقية تونس وألمانيا)، كما يمكنها أن تأذن بتسريح المطلوب تسليمه مؤقتا إذا كان مقيما إقامة قانونية بالبلاد التونسية ولم تتسلم الحكومة التونسية في غضون شهر من تاريخ إيقافه الوثائق اللازمة وذلك بناء على طلب يقدم إليها وتبت فيه بقرار غير قابل للطعن، فدور دائرة الاتهام يتمثل في التثبت في عدم حصول غلط في هوية الشخص المطلوب وفي جنسيته ومدى احترام الشروط القانونية ثم تبدي رأيها في الموضوع. و الرأي الذي تبديه دائرة الاتهام لا يلزم الحكومة إلا إذا قاضيا برفض مطلب التسليم حيث نص الفصـل 323 من م إ ج على أنه "إذا ظهر لدائرة الاتهام أن شـروط التسليم القانونية غير متوفرة أو أن هناك غلطا واضحا فإنها تبدي رأيها برفض التسليم وهذا الرأي نهائي ولا يمكن معه منح التسليم". أمـا إذا رأت دائـرة الاتهام عدم وجاهة مطلب التسليم وجاء رأيها بالرفض فإنه يقع إطلاق سراح المطلوب فورا ولا يجوز للدولة الطالبة إعادة طلبه لنفس الأسباب، أما إذا قبـل مطلـب التسليم فللحكومة كامل الحرية في التسليم ويدور اجتهادها في فلك الملائمة السياسية وإذا تعددت مطالب التسليم فإن اختيار الدولة التي لها الأولوية يعود إلى الحكومة دون دائرة الاتهام وإذا قبلت الحكومة التسليم يعرض وزير العدل على رئيس الجمهورية أمرا يقضي بذلك ويبلغ هذا الأمر إلى الدولة الطالبة بالطرق الدبلوماسية.

3– آثار التسليــم

تعرض إلى آثار التسليم الفصل 329 من م إ ج حيث نص على أن "الشخص الذي يتم تسليمه لا يمكن تتبعه ولا محاكمته من أجل جريمة سابقة غير التي طلب من أجلها التسليم إلا إذا رضيت الحكومة التونسية بذلك صراحة". ويبرز من خلال النص المذكور أن هناك مبدءا هاما يجب احترامه وهو مبدأ التخصيص، وترجع العلة هذا المبدأ إلى أن ذلك يمنع من تحايل الدولة طالبة التسليم من ملاحقة الشخص عن جرائم سابقة عن الجريمة التي طلب التسليم من اجلها خاصة وقد يكون بعضها لا يجوز السليم فيه، فمبدأ التخصيص يفرض عدم جواز ملاحقة الشخص الذي تم تسليمه من طرف الدولة الطالبة ولا أن تنفذ فيه عقوبة إلا عن الجريمة التي طلب التسليم من أجلها كما لا يجوز لها أن تسلمه إلى دولة ثالثة من أجل جريمة سابقة على التسليم. ومع ذلك فإنه يمكن للدولة الطالبة أن تلاحق الشخص الذي سلمته وأن تحاكمه عن جرائم سابقة غير تلك التي بررت تسليمه وذلك في الحالات الآتية : -إذا رضيت بذلك الدولة التونسية صراحة وفي هذه الحالة يمكن لدائرة الاتهام أن تبدي رأيا بناء على مجرد تقديم الموجهة تأييدا للطلب الجديد وما يقدمه الشخص المطلوب تسليمه من ملحوظات دفاعا عن نفسه يمكن شرحه بواسطة محام يختاره. -إذا أتيحت للشخص المسلم إمكانية الخروج من تراب الدولة الطالبة مدة 30 يوما من تاريخ الإفراج عنه نهائيا ولم يخرج منها وإذا خرج منها ثم عاد إليها فإنه يعتبر خاضعا بدون قيد لقوانين تلك الدولة في خصوص أي فعل سابق عن التسليم ومغير للجريمة التي كانت سببا في تسليمه. و لاشيء يمنع من محاكمة الشخص الواقع تسلمه من أجل أفعال لاحقة عن التسليم مثلا الجرائم التي يقترفها أثناء مدة الاحتفاظ. وعموما تتلخص آثار التسليم أساسا في تنفيذ قرار التسليم وذلك بوضع المتهم الموقوف على ذمة الدولة الطالبة، وعلى هذه الأخيرة أن تسلمه علما وأنه ليس من واجب الدولة المطلوب منها التسليم إرسال الشخص الموقوف إلى الدولة الطالبة وهذا التسليم يجب أن يتم في غضون شهر من تاريخ إبلاغ أمر التسليم (الفصل 324 م إ ج) وإلا فإن الشخص الموقوف يقع تسريحه ولا يمكن إعادة طلبه لذات السبب.

ب : القضاء الجزائي الدولي

لقد كان للمآسي الإنسانية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية بالغ الأثر في الربط بين موضوع السلم العالمي وحقوق الإنسان وقد جرى تضمين ذلك في ميثاق الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو حيث إن ممارسات قمع السكان المدنيين والتمييز بين البشر على أسس أثنية ودينية وسياسية والإعدامات دون محاكمة وجرائم الإبادة الجماعية والتعذيب واختفاء البشر في ظروف غامضة كل هذه الممارسات دفعت واضعي الميثاق على أدراج حقوق الإنسان في صلب الوثيقة الأممية. و بتضامن الشعوب وتدعيما لحماية الأخلاق الإنسانية ظهر فرع جديد من القانون أطلق عليه اصطلاحا "القانون الدولي الجزائي" يهدف أساسا لتنظيم العدالة الجزائية الدولية ومعاقبة المجرمين من جهة ووقاية المجتمع الدولي من الإجرام من جهة أخرى، ويقصد بهذا القانون: "مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق بالعقاب عن الجرائم الدولية أي الجرائم التي تشكل انتهاكا للقانون الدولي مثل الجرائم التي تهدد التنظيم الدولي أو النظام الاجتماعي العام كخطف الطائرات أو انتهاك المعاهدات والاتفاقيات المتعلقة بحفظ السلام أو الأمن أو إبادة الشعوب" . وتمت تجربة المحاكمات الجزائية الدولية منذ انعقاد اختصاص المحكمة العسكرية الدولية الجنائية الخاصة في نورمبرغ وفي طوكيو (اعتمدت الجمعية العامة بقرارها 95 في 1/ 12 / 1946 المبادئ القانونية الصادرة عن محاكم نورمبرغ وهي أول محكمة جزائية دولية حاكمت المتهمين بجرائم الحرب. فقد كان النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ ينص على مبادئ مهمة منها ان ارتكاب اي شخص لجريمة ضد الإنسانية تنفيذاً لأمر من حكومته أو رئيسه لا يعفيه من المسؤولية بموجب القانون الدولي على عكس ما يرد في القوانين الجزائية الوطنية كما نص مبدأ آخر من مبادئ النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ على الجرائم الموجهة ضد الإنسانية كالقتل العمد والإبادة والاسترقاق والأبعاد والاضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو ثقافية والأفعال الموجهة ضد السكان المدنيين كالحصار والتهجير والقمع والأبعاد. كما اعتمدت الأمم المتحدة الاتفاقية الدولية لمنع جريمة إبادة الجنس البشري الصادرة في 1948/12/9 والتي اقتبست بعض أحكامها من محاكم نورمبرغ إلا أنها نصت على أن الإبادة الجماعية هي جريمة بموجب القانون الدولي سواء ارتكبت في أوقات الحرب أو السلم. فبموجب مبادئ نورمبرغ وهذه الاتفاقية فقد تم تدويل المسؤولية القانونية للأشخاص عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.) والتي أنشأتها الدول المتحالفة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، ثم استؤنفت بصدور قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإنشاء محكمتين جنائيتين، تتمثل الأولى في المحكمة الجزائية الدولية المكلفة بملاحقة الأشخاص المفترض مسؤولياتهم عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت في أراضي يوغسلافيا السابقة منذ عام 1991 عملا بالقرار عدد 827 مؤرخ في 25 ماي 1993 وأما الثانية تتعلق بالمحكمة الجزائية الدولية المكلفة بمحاكمة الأشخاص الذين يعتبرون مسؤولين عن أعمال إبادة الأجناس أو الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقانون الدولي الإنساني المقترفة في الأراضي الرواندية والتي تم إنشاؤها بمقتضى القرار عدد 955 مؤرخ في 8/11/1994 (إن عمل المحكمتين الخاصتين يمثل أهم جهد تم القيام به منذ نورمبرغ لتقديم مرتكبي أفدح الجرائم إلى العدالة فبالرغم من أوجه القصور التي شابت المحكمتين، فقد كان لعملهما أهمية بالغة في محاسبة العديد من مرتكبي الجرائم البشعة، وتوجيه رسالة حاسمة مفادها أن الجرائم الخطيرة لن يفلت مرتكبوها من العقاب. فالمحكمتين اتخذتا قرارات ترسي سابقة رئيسية بشأن جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية؛ وسوف تكون هذه القرارات بالغة الأهمية بالنسبة للجهود المستقبلية الرامية لمحاسبة مرتكبي مثل هذه الجرائم. ولقد برهنت المحكمتان الدوليتان، على أن مؤسسات العدالة الدولية يمكن أن تكون فعَّالة. وفي الواقع فإن ما انجزتاه حتى الآن له أهمية تاريخية. فالمحكمة الدولية لرواندا هي أول محكمة دولية تعالج على وجه التحديد جريمة الإبادة الجماعية. ويمثل القرار الذي أصدرته في محاكمة جان – بول أكايسو وحكمها على رئيس وزراء سابق لرواندا، هو جان كامباندا، الذي اعترف بجريمته، المرة الأولى التي تصدر فيها أحكام من ذلك القبيل في جريمة الإبادة الجماعية من أي محكمة دولية. فبدون هذه المحكمة والتعاون الدولي الذي أمكنها أن تحشده، كان هؤلاء الأفراد وغيرهم ممن لا يزالون ينتظرون المحاكمة – وقد فروا جميعاً من رواندا – سيفلتون على وجه اليقين تقريباً من يد العدالة. وحتى آب/أغسطس 1998، أصدرت المحكمتان لوائح اتهام عامة ضد 100 شخص تقريباً – 60 من المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة و36 من المحكمة الدولية لرواندا. وفي حالة يوغوسلافيا السابقة، كان 28 من المتهمين رهن الاحتجاز، وكان هناك خمس محاكمات جارية، وصدر الحكم بحق اثنين من المدعى عليهم. وفي حالة رواندا كان هناك 31 شخصاً رهن الاحتجاز، بما في ذلك عدد كبير ممن يُدعى أنهم من زعماء الإبادة الجماعية في رواندا، بالإضافة إلى رئيس الوزراء السابق كامباندا، وخمسة وزراء سابقين وغيرهم من كبار الشخصيات السياسية والعسكرية) . و بعد ذلك أصبحت الأمم المتحدة تلعب دوراً رائداً في العمل على إنشاء مؤسسات دولية جزائية مختصة، فقد أحدث مجلس الأمن بالقرار عدد 1315المؤرخ في 14/8/2000 محكمة جزائية خاصة بسيراليون اعتمادا على الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة وحكومة سيراليونً لإنشاء محكمة خاصة تنظر في الانتهاكات والجرائم الدولية والمحلية التي ارتكبت خلال النزاع الأخير هناك . وقد انهت الأمم المتحدة التفاوض بشأن إنشاء هيئة قضائية لمحاكمة جرائم مرحلة الخمير الحمر، وصدر على إثر ذلك القاعدة التنظيمية رقم 2001/15 عن إدارة الأمم المتحدة الانتقالية في تيمور الشرقية بموجب تفويض من مجلس الأمن بموجب قراره رقم 1272 المؤرخ في 25/10/1999 التي أنشئت بموجبها لجان ذات ولاية قضائية خاصة على الأفعال الجنائية الخطيرة (وهي لجان ذات تركيبة مشتركة مطابقة لما هو مقرر بالنسبة لمحكمة تيمور الشرقية سالفة الذكر.) . وطالبت عدة دول بإنشاء محاكم دولية متخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب في الشيشان أو الكونقو، و تعتبر المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري أخر تجربة وقع إقرارها إن هذه المحكمة الخاصة للبنان التي وافق مجلس الأمن على مشروع إنشائها هي ذات طابع مشترك وطني و دولي ، وستتمتع بصلاحيات تتخطى النظر في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (قُتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري مع 22 آخرين في تفجير ببيروت في 14 فبراير/ شباط 2005) إذ تتمتع بصلاحية النظر في عمليات الاغتيال الأخرى ومحاولات الاغتيال والاعتداءات التي وقعت في لبنان، إذا ما تبين وجود صلة بينها وبين جريمة اغتيال رفيق الحريري.فهي تستطيع النظر في الجرائم التي ارتكبت بين بداية أكتوبر/تشرين الأول 2004 وديسمبر/كانون الأول 2005، أي منذ محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حماده حتى اغتيال النائب والصحفي جبران تويني. و ضمنا قد يخول لها القرار النظر أيضا في اغتيال لاحقة أخرها اغتيال الوزير بييار الجميل. وينص المشروع على تعيين مدع عام أجنبي يؤازره آخر لبناني. وستتألف المحكمة من ثلاثة قضاة أحدهم لبناني واثنان أجنبيان. وستنشأ أيضا محكمة استئناف تتألف من خمسة قضاة اثنان منهما لبنانيان وثلاثة أجانب.وسيعين الأمين العام للأمم المتحدة بعد التشاور مع مجلس الأمن جميع القضاة غير اللبنانيين. وستعتمد المحكمة القانون اللبناني وتستمر مهمتها ثلاث سنوات قابلة للتجديد من مجلس الأمن.ويتمتع رؤساء الدول بالحصانة ولا يمكن ملاحقتهم مباشرة أمام هذه المحكمة. إلا أن مشروع إنشاء المحكمة أقر مبدأ "المسؤولية الجزائية للرؤساء عن مرؤوسيهم" التي تفتح أذا ما ثبتت إمكانية صدور أحكام غيابية. . فقد أصبحت الضرورة ملحّة أمام عجز الدول عن مجابهة وضمان معاقبة الجرائم التي ترتكب فوق أقاليمها لإنشاء جهاز قضائي دولي من شأنه أن يدعّم الملاحقات الدولية وتوطيد الاختصاص العالمي للمحاكم الجزائية الوطنية رغم وجود تيار يعتبر أنّ إحداث هذه المحكمة يتعارض مع ضرورة الحفاظ على مقومات السيادة الوطنية. وخلال الفترة الممتدة بين 15 جوان إلى 17 جويلية 1998 انعقد مؤتمر دولي بروما تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة انتهى إلى صياغة مشروع معاهدة متعدّدة الأطراف تتعلّق بإنشاء المحكمة الجزائية الدولية الدائمة (في 17 تموز/يوليه، وبعد أكثر من 50 عاماً من الفشل و الأمل، وبعد خمسة أسابيع من المداولات بين ممثلي 159 دولة، اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بإنشاء محكمة جزائية دولية النظام الأساسي للمحكمة في روما. ويتمثل هدف المحكمة في وضع حد للثقافة العالمية المتمثلة في الإفلات من العقوبة – وهي ثقافة يكون فيها تقديم شخص ما للعدالة لقتله شخصاً واحداً أسهل من تقديمه لها لقتله 000 100 شخص. وقد اشتركت في العملية أكثر من 200 منظمة غير حكومية – وهو مستوى لم يسبق له مثيل في مشاركة المجتمع المدني في مؤتمر معني بسن القوانين) ، وبعد توفّر النّصاب المعيّن بالمادة 126 من قانونها الأساسي دخلت هذه المعاهدة حيز التنفيذ وتجدر الإشارة إلى أن المشرع التونسي لم يقم بالمصادقة على المعاهدة المذكورة رغم تصويته عليها وإمضائها مباشرة بعد المؤتمر، كما عبّر عن قبوله لهذا الجهاز منذ إعلان داكار المؤرخ في 06/02/1998 الذي وقعته 24 دولة إفريقية ومغاربية من بينها البلاد التونسية (ورغم أن الأردن وجيبوتي هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان صدقتا على المعاهدة فإن هناك عددا من الدول العربية وقَّعت بالفعل على النظام الأساسي، لكنها لم تقم بالتصديق الذي يترتب عليه التزامات، وإذا وقعت الدول العربية وصادقت على النظام الأساسي للمحكمة (بمعنى كونها من الستين المصدقين الأوائل) فسيكون لها ميزة أن تصبح من جمعية الدول الأطراف. وهذه الجمعية لها الحق في انتخاب القضاة والمدعي العام والمُسَجِّل (رئيس قلم الكتاب بالمحكمة). إضافة للحق في مراجعة والمصادقة على ميزانية المحكمة وتوفير الدعم لها، وفي إنشاء قواعد للعمل الداخلي ووضع قواعد الإجراءات ودليل المحكمة). وتبقى إمكانية الانضمام ممكنة ولكن اقتضت الفقرة الثانية من المادة 126 أجل أحادى يتعلّق فقط بالدول التي صادقت على المعاهدة بعد اكتمال نصاب بدء نفاذها أي أن حق هذه الدّول لا يسري إلاّ بعد انقضاء سنتين من تاريخ إيداع صكوكها لدى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة. وقد تم التصويت على النظام الاساسي للمحكمة فأعتمد بأكثرية (120) دولة ضد (7) دول وامتناع (21) دولة عن التصويت وغياب (12) دولة وقد كانت الولايات المتحدة وإسرائيل من الدول المعارضة لهذا فقد استخدمت الولايات المتحدة نفوذها في مجلس الأمن لضمان حصانة قضائية لأفراد قواتها كونها غير منضمة للنظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية . وقّعت وصدقت كل من فرنسا وبريطانيا على النظام الأساسي للمحكمة، أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد وقعت على النظام الأساسي بتاريخ 31 ديسمبر 2000. لكنها لم تصادق بل سحبت هذا التوقيع في شهر مايو 2002. وقد عارضت إنشاء المحكمة في مؤتمر روما، وطالبت أن يكون لمجلس الأمن سيطرة كاملة على سلطة الادعاء بالمحكمة. وتصنف الولايات المتحدة على أنها من الدول التي تعمل بقوة ضد إنشاء المحكمة وتقويض دورها بعد أن أصبحت واقعا ملموسا. ومن أهم ما يثير الولايات المتحدة فكرة إمكانية محاكمة العسكريين الأمريكيين على ارتكابهم لجرائم حرب خلال بعض الأحداث التي اشتركت فيها الولايات المتحدة عسكريا في العالم. لذا تلجأ إلى عقد اتفاقيات ثنائية مع الدول المختلفة لاستثناء العسكريين والمواطنين الأمريكيين من المثول أمام المحكمة الدولية. ومن الدول التي وقعت هذا النوع من الاتفاقيات إسرائيل ومصر والأردن وعدة دول أخرى. كما اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 1422 الذي يمنح الحصانة لمدة عام لجميع الأمريكيين المشاركين في عمليات حفظ السلام في العالم أمام المحكمة الجنائية الدولية. وقد رفضت إسرائيل إنشاء المحكمة منذ مؤتمر روما، وفي المؤتمر المذكور صرح المستشار القانوني لوزير خارجية إسرائيل بأن المعاهدة بصيغتها الحالية تجعل رئيس الوزراء وأي عضو بالحكومة عرضة للاعتقال، كما تخشى إسرائيل -وفقاً لتصريحه آنذاك- أن تتخذ إجراءات قضائية ضد جنودها بشأن ممارستهم في جنوب لبنان أو ضد المواطنين الفلسطينيين.وأعربت عن سخطها لاعتبار الاستيطان جريمة حرب في نظام المحكمة الجنائية الدولية. غير أنها وقعت على النظام الأساسي للمحكمة بتاريخ 31 ديسمبر 2000. وبعد ذلك التاريخ اعتبرت إسرائيل نفسها من الدول المتسامحة مع إنشاء فكرة المحكمة. وقد جاء في قرار توقيعها للمحكمة: أنها تحذر من محاولات تسييس المحكمة التي تؤثر على نزاهتها، وهي المحاولات التي تصر عليها بعض الدول المعادية لإسرائيل. ويلاحظ أن إسرائيل قد وقَّعت على النظام الأساسي في نفس يوم توقيع الولايات المتحدة وفي اليوم الأخير لمدة المهلة الأولى المحددة للتوقيع. والغريب أنه في نفس الوقت الذي يتم فيه اعداد النظام الأساسي للمحكمة الدولية تقريبا صدرت عن البيت الأبيض عام 1998وثيقة الإستراتيجية الأميركية لمكافحة الجريمة الدولية نصت على التالي: "إن أجهزة الشرطة والأنظمة القضائية في العديد من البلدان النامية ليست جاهزة بما فيه الكفاية لمكافحة المنظمات الإجرامية المتطورة لأنها تفتقر إلى الموارد الكافية، ولأن سلطات التحقيق الجزائي لديها محدودة، أو يغشاها الفساد. ولدى العديد من البلدان قوانين سبقها الزمن، أو إنها تفتقر لأي قوانين، لتتصدى بها للفساد، أو غسل الأموال، أو الجرائم المالية التي تستخدم التكنولوجيا المتطورة، أو انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، أو ممارسة الفساد في الأعمال التجارية والاستثمارية، أو (الاتجار بالبشر). إضافة إلى ذلك، تباطأت العديد من الحكومات في إدراك الخطر الذي تشكله النشاطات الإجرامية وعصابات الجريمة المنظمة التي تتزايد قوتها." وقد علق بروس سوارتز نائب مساعد وزير العدل -القسم الجزائي لوزارة العدل الأميركية- في مقالا له تحت عنوان:" مساعدة العالم في مكافحة الجريمة الدولية" (منشور على موقع الخارجية الأمريكية الالكتروني) على هذه الوثيقة بقوله: وهذا يعني أنه إذا استمر غياب شركاء من أجهزة أجنبية موثوقة وقادرة على تطبيق القوانين، ستبقى الولايات المتحدة، وغيرها من الدول، تتعرض لأعمال مجموعات إجرامية تقوم بنشاطاتها انطلاقاً من بلدان تكون فيها أجهزة تطبيق القانون ضعيفة. في الوقت الحاضر، تقدّم وزارة العدل الأميركية طبق التقييم الذي وضعته عام 2000 مساعدات لتطوير القطاع القضائي في عدد من البلدان وتركّز في تخصيص مواردها على ستة مجالات أساسية تُعتبر بالغة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة في الحرب على الجريمة الدولية، هي: 1) الجريمة المنظمة؛ 2) غسل الأموال ومصادرة الممتلكات؛ 3)الفساد؛ 4) تهريب المخدرات؛ 5) التجارة بالبشر؛ 6) الملكية الفكرية. ، باعتبارها جرائم دولية رئيسية تؤثر على المصالح القومية للبلاد وتبرر الولايات المتحدة سياستها بإن النهج الذي تتبعه في التصدي للجريمة الدولية هو نهج يستشرق المستقبل. فهو يحاول ألا يكتفي بالتصدي للأخطار التي تشكلها الجريمة اليوم، ولكنه يُرسي أيضاً الأساس لأجهزة دولية فعالة لتطبيق القانون في المستقبل. وفيما تواصل المجموعات الإجرامية استغلال العولمة والتطورات التكنولوجية، وتبسط أعمالها الجرمية عبر حدود البلدان لتصل إلى مختلف أنحاء العالم، فإن تحدي مكافحة الجريمة الدولية سيزداد لا محالة.( بروس سوارتز، المقال المذكور أعلاه) وهذا منطق يبدو غريبا لمن يقاوم إرساء محكمة جزاء دولية دائمة ويدعي العمل على إرساء أجهزة عدالة دولية فعالة. ويلاحظ إن النظام الأساسي للمحكمة استبعد تعبير انتهاكات حقوق الإنسان واعتمد تعبير الجرائم ضد الإنسانية وحدد اختصاص المحكمة بالمادة (5) منه ونصها: "يقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم التالية :-

أ ) جريمة الإبادة الجماعية عرفت المــادة (6) الإبادة الجماعية بأنها:"لغرض هذا النظام الأساسي تعني " الإبادة الجماعية " أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه، إهلاكاً كلياً أو جزئياً:-أ ) قتل أفراد الجماعة.ب) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة. ج ) إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.د ) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى . ب) الجرائم ضد الإنسانية عرفتالمــادة (7)الجرائم ضد الإنسانية بأنها:"1- لغرض هذا النظام الأساسي ، يشكل أي فعل من الأفعال التالية " جريمة ضد الإنسانية " متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين ، وعن علم بالهجوم :- أ ) القتل العمد. ب‌) الإبادة.ج ) الاسترقاق. د ) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان. هـ) السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي. و ) التعذيب. ز ) الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء، أو الحمل القسري، أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة. ح‌) اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرفية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3 ، أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها ، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة. ط‌) الاختفاء القسري للأشخاص. ي‌) جريمة الفصل العنصري.ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية". . ج ) جرائم الحرب وعرفت المــادة (8) جرائم الحرب بأنها:"1-يكون للمحكمة اختصاص فيما يتعلق بجرائم الحرب، ولاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لهذه الجرائم. 2-لغرض هذا النظام الأساسي تعني " جرائم الحرب " :-أ ) الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب / أغسطس 1949 ، أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص ، أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة .... ب‌) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي ،... ج ) في حالة وقوع نزاع مسلح غير ذي طابع دولي ، الانتهاكات الجسيمة للمادة 2 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع المؤرخة في 12 آب/ أغسطس 1949 ، وهي أي من الأفعال التالية المرتكبة ضد أشخاص غير مشتركين اشتراكاً فعلياً في الأعمال الحربية ، بما في ذلك أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا سلاحهم وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن القتال بسبب المرض أو الإصابة أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر ... د ) تنطبق الفقرة 2 (ج) على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة. هـ) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي ، في النطاق الثابت للقانون الدولي... و ) تنطبق الفقرة 2 ( هـ ) علي المنازعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي وبالتالي فهي لا تنطبق على حالات الاضطرابات والتوترات الداخلية، مثل أعمال الشغب أو أعمال العنف المنفردة أو المتقطعة أو غيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة، وتنطبق على المنازعات المسلحة التي تقع في إقليم دولة عندما يوجد صراع مسلح متطاول الأجل بين السلطات الحكومية وجماعات مسلحة منظمة أو فيما بين هذه الجماعات. ليس في الفقرتين 2 (ج) و (د) ما يؤثر على مسئولية الحكومة عن حفظ أو إقرار القانون والنظام في الدولة أو عن الدفاع عن وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية، بجميع الوسائل المشروعة. (نظرا لطول المادة وقع الاقتصار على المفاهيم العامة دون تفاصيل) . د ) جريمة العدوان وقد ورد بالفقرة الثانية من ذات المادة مايلي:" تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان متى اعتمد حكم بهذا الشأن وفقاً للمادتين 121 و 123 يعرف جريمة العدوان ويضع الشروط التي بموجبها تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بهذه الجريمة، ويجب أن يكون هذا الحكم متسقاً مع الأحكام ذات الصلة من ميثاق الأمم المتحدة". أي أن النظام الحالي لم يعرف هذه الجريمة ." ومن الواضح إن الجرائم ضد الإنسانية تمثل نموذجاً صارخاً للانتهاكات الخطرة لحقوق الإنسان، فتطور القانون الدولي الإنساني عزز وجهة النظر القانونية القائلة بأن حقوق الإنسان هي من متعلقات النظام العام الدولي كما شهد العالم سابقة قضائية جديدة هي اتخاذ إجراءات قضائية ضد رؤساء دول سابقين من قبل محاكم وطنية وليس دولية كما حدث للرئيس التشيلي السابق (بينوشيه) حيث جرى توقيفه مدة تزيد على السنة في بريطانيا بأمر من القضاء البريطاني وهذه السابقة القضائية يمكن أن تشجع المحاكم الوطنية في بلدان اخرى وهي ظواهر تقع ضمن اتجاهات العولمة القضائية، واذا كان للقضاء الجزائي الدولي من فائدة او فضل، رغم تعثره في خطواته الاولى ورغم خضوعه، حتى الآن، لإرادة الدول الكبرى، فهي في ان كل حاكم او رئيس في العالم بات ملزما في «دفاعه» عن حكمه او عن نفسه او حتى عن ما يعتبره وأعوانه «مصلحة وطنية او قومية»، بعدم تجاوز حدود معينة، وباحترام حدود ومعايير معينة. فقد بات من الطبيعي ان تكرس العولمة حماية حقوق الإنسان، بل حتى ذهبت إلى ان تجعل منها مصدرا جديدا لشرعية اي نظام سياسي، مما حدا بالدول ان تتقيد بتلك المعايير حتى في نطاق قوانينها الوطنية، ولعل من يطلع على التقارير الدولية يجد ان تلك الدول التي لا تلتزم بمبادئ حقوق الانسان تتعرض لانتقاد حاد في ما يتعلق بممارساتها ازاء مواطنيها. ولم يقف الامر عند هذا الحد بل تجاوزه الى ما هو ابعد من ذلك، حيث بات من المألوف ان نشاهد حكاما وشخصيات بارزة يتعرضون في عالمنا اليوم لاعتقالات ومحاكمات بتهم ارتكاب جرائم حرب او ضد الانسانية او اعمال فساد او غيرها كما سبق بيانه وهو أمر يعد من أهم إفرازات العولمة . ورغم أهمية التجارب الإقليمية للمحاكم الجزائية إلا أن تكريس محكمة جزاء دولية دائمة يعد المرحلة الأهم في تاريخ القضاء الجزائي الدولي وهو ما يفرض دراسة أهم الأحكام المنظم لعمل المحكمة بصفة مختصرة، تضمنت توطئة المعاهدة 11 فقرة تنطوي على أهم المبادئ التي تقوم عليها العدالة الجزائية، واحتوت المعاهدة على 128 مادة نظمت إجراءات الانضمام والمصادقة والانسحاب، و جملة من المبادئ الموضوعية والإجرائية .

أولا - : تعهد المحكمة

للمحكمة أن تمارس اختصاصها طبق (المادة 13) فيما يتعلق بالجرائم مشار إليها في المادة 5 وفقاً لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال التالية :-

  • - إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقاً للمادة 14 حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.وحسب المادة 14 يجوز لدولة طرف أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وأن تطلب إلى المدعي العام التحقيق في الحالة بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين أو أكثر بارتكاب تلك الجرائم. ويجب أن تحدد الحالة ، قدر المستطاع ، الظروف ذات الصلة وتكون مشفوعة بما هو في متناول الدولة المحيلة من مستندات مؤيدة.
    • - إذا أحال مجلس الأمن ، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
      • - إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15، التي نصت على أنه للمدعي العام أن يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. و يقوم المدعي العام بتحليل جدية المعلومات المتلقاة ويجوز له، لهذا الغرض، التماس معلومات إضافية من الدول ، أو أجهزة الأمم المتحدة ، أو المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية ، أو أية مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة ، ويجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة وإذا استنتج المدعي العام أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق، يقدم إلى الدائرة التمهيدية طلباً للإذن بإجراء تحقيق، مشفوعاً بأية مواد مؤيدة يجمعها ويجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى الدائرة التمهيدية وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.و إذا رأت الدائرة التمهيدية، بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة، أن هناك أساساً معقولاً للشروع في إجراء تحقيق وأن الدعوى تقع على ما يبدو في إطار اختصاص المحكمة، كان عليها أن تأذن بالبدء في إجراء التحقيق، وذلك دون المساس بما تقرره المحكمة فيما بعد بشأن الاختصاص ومقبولية الدعوى. ففي حالة رفض الدائرة التمهيدية الإذن بإجراء التحقيق لا يحول دون قيام المدعى العام بتقديم طلب لاحق يستند إلى وقائع أو أدلة جديدة تتعلق بالحالة ذاتها. أما إذا استنتج المدعي العام بعد الدراسة الأولية المشار إليها في الفقرتين 1 و 2 ، أن المعلومات المقدمة لا تشكل أساساً معقولاً لإجراء تحقيق ، كان عليه أن يبلغ مقدمي المعلومات بذلك ، وهذا لا يمنع المدعي العام من النظر في معلومات أخرى تقدم إليه عن الحالة ذاتها في ضوء وقائع أو أدلة جديدة.

ثانيا- القانون الواجب التطبيق

حسب (المادة 21) تطبق المحكمة في المقام الأول ، نظامها الأساسي وأركان الجرائم والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات الخاصة بالمحكمة. وفي المقام الثاني، حيثما يكون ذلك مناسباً، المعاهدات الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي وقواعده، بما في ذلك المبادئ المقررة في القانون الدولي للمنازعات المسلحة. وإلا، فالمبادئ العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من القوانين الوطنية للنظم القانونية في العالم، بما في ذلك، حسبما يكون مناسباً القوانين الوطنية للدول التي من عادتها أن تمارس ولايتها على الجريمة، شريطة ألا تتعارض هذه المبادئ مع هذا النظام الأساسي ولا مع القانون الدولي ولا مع القواعد والمعايير المعترف بها دولياً. و يجوز للمحكمة أن تطبق مبادئ وقواعد القانون كما هي مفسرة في قراراتها السابقة. ولكن يجب أن يكون تطبيق وتفسير القانون عملاً بهذه المادة متسقين مع حقوق الإنسان المعترف بها دولياً وأن يكونا خاليين من أي تمييز ضار يستند إلى أسباب مثل نوع الجنس، على النحو المعروف في الفقرة 3 من المادة 7 أو السن أو العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الأصل القومي أو الإثني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

ثالثا – المبادئ العامة

إن أول وأهم مبدأ كرسه النظام الأساسي لهذه المحكمة هو التأكيد على أن اختصاصها متمم لاختصاص المحاكم الوطنية لا معوض له، بحيث لا يلجأ إليها إلا في صورة عدم التمكن من عقد محاكمة وطنية، إذ تنص المادة (1) على مايلي: تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية، وتكون المحكمة هيئة دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي، وذلك على النحو المشار إليه في هذا النظام الأساسي، وتكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية، ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام هذا النظام الأساسي. كما كرّس النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية عدّة مبادئ أخرى لعلّ أهمّها مبدأ شرعية الجرائم المضمّن بالمادة 22 إذ لا يسأل الشخص جنائيا بموجب هذا القانون ما لم يشكل السلوك المعني وقت وقوعه جريمة تدخل في اختصاصها. كما أنه لا يعاقب أحد إلا بمقتضى نص سابق الوضع (المادة 23) ومبدأ عدم رجعية الأثر على الأشخاص (المادة 24) وعلى ذلك الأساس لا يمكن لهذه المحكمة أن تمارس اختصاصها للنظر في الجرائم المنصوص عليها بالمادة الخامسة إذا ما تم ارتكاب الجريمة قبل دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ. وأضافت الفقرة الثانية أنّه في حالة حدوث تغيير في القانون المنطبق قبل صدور الحكم النهائي يطبق القانون الأصلح للمتهم. و مبدأ عدم جواز المحاكمة عن الجريمة ذاتها مرتين (المادة 20). ومبدأ المسئولية الجنائية الفردية (المادة 25) بحيث يكون للمحكمة اختصاص على الأشخاص الطبيعيين عملاً بهذا النظام الأساسي، فالشخص الذي يرتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسئولاً عنها بصفته الفردية وعرضة للعقاب وفقاً لهذا النظام الأساسي. ومبدأ عدم شمول ولاية المحكمة للأشخاص الذين كان عمرهم أقل من 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليهم (المادة 26) ومبدأ عدم الاعتداد بالصفة الرسمية (المادة 27)إذ يطبق النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساوية دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسئولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل في حد ذاتها، سبباً لتخفيف العقوبة. كما لا تحول الحصانات أو القواعد الإجرائية الخاصة التي قد ترتبط بالصفة الرسمية للشخص سواء كانت في إطار القانون الوطني أو الدولي، دون ممارسة المحكمة اختصاصها على هذا الشخص. فهناك تكريس لمسئولية القادة والرؤساء الآخرين (المادة 28) ومبدأ لا جريمة دون نية ارتكابها (المادة 30) فلا يسأل الشخص جنائياً عن ارتكاب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة ولا يكون عرضة للعقاب على هذه الجريمة إلا إذا تحققت الأركان المادية مع توافر القصد والعلم. ومبدأ قرينة البراءة (المادة 66) فالإنسان برئ إلى أن تثبت إدانته أمام المحكمة وفقاً للقانون الواجب التطبيق. ويقع على المدعى العام عبء إثبات أن المتهم مذنب. كما يجب على المحكمة أن تقتنع بأن المتهم مذنب دون شك معقول قبل إصدار حكمها بإدانته. ومبدأ عدم تقادم الجرائم ،(المادّة 29) رغم أنّه من الثوابت الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ومن الواضح أن أغلب المبادئ المذكورة اتجهت لحماية حقوق المتهم سواء عند التتبع أو أثناء المحاكمة وكما أنّ مقاصد هذه المعاهدة حققت تقدما واضحا يرمي أساسا لتأكيد التعاون الدولي لمكافحة الجريمة وهو نفس التوجه الذي سبق وأن كرسه كل من النظام الأساسي لمحكمة راوندا ومحكمة يوغسلافيا السابقة. ونستشف من خلال ذلك أنّ هناك تكامل بين اختصاص المحكمة الجزائية الدولية والمحاكم الوطنية على الأقلّ من ناحية التعاون الدّولي الذي يفرض بموجب المعاهدة المتعدّدة الأطراف أو بالاتفاق بتسليم واعتقال بعض الأشخاص المرتكبين لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وسبق للدائرة الاستئنافية بالمحكمة الدولية ليوغسلافيا سابقا أن أكدت بقرارها المؤرخ في 29 أكتوبر 1997 على أنّه لا يمكن للمحكمة أن تتخذ ضدّ أيّة دولة أو ضدّ مواطنيها السامين بسبب عدم تنفيذ الأوامر أو المطالب المتعلّقة بتقديم بعض عناصر الإثبات، وعلى المحكمة الدولية أن تحيل المسألة على مجلس الأمن لاتخاذ التدابير اللاّزمة للدولة الرافضة للتعاون مع المحكمة.

رابعا – مرجع النظر:

ظهر مبدأ المسؤولية الجزائية الشخصية منذ محاكمات نورمبرغ وطوكيو، إذ أصبح من الممكن للمحاكم الدولية أن تتبع أي شخص وجّهت له تهمة انتهاك القانون الدولي حتّى إذا ارتكب هذه الجرائم داخل أراضي أيّة دولة وهو ما أكّدته المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية. وتدعّمت أركان المسؤولية بصفة موسّعة إذا لا تهمّ صفة الشخص طبق المادة 27 ولا الحصانات والامتيازات المعمول بها إلاّ إذا كانت سنّ المتهم أقلّ من ثمانية عشر عاما أو ثبت قصور ذهني لديه. كما ضبطت المادة الخامسة الجرائم التي تتعهّد بها المحكمة وهي أساسا تتصل بحفظ السلم والأمن الدوليين وتتمثل في جرائم الإبادة وجرائم الحرب وجرائم العدوان وجرائم ضدّ الإنسانية، إلاّ أنّ المادة 124 أجازت للدّول الأعضاء وقف تطبيق المعاهدة بصفة انفرادية لمدة 07 سنوات بالنسبة لجرائم الحرب التي ارتكبت فوق إقليمها أو من رعاياها .

خامسا- الطور القضائي :

كرّس النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية مبدأ التقاضي على درجتين وذلك بتخصيص دوائر ابتدائية واستئنافية للنظر في الدعوى الجزائية. واقتضت المادة 63 أن لا تتم المحاكمة إلا بحضور المتهم كما أقرت له عديد الضمانات أثناء المحاكمة منها حق الإطلاع على طبيعة التهم المنسوبة إليه وحق إعداد وسائل الدفاع بمعية محاميه، كما يمكن له أن يتولى بنفسه استجواب شهود الإثبات وحجرت المادة 67 إكراه المتهم على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بالذنب، وأن الامتناع عن الإدلاء بتصريحاته لا يؤثر على إتخاذ حكم الإدانة أو البراءة. وأجاز النظام الأساسي للمحكمة الجزائية الدولية لجميع الأطراف تقديم الأدلة التي تتصل بالدعوى قصد الوصول للحقيقة. وتختص الدائرة الاستئنافية بالنظر في جميع الأحكام الصادرة عن الدوائر الابتدائية، وكذلك بمراقبتها عن طريق الطعن بإعادة النظر طبقا للمادة 84- والملاحظ أن إنشاء هيكل قضائي جنائي دولي يعتبر محطة هامة للمحافظة على المجتمع الدولي من بعض الجرائم الخطيرة وهو ما يفرض على الأقل تكاتف الجهود بين الدول للقضاء على الجريمة.

سادسا- العقوبات:

حسب المادة (78) فإن على المحكمة عند تقرير العقوبة أن تراعي عوامل مثل خطورة الجريمة والظروف الخاصة للشخص المدان، وذلك وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات. وحددت (المادة 77) العقوبات الواجبة التطبيق فللمحكمة أن توقع على الشخص المدان بارتكاب جريمة في إطار المادة 5 من هذا النظام الأساسي إحدى العقوبات التالية: أ-السجن لعدد محدد من السنوات لفترة أقصاها 30 سنة. ب‌-السجن المؤبد حيثما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة للشخص المدان. ويجب حسب الفقرتين 2 و3 من المادة 78 أن تخصم المحكمة عند توقيع عقوبة السجن أي وقت، إن وجد، يكون قد قضي سابقاً في الاحتجاز وفقاً لأمر صادر من المحكمة ، وللمحكمة أن تخصم في أي وقت آخر قضي في الاحتجاز فيما يتصل بسلوك يكمن وراء الجريمة. وعندما يدان شخص بأكثر من جريمة واحدة، تصدر المحكمة حكماً في كل جريمة، وحكماً مشتركاً يحدد مدة السجن الإجمالية، ولا تقل هذه المدة عن مدة أقصى كل حكم على حدة ولا تتجاوز السجن لفترة 20 سنة أو عقوبة السجن المؤبد وفقاً للفقرة 1 (ب) من المادة 77. وطبق المادة (103) ينفذ حكم السجن في دولة تعينها المحكمة من قائمة الدول التي تكون قد أبدت للمحكمة استعدادها لقبول الأشخاص المحكوم عليهم. مع بقاء تنفيذ حكم السجن خاضعاً لإشراف المحكمة ومتفقاً مع المعايير التي تنظم معاملة السجناء والمقررة بمعاهدات دولية مقبولة على نطاق واسع (المادة 106)، ويجوز للدولة لدى إعلان استعدادها لاستقبال الأشخاص المحكوم عليهم، أن تقرنه بشروط لقبولهم توافق عليها المحكمة وتتفق مع أحكام الباب العاشر من النظام الأساسي المتعلق "بالتنفيذ". وبالإضافة إلى السجن، للمحكمة حسب المادة77من النظام الأساسي أن تأمر بمايلي: أ- فرض غرامة (خطية) بموجب المعايير المنصوص عليها في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات. ب‌-مصادرة العائدات والممتلكات والأصول المتأتية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تلك الجريمة، دون المساس بحقوق الأطراف الثالثة الحسنة النية. وتقوم الدول الأطراف بموجب المادة (109) بتنفيذ تدابير التغريم (الخطايا) أو المصادرة التي تأمر بها المحكمة وفقاً لإجراءات قانونها الوطني، وإذا كانت الدولة الطرف غير قادرة على إنفاذ أمر مصادرة، كان عليها أن تتخذ تدابير لاسترداد قيمة العائدات أو الممتلكات أو الأصول التي تأمر المحكمة بمصادرتها ويجب في جميع الحالات أن لا يقع المساس بحقوق الغير حسن النية، و تحول إلى المحكمة الممتلكات أو عائدات بيع العقارات، أو بيع الممتلكات الأخرى التي تحصل عليها دولة طرف نتيجة لتنفيذها حكماً أصدرته المحكمة.

أدوات شخصية

المتغيرات
النطاقات
أفعال
تصفح
حركة (ح .ا. ق)
المشاركة والمساعدة
أدوات