Welcome1.png
موسوعة القانون المشارك الجامعية ترحب بكم.
حساب جديد ( أو دخول مشترك) ولا تتردد في طلب مساعدة إدارية ..وانضم لنا على فيس بووك Facebook logo 1.png

عند الاشتراك - يرجي تفعيل بريد الكتروني سليم لاسترجاع كلمة السر عند فقدها ومراقبة التغييرات .دائما استخدم اسم الاشتراك لحماية الخصوصية ، ومتابعة الموسوعة

حاليا لدينا٤٬١٥٩ مقالة اطلع على فهرس كل المقالات

محركات بحث دول عربية


الامارات العربيةالجزائرجمهورية مصر العربيةلبنانتونسالمملكة المغربيةالسعوديةالكويت

Edit-icon.png إذا كنت لا تعرف طريقك بعد ..ندعوك للمساهمة في ← إرسال مقالة إلى بريد المقالات السريع
Edit-icon.png وإذا كان قد سبق لك البحث عن موضوع ولم تجده ولديك معلومات عنه إبدأ بوضع عنوان المقال أدناه (برجاء اختصار وتحديد العنوان قدر الامكان) ثم ضغط الزر:


المحتوى أ • إ • آ • ا • ب • ت • ث • ج • ح • خ • د • ذ • ر • ز • س • ش • ص • ض • ط • ظ • ع • غ • ف • ق • ك • ل • لا • م • ن • و • ي • # •

تدخل القانون الجزائي في النشاط الاقتصادي (tn)

من جوريسبيديا, الموسوعة الحره
اذهب إلى: تصفح, بحث

تدخل القانون الجزائي في النشاط الاقتصادي

بقلم:حسن عز الدين دياب

علاقة الإنسان بالاقتصاد والجريمة وعلاقة الجريمة بالاقتصاد علاقة قديمة، لأن موارد الإنسان محدودة وحاجاته ورغباته متعددة فأن الدولة تسعى إلى وضع الأطر القانونية القادرة على استيعاب النشاط الاقتصادي وتوجيهه بما يخدم مصالحها، و هو مّا أفرز تلازماً بين الاقتصاد والقانون. وقد كان النشاط الاقتصادي من أكثر النشاطات فعالية في حياة الجماعة، غير أنه من الصعب ضبطه لأن احتوائه ضمن أنظمة تفصيلية من شأنه أن يكبله ويحد من اندفاعاته، كما أن أي سلطة تعجز عن استباق أوجه النشاط الاقتصادي، فلا تقف على سلبياته إلا بعد تحققها ،ورغم هذا كان لا بدّ للقانون الجزائي أن يدخل الميدان الاقتصادي كوسيلة وقاية من سلبيات النشاط المضرّ وكرادع للتجاوزات ، خاصة وأنّ الحماية التي توفرها فروع القانون الأخرى كالقانون المدني له مردود اجتماعي ضعيف ، وعدم الفاعلية النسبية للجزاء المدني سيؤدي إلى التسليم بالأمر الواقع أمام محترفي الخداع ، ولذلك يبقى القانون الجزائي وحده بفضل قائمة عقوباته الرادعة قادراً على معالجة عدم كفاية الجزاءات المدنية والإدارية، فالقواعد الآمرة تصبح عديمة الجدوى ما لم تكن مدعّمة بالجزاءات المدنية والإدارية، ومن الضروري أن يتمّ هذا التدعيم عن طريق الجزاءات الجنائية ، باعتبار أن القانون الجزائي هو حارس القوانين الأخرى ، ولتحقيق هذه المعطيات دخل القانون الجزائي الميدان الاقتصادي لحماية السياسة الاقتصادية،فكان ذلك منذ العصور القديمة، وبالرجوع إلى الأصول التاريخية لتدخل القانون الجزائي في الاقتصاد يلاحظ أن هذا التدخل عرف منذ عهد سحيق، ففي مصر الفرعونية عرف استخدام القانون الجزائي في الاقتصاد فكانت الدولة تتدخّل في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، وتفرض عقوبات على الأشخاص الذين يخالفون أوامرها، ومن ذلك تدخل الدولة في توزيع المياه ونظام الري ، وعرف هذا القانون في شريعة حمورابي التي وقع فيها تنظيم التوزيع والاستهلاك ، وكذلك اهتم الرومان بتنظيم الاقتصاد والمعاقبة على مخالفة هذا التنظيم . وفي الشريعة الإسلامية، باعتبار أن القرآن الكريم المصدر الأول للشريعة الإسلامية فقد اكتفى بالقواعد والأحكام الإجمالية في المجال الاقتصادي ، إلا أن السنة النبوية الشريفة ومن بعدها الاجتهاد قد تكفلا ببيان الأحكام المنظمة للمعاملات الاقتصادية بين الأفراد . وفي فرنسا صدرت عدة نصوص قانونية قبل وضع قانون العقوبات الفرنسي سنة 1810، الذي نص في الفصول 413 وما بعدها على تجريم مخالفة اللوائح المتعلقة بالصناعة والتجارة والفنون وجميع الأعمال الضارة بالصناعة الفرنسية . وقد تميز القرن العشرين بتدخل واسع للدولة في الحياة الاقتصادية تبعه بالضرورة وضع نصوص جزائية لحماية التنظيمات الاقتصادية، وازداد حجم التدخل بصورة خاصة في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي الأزمة الاقتصادية الكبرى التي اجتاحت العالم الرأسمالي في سنة 1929 فصدرت نصوص تجرم الأفعال المخلة بنظام التموين والتسعير ، لذلك اعتبر الفقيه Vouin أن هذا القانون المتعلّق بالزيادة غير القانونية في الأسعار ظهر في 19/8/1936 ، و أخذ صيغته القانونية الأخيرة بواسطة أمر 30/6/1945، الذي تعرّض لأول مرة وبصراحة للجرائم الواقعة في الميدان الاقتصادي وهو يعتبر بداية وجود القانون الجزائي الاقتصادي. إن تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي أصبح اليوم حقيقة وضرورة لا جدال فيها، وأصبحت الإدارة تلعب دورا رياديا في تأسيس نجاعة السياسة الاقتصادية من خلال مسايرة الظواهر الاقتصادية وملاحظة تقلباتها وديناميكيتها، فالأجهزة التقليدية الجزائية ذات تكوين عام يجعل مهمتها في إطار الجرائم الاقتصادية صعبة، وهي غير قادرة على الإلمام الدقيـق بتعقيدات النشاط الاقتصادي وتشعـب الانحراف الاقتصادي الذي بات يتشكل في إطار الإجرام المنظم Criminalité organisée مما قد يؤثر على نجاعة القانون الجزائي في المادة الاقتصادية . إن فكرة الملاءمة بين الظواهر الاقتصادية والقواعد القانونية وإن بلغت درجة الجبر والإلزام فإنها تعتبر من ضرورات سلامة الحياة الحديثة التي استوجبت تغير مهام الدولة واتساع مجالها والذي قابله تطور في الصفة غير المشروعة للفعل الإجرامي وموضوع الردع الجزائي فلا تقف على سلبياته إلا بعد تحققها ، فمن حيث تغير وظيفة الدولة نجد أن القانون ليس انعكاسا للأوضاع الاقتصادية فحسب بل هو وسيلة حمايتها في وقت امتد فيه تدخل المشرع لتنظيم مجالات ظلت تاريخيا لا تحظى باهتمام الدولة كما أنّها لم تشكـل أحد مواضيع القاعدة الموضوعية الجزائية. وبالتالي فإن الجمع بين التكوين الاقتصادي والإلمام الشامل بآليات التعامل الاقتصادي وبين التكوين القانوني اصبح مطلبا ملحا وضرورة حتمية من شأنها أن تفرز تخصصا جديدا في مجال القانون تجنح إليه الإرادة التشريعية للأخذ به،وذلك ببعث هياكل مختصة تساهم في إرساء استقلالية الجريمة الاقتصادية وإفرادها بنظام قانوني يتجسد في القانون الجزائي الاقتصادي كفرع قانوني مستحدث. ولقد كان الشق الغالب من الفقه يقول بضرورة تدخل المشرع في العلاقات الاقتصادية، لأن الحرية الاقتصادية وإن كانت تتعارض مع قواعد القانون الجزائي فإن هذه الحرية تتطلب وجود قانون جزائي يسعى إلى الحد من تجاوزات الحرية ذاتها في الميدان الاقتصادي وإلا فقد التوازن بين الفرد والقوى الاقتصادية ، لأن الهدف من القانون الجزائي الاقتصادي هو حماية الحرية من إساءة استعمال الحرية إذ يبدو القانون الجزائي مؤهلا أكثر من فروع القانون الأخرى لحل كل المشاكل التي يطرحها الانحراف الاقتصادي، ورغم دور بقية فروع القانون في بلورة التنظيم القانوني للمجال الاقتصادي، لكن ذلك لا يكون بالقدر الكافي لضمان الفاعلية والنجاعة المطلوبة في التعامل الاقتصادي.الأمر الذي يدعو إلى طرح الإشكالية حول ضرورة تدخل القانون الجزائي في ميدان النشاط الاقتصادي؟. إن تدخل القانون الجزائي في المادة الاقتصادية يبقى رهين ملاءمة قواعد القانون الجزائي مع آليات الظواهر الاقتصادية وتقلباتها التي تخلقها الدولة فقط . فالقانون الجزائي العام كانت له بالضرورة الصبغة الأخلاقية لعصره التي كانت مرتبطة بالقيم والفضيلة واحترام الذات البشرية إلا أن وظيفته في المجال الاقتصادي تختلف عن ذلك ، فلئن كان القانون الجزائي يؤسس أخلاقيات السلوك البشري فإنه في المجال الاقتصادي يؤسس أخلاقيات التعامل الاقتصادي. الأمر الذي يؤدي إلى القول بتطور وظيفة القاعدة الجزائية إذا ما تأقلمت مع خصوصيات المادة الاقتصادية التي لا تحتكم إلى الاستقرار والثبات بقدر ما هي على حركية وتغير مستمر. وبالنتيجة يكون القانون الجزائي بمثابة السلاح في يد الدولة، لذلك اقتضت الحماية الجزائية التي أقرها المشرع للمجالات الاقتصادية إلى حتمية وجـود القانون الجزائـي في النشاط الاقتصاديI)) الأمر الذي أدى إلى بروز عديد التغييرات في المفهوم التقليدي للقانون الجزائي(II).

فهرست

الجزء الأول : حتمية وجـود القانون الجزائـي في النشاط الاقتصادي:

رغم أن الفقهاء اعترضتهم صعوبة في تحديد مفهوم دقيق للقانون الجزائي الاقتصادي إلا أنهم أقروا بضرورة قيامه في النشاط الاقتصادي(الفقرة الأولى) إلا أن هذا القانون سيتأثر بنوع السياسة الاقتصادية المتبعة في الدولة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : قيام القانون الجزائي في النشاط الاقتصادي:

يُعتبر الأستاذ Vrij أول من استعمل تعبير القانون الاقتصادي معتبراً "أن القانون الاقتصادي والاجتماعي هو مجموعة النصوص التي تعبر بها عن إدارة الاقتصاد من جانب الدولة" . والنظرية السائدة في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا.. تعتبر أن القانون الاقتصادي ليس نظاماً قانونياً جديداً بل هو فن قانوني ينبع من نظرة مجددة للنظم التقليدية موضوعه النشاط الاقتصادي، وهذا ما أكّده الفقيه champaud إذ اعتبر أن القانون الاقتصادي ليس فرعاً جديداً من القانون، ولكنه قاعدة جديدة تتعايش مع مجموعة القواعد القانونية التقليدية . ومع أن مصطلح القانون الجزائي الاقتصادي واسع الاستعمال فإن تحديد نطاقه لم يكن محل إجماع من قبل الفقهاء ، بسبب الخلط بين القانون الاقتصادي وقانون الأعمال والقانون المالي ، ولقد برز الجدل من خلال الاتجاه الضيق ـ أ ـ والآخر الواسع ـ ب ـ في تعريف القانون الجزائي الاقتصادي.


أ ـ ففي الاتجاه الضيق للقانون الجزائي الاقتصادي:

اعتبر البعض أن القانون الجزائي الاقتصادي يقتصر أساساً على مادة المنافسة والأسعار ، في حين ذهب الفقيه Soubau إلى القول بأن القانون الجزائي الاقتصادي يحوي جملة القوانين التي تهتم بحماية النظام العام الاقتصادي وبالأساس حماية ميدان الأسعار دون غيره ، وقد تواصل حصر القانون الجزائي الاقتصادي في ميدان المنافسة والأسعار لمدة طويلة، ولهذا اعتبر Pradel بأن القانون الجزائي الاقتصادي هو "القانون الجنائي للسوق والمبادلات التجارية بين منتج وموزع أو بين موزع ومستهلك" ، إلا أن هذا الاتجاه الذي يربط بين القانون الجزائي الاقتصادي وقانون المنافسة والأسعار راجع لما كان يعتمده المشرعان الفرنسي لسنة 1945 والتونسي لسنة 1970 في تسمية القانون المتعلق بالمنافسة والأسعار بأنه القانون "المتعلق بزجر المخالفات في الميدان الاقتصادي". غير أن المشرّع الفرنسـي ألغى هذا القـانون سنة 1986 وكذلك فـعل المشرع التونسـي سنة 1991، وعوضاه بقانونين جديدين أطلقا على كل منهما اسم قانون المنافسة والأسعار، وهذا معناه أنّ المشرّع وجد أن القانون الجزائي الاقتصادي يتجاوز ميدان المنافسة والأسعار ،لذلك كان لا بد من تجاوز الربط الضيق بين القانون الجنائي الاقتصادي وقانون المنافسة والأسعار وما يدعم هذا التوجه ما تضمنه الفصل 205 من م.إ.ج الذي أقر أنّ "الجرائم الاقتصادية الواردة بالباب الأوّل من العنوان الرابع من القانون عدد 64 لسنة1991 المؤرخ في 29/07/1991 والمتعلق بالمنافسة والأسعار"، فالمشرع حسب هذا الفصل لم يحصر الجرائم الاقتصادية في قانون المنافسة والأسعار إذ أنّ هذا الفصل يشمل "الجرائم الاقتصادية الواردة" ممّا يعني بمفهوم المخالفة أنّ هناك جرائم اقتصادية غير واردة بالباب الأوّل من العنوان الرابع وبقانون المنافسة والأسعار بصفة عامة، وهذا ما د فع بالبعض إلى اعتماد معايير أخرى.


ب ـ أما الاتجاه الموسع في القانون الجزائي الاقتصادي:

الجرائم الاقتصادية حسب هذا الإتجاه هي الأفعال التي تتضمن الاعتداء على النظام العام الاقتصادي الذي يتضمن مجموعة من القواعد الآمرة الخاصة بالبنيان الاقتصادي والتي تختلف في طبيعتها وفقاً للسياسة الاقتصادية للدولة ، فالقانون الجزائي الاقتصادي هو مجموعة النصوص التي تتوسّلها الدولة لتنمية اقتصادها القومي وحماية سياستها الاقتصادية ، باعتبارها تمثّل الوجه الاقتصادي للسـياسة الحكومية بقصد الوصول إلى هذه الأهداف ، وتؤثّر هذه السياسة المتبعة من الدولة على نطاق القانون الجزائي الاقتصادي، ولذلك نجد أن التعاريف التي قدمها الفقه تعتمد هذا الاتجاه الموسّع، ومن ذلك تعريف الفقيه Hemard والفقيه Vitue ، معتبرين أن القانون الجزائي الاقتصادي هو "مجموعة قواعد القانون الجنائي وقواعد الإجراءات الجزائية الهادفة تحت ظل السياسة الاقتصادية للدولة إلى تنظيم شروط إنتاج وتوزيع واستهلاك الثروات والخدمات ووسائل ضمان تبادل واستعمال الثروات والخدمات" وفي نفس السياق اعتبرت الفقيهة Delmas Marty أنّ القانون الجزائي الاقتصادي يشمل مجموعة القواعد التوجيهية . كذلك يعتبر الأستاذ "Max Henry" أنّ "القانون الجنائي الإقتصادي يمثل جزء القانون الجنائي المخصص لعقوبات القانون الإقتصادي أي المخصص للقواعد الناتجة عن التدخل التشريعي والترتيبي في العلاقات الإقتصادية للخواص بين بعضهم أو العلاقات الإقتصادية بين الخواص والإدارة" . لكن السياسة الاقتصادية للدولة تختلف باختلاف النظام الاقتصادي الذي تنتهجه، حيث يسود الفقه حالياً التقسيم الذائع للنظام العام الاقتصادي الذي قال به العميد Carbonnier بين نظام عام اقتصادي حمائي ونظام عام اقتصادي توجيهي، فالدولة إمّا أن تنتهج سياسة اقتصادية توجيهية أو أن تنتهج سياسة اقتصادية حمائية، وهذا سيؤثرحتما على القانون الجزائي الاقتصادي .


الفقرة الثانية : تأثر القانون الجزائي الاقتصادي بنوع السياسة الاقتصادية:

ترتبط السياسة التشريعية بالسياسة الاقتصادية، فالتوجه التشريعي يترجم إرادة السلطة السياسية في الانضواء تحت لواء هذا النظام الاقتصادي أو ذاك،فالسلطة والاقتصاد يعتبران في الأصل شيئا واحدا، لكن يصعب في الوقت الراهن القول بوجود سياسة اقتصادية تعتمد توجه دون آخر، وغالباً ما يقع الدمج بين التوجّهين في إطار سياسة اقتصادية موحّدة تهدف إلى حماية اقتصاد الدولة.

أ- السياسة الاقتصادية الموجهة:

ظهرت إثر الحرب العالمية الثانية نتيجة ما ترتّب عنها من فوضى وأزمة استوجب على الدولة أن تتدخّل لتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الأفراد وحماية المصالح الاقتصادية وذلك بفضل قوانين التسعير والاستهلاك وتنظيم السوق واليد العاملة ، وهو ما تبعته بالضرورة إجراءات جنائية مقابلة، حيث أن الدولة في هذا النظام لا تقول فقط ما لا يجب فعله بل كذلك ما يجب فعله، باعتبار وأنّ التنمية الاقتصادية لا سبيل لتحقيقها دون فرض رقابة كافية وصارمة على الميدان الاقتصادي، ووضع حد لكلّ إخلال أو انتهاك للسياسة الاقتصادية للدولة .

ب- السياسة الاقتصادية الحمائيـة:

تتمثّل هذه السياسة في نظام اللامركزية أو الحرية الاقتصادية، وفيه لا تتصدى الدولة للظواهر الاقتصادية بل تتركها تحدث أثرها الطبيعي، ولا تتدخل في النشاط الاقتصادي للأفراد إذا لجؤوا إلى أساليب مصطنعة لتحويل المجرى العادي للحوادث الاقتصادية . هذه السياسة تستوجب من الدولة التدخل لحماية الحرية الاقتصادية ذاتها بما يستلزم إصدار قواعد لحماية قواعد المنافسة داخل السوق، وبذلك يكمن الاختلاف بين النظامين في طبيعة الأفعال المجرمة وفي شدة التجريم وليس في وجود القانون الجزائي الاقتصادي من عدمه. غير أنّ هذه السياسة وإن كانت لا تتطلب من الدولة تدخل مباشر لفرض قواعد اقتصادية معينة فإنّها تستوجب منها التدخل لحماية الحرية الاقتصادية ذاتها اعتبارا إلى أنّ أنانية الفرد قد تدفعه إلى الإضرار بالمصالح العامة ممّا يستوجب إصدار قواعد قانونية لحماية المنافسة داخل السوق وعلى حد عبارة الأستاذ "E. Janssens" "إنّ الحماية الجنائية للتنظيمات الاقتصادية أشد ضرورة في نظام الاقتصاد الحر منه في نظام الاقتصاد الموجه لأنّ مباشرة غير واعية للحرية الاقتصادية يمكن أن تبعث الاضطراب في السوق ويكون لها انعكاسات خطيرة على الخطة الاقتصادية" .

ج- السياسة الاقتصادية المختلطة:

نظرا لفشل كل من النظامين الليبرالي و التوجيهي ، عمدت أغلب التشاريع إلى الأخذ بازدواجية السياسة الاقتصادية، فلا هي أطلقت يد التجار والمستثمرين و رجال العمال ولا هي قيدت حريتهم،لذلك لم تعد التفرقة بين النظام العام الاقتصادي الحمائي والنظام العام الاقتصادي التوجيهي ذات أهمية في الوقت الراهن، فلقد لوحظ أن النظام الاقتصادي للحماية نفسه أخذ يتمحور على الرغم من طبيعته المحافظة التي تتميز بمقاومة الحركة ، فلقد اعتبر البعض أن القانون الجزائي الاقتصادي يحتوي إلى جانب النظام العام الاقتصادي للتوجيه النظام العام الاقتصادي للحماية ، ومن ذلك ظهرت السياسة الاقتصادية المختلطة التي تجمع بين النظامين السابقين وهو ما كرسته السياسة الاقتصادية للمشرع التونسي بعدما عرفت عديد المراحل التاريخية. انتهجت تونس بعد الاستقلال تجربة التعاضد من خلال تدخلها المباشر والكامل للتخلص من الاستعمار الاقتصادي تماشياً مع المذهب الاشتراكي، ، ولكن فشل هذه التجربة أدى إلى توتّرات اجتماعية ، وبانتهاء التجربة السابقة، انتهجت تونس نمطاً اقتصادياً جديداً (1970-1985) قائماً على المبادرة الخاصة احتلّت فيه الإدارة دور المنسق والموجّه والمراقب ، ومن خلال هذا الاتجاه تم تحرير الاقتصاد بفتح مجال الاستثمار لرؤوس الأموال الدولية مع التسهيلات الجبائية. ثم انتهجت تونس منذ سنة 1986 سياسة تحريرية مرتكزة على انسحاب الدولة في إطار برنامج تعديلي من خلال المخطط الإصلاحي ذي الطابع التحرري، الذي يقوم على تشجيع المبادرة الخاصة، للانتقال من اقتصاد موجه محمي يسيطر عليه القطاع العام، إلى اقتصاد متفتح على المنافسة الخارجية ، والتوجه نحو سياسة اقتصاد السوق لمؤازرة الاقتصاد العالمي . وبالتالي فإن هدف القانون الجزائي الاقتصادي من وجهة نظر تحريرية هو حماية الأشخاص وهذا ما تفرضه العلاقات الاقتصادية على الأشخاص والتي تتجسّد خصوصاً في الجرائم المتعلقة بالتعدي على حرية المنافسة والأسعار،لذلك يتطابق القانون الجزائي الاقتصادي مع النظام العام الحمائي، ومن وجهة نظر توجيهية فإن القانون الجزائي الاقتصادي يسعى إلى حماية السياسة الاقتصادية العامة مثل تجارة الذهب والصرف وتوزيع الطاقة، ولذلك فإنه حسب هذا الاتجاه فإنّ القانون الجزائي الاقتصادي يقترب من النظام العام التوجيهي. ولقد صدرت في تونس مثل غيرها من البلدان عديد القوانين التي تدخل في نطاق القانون الجزائي الاقتصادي يمكن ذكر أهمها: مجلة الديوانة لسنة 1955، وقانون المعادن النفيسة ، مجلة الشغل لسنة 1966 و تنقيحاتها، وقانون مؤسسات القرض لسنة 2001 و تنقيحاته، ومجلة المحاسبة لسنة 1973، مجلة المياه سنة 1975، ومجلة الصرف والتجارة الخارجية لسنة 1976 والمنقحة سنة 1993، وقانون إصدار مجلة الأداء على القيمة المضافة سنة 1988، ومجلة الغابات سنة 1988، وقانون إحداث الوكالة الوطنية لحماية المحيط سنة 1988 والمنقح سنة 1992 والأمر التطبيقي الصادر سنة 1990، وقانون ضبط تراتيب القروض الرقاعية لسنة 1988، والقانون المتعلق بتنظيم واستغلال المقاطع لسنة 1989، ومجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين والضريبة على الشركات سنة 1989، وقانون منتوجات النفط لسنة 1991 والمنقح سنة 1993 وسنة 1995، وقانون حماية المستهلك لسنة 1992، وقانون مكافحة الارهاب و منع غسيل الأموال فيما يتعلق بتبييض الأموال، ومجلة معاليم التسجيل والطابع الجبائي سنة 1993، قانون تنظيم السوق المالية لسنة 1994، ومجلة التهيئة الترابية والتعمير لسنة 1994، والقانون المتعلق بممارسة الصيد البحري لسنة 1994، وقانون السجل التجاري لسنة 1995، ومجلة الشركات التجارية فيما يتعلق بجرائم الشركات والمجلة التجارية بالنسبة لجرائم إصدار الشيك بدون رصيد وعديد التنقيحات الخاصة به، والقانون المتعلق بالنفايات لسنة 1996، والمجلة الجزائية بالفصول 95 إلى 100 الخاصة بالاستيلاء على الأموال العمومية والفصول 139 وما بعدها،وكذلك قانون عدد 120 لسنة 1993 مؤرخ في 27 ديسمبر 1993 يتعلق باصدار مجلة تشجيع الاستثمارات،و قانون عدد 82 لسنة 2000 مؤرخ في 9 أوت 2000 يتعلق بإصدار مجلة الحقوق والاجراءات الجبائية. هذا الاتجاه الموسع للقانون الجزائي الاقتصادي تبنّته بعض الدول ووضعته في قانون مستقل، كالقانون الهولندي الصادر في 22/7/1950 الخاص بالقانون الجزائي الاقتصادي ، وكذلك في سوريا التي وضعت قانون العقوبات الاقتصادية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 37 المؤرخ 16/5/1966 ،لذلك عرفه أحد الفقهاءبـ: "أن القانون الجزائي الاقتصادي يتمثل في جملة الأحكام الجزائية المسلطة على كل مخالفة للتنظيمات القانونية الصادرة كوسيلة لتحقيق سياسة الدولة الاقتصادية . كذلك ما عبّرت عنه محكمة التعقيب الفرنسية بتعريفها للقانون الجزائي الاقتصادي بأنه: "مجموعة النصوص القانونية الجزائية التي تنظم إنتاج وتوزيع واستهلاك وتداول السلع والخدمات، وكذلك النصوص المتعلقة بوسائل الصرف، ويدخل فيها بصفة خاصة وسائل صرف النقود بصورها المختلفة... وما يشكل انتهاكاً مباشراً لاقتصاد البلد الذي تتولى الدولة تسييره ومراقبته بحسب الظروف . فالقانون الجزائي الاقتصادي: "هو القانون الذي يعاقب على الأفعال التي تتعارض مع السياسة الاقتصادية للدولة" وهو: "مجموعة النصوص التي ترد مستقلّة في قانون واحد يسمى بهذا الاسم، أو ترد ضمن القوانين الاقتصادية، وتتضمن جزاءات اقتصادية أو إدارية أو تأديبية أو عقوبات جزائية" . ورغم تعدد التعاريف لهذا القانون، فإنه بخصوص الجريمة الاقتصادية يتحفظ الكثيرون من الفقهاء حين وضع تعريف موحد وشامل لها صالح للتطبيق في أزمان وأماكن مختلفة ويعود هذا التحفظ لسببين : 1- أن تسمية الجرائم الاقتصادية تطلق عادة على الجرائم المخالفة للسياسة الاقتصادية للدولة، والسياسة الاقتصادية تختلف من نظام اقتصادي إلى نظام اقتصادي آخر، كما تختلف بين بلدين خاضعين لنظام اقتصادي واحد. 2- إن مخالفة سياسة الدولة الاقتصادية لا تعدّ جريمة اقتصادية في جميع الأوقات في مختلف الدول، فما يعد جريمة اقتصادية عادة هو الفعل الذي يسميه المشرّع جريمة اقتصادية، ويعاقب عليه بعقوبة جزائية. ولكن المشرّع لا يشترط في معظم الدول في إطار الجريمة الاقتصادية أن يكون قد سماها صراحة كذلك، بل يكفي أن تكون الجريمة مخالفة للسياسة الاقتصادية أو مضرة بالاقتصاد القومي حتى تعد جريمة اقتصادية . وباعتبار أن القانون الجزائي الاقتصادي هو مجموعة القواعد الجزائية التي ترمي إلى حماية السياسة الاقتصادية والموارد الاقتصادية للدولة، فإنّ دخول القانون الجزائي إلى الميدان الاقتصادي أحدث بعض التأثيرات على النظرية التقليدية للقانون الجزائي.

الجزء الثاني : تأثيرات الميدان الاقتصادي على النظرية التقليدية للقانون الجزائي:

خصّ المشرع الميدان الاقتصادي بأحكام خاصة كان لها تأثيراتها على النظرية التقليدية للقانون الجزائي، والتي تظهر على مستوى تحوير عديد القواعد الموضوعية(الفقرة الأولى)، وكذلك على مستوى التحوير في القواعد الإجرائية(الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : التأثيرات على مستوى تحوير عديد القواعد الموضوعية:

نظرا لسرعة تطور المعاملات الاقتصادية حاول المشرع مواكبة نسق التطور ولقد كانت تلك المواكبة في عديد الأحيان على حساب الثوابت في القانون الجزائي العام، فالمشرع أدخل عدة قواعد وإضافات قلبت المبادئ الأصولية للقانون الجزائي بشكل واضح عن النظرية العامة للجريمة على مستوى القواعد الموضوعية، شملت أركان الجريمة والعقوبة والمسؤولية الجنائية ، فعلى مستوى قواعد التجريم الموضوعية وتحديدا أركان الجريمة برزت تحويرات هامة،وكذلك فيما يتعلق بالمسؤولية الجزائية.

أـ التحويرات الواقعة على أركان الجريمة:

-1 الركن الشرعي:

شهد دور المشرع تراجعا ملحوظا في نطاق التجريم ذلك أن السلطة الترتيبية والمكاتب الوزارية تتدخل في تحديد عناصر الجريمة الاقتصادية، فتغيرت تبعا لذلك الملامح والمعايير الأصولية لقاعدة الشرعية الجزائية التي أصبحت تتجه أكثر لتأمين نجاعة السياسة الاقتصادية وخدمة الظواهر الاقتصادية. وكنتيجة لذلك اختل شرطي الدقة والوضوح، إذ أضحى التجريم في المجال الاقتصادي ينطوي على عبارات غامضة تتسع لأكثر من معنى، وباتت الجريمة الاقتصادية تصنف ضمن جرائم الخطر التي لا يعتد فيها إلا بالنتائج الضارة أو الخطرة. وأمام أعتبار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات أساسا للقانون الجزائي ، والركن الجوهري الذي لا يخلو منه بنيان أي جريمة فهو النص القانوني الذي يحدد قواعد القانون الجزائي من حيث التجريم والعقاب، وكان الفقيه Feurbach أول من جاء بالصبغة اللاتينية لمبدأ الشرعية، ويقصد به أنّه لا جريمة ولا عقوبة إلا بمقتضى نص قانوني صادر عن سلطة ممثلة للشعب ومختصّة بالتشريع ، وبذلك يحتوي هذا المبدأ على شقين، فالشق الأول يعتبر أنّه "لا جريمة إلا بنصّ" أي أن الشخص يتمتع بحرية كاملة في تصرفاته إلا إذا قام بالتصرفات المحددة التي جرمها القانون ، أما الشق الثاني فيعتبر أنه "لا عقوبة إلا بنصّ" أي أن القاضي لا يمكنه أن ينطق بعقوبة غير محددة بطبيعتها و مقدارها بنص القانون ،فقاعدة الشرعية الجزائية تقتضي ان تكون القاعدة القانونية المحددة للتجريم والمنشئة للجرائم والمقرّرة للعقوبات صادرة عن سلطة مختصة بالتشريع وتمتاز بالدقة والوضوح ،، وتلك هي قاعدة الفصل 34 من الدستور التي اقتضت أنه " تتخذ شكل قوانين النصوص المتعلقة: بـ...5- بضبط الجرائم والجنح والعقوبات المنطبقة عليها …". وإن تدخلت السلطة التنفيذية فذلك يكون على أساس من التفويض .

1ـ 1 ـ التفويض:

الأصل أن التجريم لا يكون إلا بقانون تصدره السلطة التشريعية ولا يجوز للسلطة التنفيذية التدخل في هذا الاختصاص تطبيقا لمقتضيات مبدأ الفصل بين السلط إلا بمقتضى التفويض التشريعي الذي لا يراد به إنشاء الجرائم وإنما تحديد التجريم وفق النص المفوّض . وبما انه ليس للنص الترتيبي الا ميدان مخصص في نطاق التجريم بتفويض من النص التشريعي الذي يعتبر الأصل، فهو خاضع للإطار العام الذي يحدده النص التشريعي . لهذا يعتبر التفويض التشريعي للتراتيب آلية العمل الاقتصادي، فقد فوّض المشرع التونسي للسلطة الترتيبية والإدارية صلاحية تحديد الأفعال التي تعتبر منافية للتشريع الصرفي: فاقتضى الفصل 23 من القانون الصادر في 21 جانفي 1976 المتعلق بمراجعة وتدوين التشريع الخاص بالصرف والتجارة الخارجية انّ " جميع المناورات التي يقصد من ورائها التخلّص من الالتزامات أو الموانع التي تقتضيها تراتيب الصرف تقع معاينتها وتتبعها وردعها كجرائم أو محاولات جرائم"، كما تبرز تقنية التفويض من خلال الفصل 2 من مجلة الصرف والتجارة الخارجية الذي نص على أن العمليات التي تعتبر تصدير لرؤوس الأموال والتي تستوجب الترخيص من طرف وزير المالية تحدد بأوامر يقع إصدارها باقتراح من وزير المالية بعد استشارة البنك المركزي. ذات التمشي اعتمده المشرع صلب القانون عـ117دد لسنة 1994 المؤرخ في 14 نوفمبر 1994 والمتعلق بإعادة تنظيم السوق المالية، إذ اقتضى الفصل 42 منه " ينجر عن كل مخالفة للقوانين والتراتيب وعن كل إخلال بالقواعد والاعراف المهنية عقوبة يصدرها مجلس هيئة السوق المالية المنعقدة في جلسة تأديبية". يبدو واضحا أن المشرع افرط في اعتماد تقنية التفويض المباشر للسلط الإدارية والمكاتب الوزارية في تحديد نطاق التجريم في المادة الاقتصادية وذلك بمقتضى مناشير وقرارات وتراتيب يتم إصدارها للغرض، ولم يلتزم كذلك المشرع في إطار الجريمة الاقتصادية بالمعايير الأصولية للقاعدة الجزائية الموضوعية، فهو ينص على العقاب ويفوض مسألة بيان وتحديد عناصر تكييف الفعل الإجرامي إلى السلطة الترتيبية أو الإدارية، الأمر الذي أنتج فصلا فعليا بين شقي التجريم والجزاء. ونتيجة لذلك فإن السلطة الإدارية أصبحت تصدر نصوصا تطبيقية كأن تكون قرارات أو مناشير أو تراتيب تتولى بموجبها وضع النصوص الجزائية بما يتماشى ومقتضيات السياسة الاقتصادية. فقد تضمنت المادة الديوانية حالات عديدة فوض فيها المشرع لإدارة الديوانة إمكانية فرض الشروط ، من ذلك ما يسمح به الفصل 28 من إمكانية أن "تصدر قرارات من وزيرنا للمال في تعيين الشروط التي يجب أن يجري على مقتضاها تعقيب البضائع الموظفة عليها الأداء حسب وزنها وكذلك نظام الظروف المورّدة ملآنة…". وفي نفس السياق نجد الفقرة الثانية من الفصل 7 من القانون عـ117دد لسنة 1992 المؤرخ في 7 ديسمبر 1992 والمتعلق بحماية المستهلك تنص على أنه "يقع ضبط المنتوجات المحظورة أو الخاضعة إلى ترتيب خاص والشروط المتعلقة بتوزيعها وتسويقها بواسطة إلى إعلان من الوزير المكلف بالاقتصاد والوزير المختص قطاعيا". كما نص الفصل 22 من م ص ت خ على أن :" الجرائم أو محاولات ارتكاب الجرائم في حق تراتيب الصرف ... " وتشمل تراتيب الصرف حسبما عرفها الفصل 5 من نفس المجلة :" 1- جميع أحكام الجزء الأول من هذا القانون و كذلك جميع الأوامر و القرارات و الإعلانات و المناشير و كذلك النصوص الأخرى التي يصدرها وزير المالية و محافظ البنك المركزي التونسي لتطبيق هذه الأحكام ..." .


1 -2- الصياغة:التجريم على بياض :

لم يلتزم المشرع في إطار الجريمة الاقتصادية بالمعايير الأصولية للقاعدة الجزائية الموضوعية، وهو ما أوجد ظاهرة النصوص على بياض وهي قواعد لا تكتسب صفتها الإلزامية إلا إذا تدخلت السلطة المختصة بوضع العناصر المكونة للجريمة و على ذلك " لا يجوز تطبيق تلك القاعدة إلا إذا تحقق العنصر التكميلي و اكتسب صبغته القانونية" . وهو ما نجده فعلا في الفصل 28 من قانون 14 نوفمبر 1994 المتعلق بإعادة تنظيم السوق المالية الذي أسند لهيئة السوق المالية صلاحية ضبط تراتيب السوق والمتعلقة أساسا بالترتيب العام لبورصة الأوراق المالية من حيث اقتنائها وإدراجها وتداولها وشطبها،فهيئة السوق المالية تتمتع بسلطة تكييف واسعة في تحديد عناصر التجريم كلما تعلق الأمر بممارسات مخالفة لتراتيبها والتي من شأنها إحداث خلل في السير العادي للسوق أو تمكين أصحابها من الحصول على امتياز غير مشروع أو المساس بمبدأ المساواة بين المدخرين في الحصول على المعلومات . وتبعا لذلك فالسلطة الإدارية من خلال ما ستصدره من قرارات ومناشير وتراتيب، تكون بمثابة السلطة التشريعية اللاحقة، وبالتالي فإن القاعدة التشريعية تكون في ارتباط وثيق بما ستقرره الادارة، وان صبغتها الإلزامية لا تتحقق إلا بتحقق العنصر غير الحال والمستقبل الذي يتحدد به شق التجريم . إن تنازل المشرع عن صلاحياته وإحلال السلطات الإدارية محله نتج عنه تراكمات متعددة ومتشتتة من النصوص القانونية. ويكون بذلك المشرع قد أعطى لنفسه حرية واسعة في التحلل من أعباء صلاحية تحديد التجريم ، فسادت سلطة المكاتب على حكم التشريع بمعناه الشكلي الضيق. وقد تولد عن هذه الظاهرة ما أطلق عليه الفقه بـ" القانون الجزائي البيروقراطي Le Droit pénal Bureautique" والذي يتم تدوينه من قبل إداريين في إطار المكاتب الوزارية .

-2الركن المادي:

يعتبر الركن المادي الفعل الخارجي الذي يجسّم العمد الإجرامي أو الخطأ الجنائي و عناصره ثلاث وهي: الفعل ، النتيجة،و العلاقة السببية بينهما ، لكن القانون الجزائي الاقتصادي لم يخرج مبدئيا عن الإطار العام للركن المادي ،لكن المتمعن في التنظيم القانوني للجريمة الاقتصادية يلاحظ وأن المعايير القانونية للركن المادي لم تسلم من التحريف بفعل الاعتبارات الخاضعة لمتطلبات المادة الاقتصادية، فقد درج المشرع على إصدار نصوص جزائية ذات معاني غير محددة تشتمل على مفاهيم غامضة ومطلقة تتسع لأكثر من معنى، واصطلح عليه بـتقنية " التجـريــم المفتــوح" Criminalité ouverte . ومن أمثلة ذلك ما تضمنه الفصل 22 من قانون المنافسة والأسعار قبل و بعد تنقيحه سنة 1995 الذي حدد طريقة إشهار الأسعار والتي يترتب عن مخالفتها جريمة الإشهار الكاذب، إذ تنص على أنه " يتعيّن … في النزل ومحلات الإقامة والمطاعم والمقاهي والمحلات المماثلة بيان الأسعار المعمول بها وذلك بواسطة معلقة واضحة للعموم". وفي إطار الركن المادي يميّز الفقهاء بمختلف صوره بين الجريمة الايجابية و الجريمة السلبية فيتكون الركن المادي في الجريمة الإيجابية من عمل ايجابي أي ارتكاب الجاني فعل مخالف للقانون الذي ينهي عن إتيانه ، أمّا في الجريمة السلبية فيتكون من عمل سلبي أي مجرد امتناع الجاني عن القيام بأعمال يفرض القانون إتيانها.

 الملاحظ في إطار الجريمة الاقتصادية أن أغلب المخالفات تستمدّ وجودها من عدم القيام  بالالتزامات التي أقرّها المشرّع و تبعا لذلك فقد استفحلت في القانون الجزائي الاقتصادي ظاهرة تجريم الأفعال السلبية خلافا للقانون الجزائي العام  أين نجد مجالا واسعا لتجريم الأفعال الايجابية   .


-3الركن المعنوي:

لقد اقرّ المشرّع بالفصل 37 من م ج المماثل للفصل 121 - 3 من م ج الفرنسية الجديدة أنّه " لا يعاقب أحد إلا بفعل يرتكبه قصدا عدا الصور المقرّرة بوجه خاص في القانون ". إلا انه في إطار الميدان الاقتصادي لم يبق الركن المعنوي محافظا على معاييره الأصولية، إذ أنه بمجرد تحقق النشاط المادي للجريمة تقوم القرينة والحجة على اتجاه إرادة الجاني لمخالفة القانون ، وتبعا لذلك فإن مجرد إتيان الفعل المادي عن إرادة وعلم يدل على قصد الجاني دون البحث عن بواعث ذلك، لذلك يتخذ من التصريح القمرقي في المادة الديوانية بالنسبة للمسافرين دليل إثبات على توافر نية التهريب أو نفيها ، وعليه فإن الالتزامات المحمولة على المتعامل في المجال الاقتصادي هي التي تحدّد مدى توافر القصد الجنائي لديه من عدمه وليس كوامن ذاته وبواطنها. إن صعوبة إثبات القصد الإجرامي قد تمثل عائقا حقيقيا لتسليط العقوبة الجزائية، خصوصا وأنّ اعتماد الركن القصدي من عدمه يعتمد في جزء هام على أهمية المصلحة التي ينبغي حمايتها ومدى خطورة الجريمة المرتكبة، في حين تكون من أبرز غايات التنظيم القانوني للجريمة الاقتصادية هي إضفاء النجاعة والفاعلية على القواعد الجزائية للمادة الاقتصادية. تأسيسا على ما سبق فإن الجرائم الاقتصادية لا تتطلب في غالب الأحيان إثبات القصد الإجرامي، بل إنه مفترض توافره من مجرد وقوع الجريمة. وعلى الفاعل ان يثبت عدم توافر هذا القصد، فالقانون الجزائي في المادة الاقتصادية يفترض الركن القصدي تسهيلا لإثبات الجريمة الاقتصادية التي لا يكون سوء النية فيها مستندا إلى تحليل نفسيّة الجاني ، وإنما يستدلّ عليه من سلوكه المادي دون التفات إلى نفسية الجاني،وبالتالي فمجرد العلم الواجب توفره لدى الجاني بعدم مشروعية الواقعة المجرمة يكون كافيا بأن يكون الركن القصدي في جانبه على إرتكاب الجريمة الاقتصادية. لكنّ هذه القرينة على الإدانة التي أساسها الافتراض تتعارض مع قرينة البراءة التي تعتبر أصلا ثابتا كرسها المشرع بالفصل 12 من الدستور الذي جاء فيه وان "كل متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى ان تثبت إدانته في محاكمة تكفل له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه". وبالرغم من ذلك فإن طبيعة بعض الجرائم وخطورة نتائجها ومخلفاتها على الأمن العام والمصالح الاقتصادية، أدت بالمشرع إلى إعتبار بعض التصرفات ومسك بعض الأشياء في حالات معينة وأماكن محددة تشكل قرينة على اقتراف بعض الجرائم. الأمر الذي دعى الفقه الجنائي إلى القول "بوجود إدانــة شبــه آليــة Culpabilité quasi-automatique. منذ اللحظة التي يستوفي فيها الركن المادي عناصره دون التفات إلى الإرادة وهو أمر مهد إلى الإقرار بالصفة المادية للجريمة الاقتصادية . وهناك عديد الأمثلة المجسمة لهذا الافتراض التشريعي للقصد الجنائي. فقد مثلت الجريمة الديوانية مجالا خصبا لهذا الافتراض. فالفصل 289 من م. د. يعتبر أن البضائع المحجّرة التي وقع إدخالها خلسة أو وقعت محاولة إدخالها خلسة في صورة العثور عليها بالمنطقة الترابية من الدوائر القمرقية، إذا لم تكن مصحوبة بالوثائق اللازمة، وكذلك في صورة تجاوزها للمكاتب الديوانية، أو عند جلبها له بدون ان تكون مصحوبة بالوثائق المثبتة عليها بالفصل 180م.د. أو إذا عثر عليها بالمنطقة الترابية للدوائر في حالة مخالفة للفصلين 184 و185 من ذات المجلة، أي إن المشرع يقتصر على ذكر ماديات الفعل الإجرامي المؤلف للركن المادي فحسب . الأمر الذي يتأكد معه إهمال المشرع للركن المعنوي وسكوته عنه في إطار الجريمة الاقتصادية، رغبة منه في تكريس الصبغة المادية لهذه الجريمة . وبالتالي يمكن تعريف الجريمة المادية بأنها تلك التي يتعرّض فاعلها لطائلة العقاب الجزائي بمجرد القيام بالفعل المادي مجردا عن كل خطأ قصدي كان أو غير قصدي . وعلى هذا الأساس فإن الجرائم المادية تتمثل في السلوكيات التي يستوجب زجرها والتي تحقق نتيجة مادية محددة دون التفات إلى نوايا مقترفها أو مقاصده ، لذلك تعتبر الجرائم الديوانية جرائم مادية بامتياز، والتي تجد صدى لها في القاعدة الواردة بالفصل 241 من م.د. الذي اقتضت في فقرته الثانية وأنّه"يحجر (على الحكام) بصريح العبارة التماس المعاذير للمتهمين في خصوص نواياهم"، أي ان القاضي الجزائي لا يبحث في النوايا الإجرامية التي ينطوي عليها فعل الجاني، بقدر ما يبحث في مدى توفر النشاط المادي المكون للجريمة. كما أن أغلب الجرائم الجبائية المنصوص عليها صلب مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية الصادرة بمقتضى القانون عـ82دد لسنة 2000 المؤرخ في 09 أوت 2000 هي جرائم مادية لا تستلزم لقيامها الركن القصدي، فبمجرد إثبات أنّ الشخص إرتكب النشاط المادي الإجرامي المخل بقواعد الاستجابة إلى الاداءات والدفع والجباية إلاّ وعدّ مخالفا ومرتكبا لجريمة جبائية، خصوصا وأن أغلبها جرائم سلبية يتم التحقق من حصولها بمجرد اقتراف فعل الامتناع دون أدنى إلتفات إلى مقصده في إقتراف جريمته من عدمه. ومثال ذلك جريمة عدم القيام بإيداع التصاريح الجبائية في الآجال المحددة والمنصوص عليها وعلى عقاب مرتكبيها بالفصل 89 من المجلة المذكورة،وكذلك جرائم التحيل الجبائي المنصوص عليها بالفصل 101 من م.ح.إ.ج. كإفتعال وضعيات قانونية غير حقيقية قصد الإنتفاع بإمتيازات جبائية أو التنقيص من الأداء، إضافة إلى الجرائم المتعلقة بالمحاسبة وتقديم المعلومات لمصالح الجباية ومنها جريمة عدم مسك المحاسبة أو الدفاتر أو السجلات المنصوص عليها بالتشريع الجبائي والواردة بأحكام الفصل 97 من م.ح.إ.ج. يستخلص من جملة ما تقدم أن المشرع في إطار الجريمة الاقتصادية يستبعد الخطأ كأساس لإسناد المسؤولية الجزائية عن هذه الجرائم، وهذا فيه إقصاء صريح للركن القصدي وفي المقابل تكريس للصفة المادية للجريمة الاقتصادية، باعتبارا كونها تتنزّل في إطار تشريع خاص يراد به حماية مصالح مادية عابرة وظرفية إقتضتها السياسة الاقتصادية .

ب ـ التحويرات الواقعة على المسؤولية الجزائية:

أمام تشعب الإجرام الاقتصادي وتعدد أوجه ماديات الجريمة الاقتصادية لم يلتزم المشرع بالمبادئ الأصولية المقررة لإسناد المسؤولية الجزائية ، فقد وسّع المشرع في دائرة الأشخاص المسؤولين عن الجريمة الاقتصادية بوضع قرائن قانونية وواقعية للإدانة ، مهمتها قلب عبء الإثبات على الجاني لتجعله في وضعية أقرب للإدانة منه إلى البراءة . ولعل أبرز الجرائم الاقتصادية التي تؤكد التوسع في نطاق مسؤولية الفاعل الأصلي الجزائية تتمثل في الجرائم الديوانية. فبالرجوع إلى الجزء الأول من الباب الخامس الوارد تحت عنوان "المسؤولية الجناحية" نجد توسعا في المسؤولية الجزائية للفاعلين الأصليين عن جريمة التهريب، وقد أسسها المشرع بناء على وضعيتين أولهما وضعية المسك والحيازة أما الوضعية الثانية فهي تتمثل في عدم أخذ الحيطة والتزام الحذر. وبما أن الذوات المعنوية أصبحت النواة الرئيسية والقلب النابض للاقتصاد في جملة المجالات الهامة والحساسة، لهذا أصبح من الضروري الإقرار بالمسؤولية الجزائية للذات المعنوية. وبالرغم من أن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي أثارت جدلا فقهيا كبيرا، إلا إنها أصبحت ضرورية وممكنة من الناحية القانونية . فالحجة التي تقول بأنه ليس من الممكن التصريح بالمسؤولية لأن الشخص المعنوي ليس له إرادة خاصة به وبالتالي لا يمكنه أن يقترف خطأ، أصبحت غير مجدية. بما أن للذات المعنوية إرادة خاصة معبر عنها بواسطة هياكلها التمثيلية وهذه الإرادة الخاصة مستقلة ولا ترتبط ضرورة بإرادة العناصر الطبيعية التي ساهمت في بلورتها . ورغم أن القانون التونسي لم يقر صراحة المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، على خلاف المشرع الفرنسي الذي أقر هذه المسؤولية بالفصل 121 –2 من المجلة الجزائية . ويكون بذلك قد قبل هذه المسؤولية كتطبيق لقاعدة عامة. كذلك فأن المشرع التونسي قد قبلها استثناء بالنسبة للجريمة الاقتصادية،فقد تعرض الفصل 33 من القانون عــ18ــدد لسنة 1976 المؤرخ في 21 جانفي 1976 المتعلق بمراجعة وتدوين التشريع الخاص بالصرف والتجارة الخارجية والمنظم للعلاقات بين البلاد التونسية والبلدان الأجنبية إلى هذه المسؤولية إذ نصّ على أنه "إذا كانت الجرائم في حق تراتيب الصرف مرتكبة من طرف أعضاء مجلس الإدارة أو متصرفي أو مديري ذات معنوية أو من طرف أحدهم متصرفا باسم ولحساب الذات المعنوية، فإنه بقطع النظر عن التتبّعات القائمة ضد هؤلاء يمكن أن يقع تتبّع الذات المعنوية نفسها وأن تسلط عليها العقوبات المالية المنصوص عليها بهذا القانون". هذا الفصل يمثل تطوّرا تشريعيا ملحوظا ذلك أن الدعوى المقامة ضد الشخص المعنوي مستقلة عن الدعاوى المقامة ضدّ المديرين، فلا يتعلق الأمر بإحدى التتبّعات التي تقع ضد الذات المعنوية محل التتبّعات الواقعة ضدّ القائمين على إدارته بل إن مسؤولية الشخص المعنوي مسؤولية شخصية . وفي السياق ذاته إقتضى الفصل 8 من القانون عــ115ـدد لسنة 1992 المتعلق بإحداث وكالة وطنية لحماية المحيط وأن "الأشخاص الماديين أو المعنويين وخاصة المؤسسات الصناعية أو الفلاحية أو التجارية الذين يلحقون ضررا بالمحيط أو تتسبب أنشطتهم في تلوث المحيط بواسطة الفواضل سواء كانت صلبة أو سائلة أو غازية أو غيرها مطالبون بإزالة هذه المخلفات أو الحد منها أو استعادتها عند الاقتضاء وكذلك بتعويض الضرر الناجم عن ذلك". وعلى أساس ما تقدم نص الفصل 11 من نفس القانون وأنه " تسلط على كل مخالف لاحكام الفصل 8 من هذا القانون وللنصوص الصادرة لتطبيقه خطية يتراوح مقدارها بين مائة دينار وخمسين ألف دينار حسب درجة خطورة المخالفة"، ويتأكد إقرار القانون المشار إليه للمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي من أجل جرائم البيئة بما اقتضته الفقرة الثالثة من الفصل11 وان "… الوكالة مؤهلة للتصالح مع الأشخاص الماديين والمعنويين المخالفين بعد موافقة سلطة الإشراف وقد أقرّ القانون 14 المؤرخ في 1 جويلية 1991 المتعلق بتنظيم تجارة التوزيع والمنقح بقانون 24 فيفري 1994 المسؤولية الجزائية للذات المعنوية إذ جاء بالفصل 13 جديد وأنّه "… يعرّض تاجر التّوزيع إلى خطية… " وينصّ الفصل 4 جديد"… يمنع على نفس الذّات القانونيّة الجمع" …" وتمارس تجارة التوزيع من طرف الذّوات القانونية الطبيعيّة أو المعنويّة" وبما أنّ عبارة "ذات قانونيّة" الواردة بالفصل 4 جاءت عامة، لذلك فهي تؤخذ على إطلاقها وتكون شاملة للشخص الطبيعي والذات المعنوية الاعتبارية. في هذا الإطار أيضا يمكن ذكر الفصل 107 من مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية والذي جاء فيه " تطبق العقوبات البدنية المنصوص عليها بالفصول 92، 94 و97 و98 و99 و101 من هذه المجلة بالنسبة للأشخاص المعنوية بصفة شخصية على رؤسائها أو وكلائها أو مديرها أو على كل شخص له صفة لتمثيل الأشخاص المعنوية وثبتت مسؤوليته في الأعمال المرتكبة. وهذا ما كان قد أقره فقه القضاء فقد أصدرت محكمة التعقيب التونسية القرار عـ6555دد المؤرخ في 23 جوان 1971 الذي جاء فيه أنّ "الذّوات المعنوية نفسها تحال جنائيا على المحاكم الزجرية إذا كانت عقوبات المخالفات المرتكبة ماليّة صرفة". وتكمن أهمية هذا القرار في كونه يعكس معرفة القضاة بالحقيقة الإجرامية التي أصبحت تشكّلها الذّوات المعنوية في المادة المالية وبضرورة زجرها. ففي هذا القرار حاولت محكمة التعقيب إقرار المسؤولية الجزائية للذات المعنوية في المخالفات الجبائية وذلك بتقديــم أســـاس قانوني لهذه المسؤولية . كما أن محكمة التعقيب التونسية في مرحلة لاحقة قد سارت في هذا الاتجاه، ففي القرار التعقيبي الجزائي عدد 5801 مؤرخ في 20-02-2001 أكدت المحكمة أنه " حيث أسست محكمة القرار المطعون فيه قضاءها بالبراءة على أساس أن مرتكب المخالفة هي الشركة وليس المتهم، وكان من الأجدر إحالة الشركة المذكورة في شخص ممثلها القانوني ولا إحالة المتهم رأسا تطبيقا لمبدأ شخصية العقوبة... كما كان من واجب المحكمة المتعهدة بالأفعال.. القضاء على الشركة المخالفة في شخص ممثلهـا القـانوني..." . نفس الموقف تبنته محكمة التعقيب في القرار عدد 6194 مؤرخ في19-3-2001 وجاء في حيثيات هذا القرار ما يلي: "وحيث أن العقوبة شخصية ولا تسلط إلا على من خالف القانون شخصيا وبالرجوع لأوراق قضية الحال يتضح أن لا شيء يفيد ارتكاب المعقب ضده للمخالفات المحال من أجلها مباشرة والحال أنها تنسب للشركة في شخص ممثلها القانوني..". وهذه التأثيرات أمتدت أيضا لتشمل التحوير في عديد القواعد الإجرائية.

الفقرة الثانية: تحوير عديد القواعد الإجرائية:

بدأت التحويرات تخرج عما هو مألوف في قانون الإجراءات الجزائية التقليدي، و ذلك من عدة أوجه،خاصة فيما يتعلق بأعوان الضابطة العدلية ، والدعوى العمومية.

1-أعوان الضابطة العدلية:

1-1 التوسع في إسناد صفة الضابطة العدلية:

من ذلك أن الجريمة يترتب عليها دعوى عمومية (الفصل1م أ ج) تختص بإثارتها النيابة العمومية (الفصل 20 م أ ج) ويقوم بالبحث عنها أعوان الضابطة العدلية العادية، إلا أن دخول القانون الجزائي إلى الميدان الاقتصادي صحبه عديد التحويرات من خلال الدور الكبير الذي وقع إعطاؤه للإدارة نتيجة الطبيعة الخاصة للجرائم الاقتصادية من حيث أنها أخطاراً تمسّ المواطن والاقتصاد الوطني ، الأمر الذي جعل المشرّع يمنح صفة الضابطة العدلية للعديد من الأعوان الإداريين . وفي تعداد فئات الأعوان جاءت بقانون السوق المالية لسنة 1994 بالفصل 23 والفصل 36 منه وكذلك قانون ضبط تراتيب القروض الرقاعية لسنة 1988: ناصين على أعوان هيئة السوق المالية. أما أعوان البنك المركزي فقد نص عليهم الفصل 23 الجديد من قانون 1994 المنقح لقانون مهنة البنوك، وكذلك أشارت (م.ص) بالفصل 24 إلى عديد الأعوان، كأعوان القمارق ويبقى لأعوان وزارة المالية وأعوان البنك المركزي سلطة معاينة الجرائم الصرفية نظراً لتكوينهم وإحاطتهم العلمية بالمعاملات المالية والمبادلات النقدية المتميزة بالتعقد والدقة ولقد نصت مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية على أعوان إدارة الجباية بالفصل 70جاء فيه أنه: تقع معاينة المخالفات لأحكام التشريع الجبائي باستثناء المخالفات المنصوص عليها بالفصول من 81 إلى 85 وبالفصل 88 من هذه المجلة بمحاضر تحرر من قبل أعوان مصالح الجباية وغيرهم من الأعوان المؤهلين لمعاينة المخالفات الجبائية الجزائية. ويخول لهؤلاء الأعوان معاينة المخالفات المشار إليها بالفصلين 180 و181 من المجلة الجنائية والمتعلقة بتقليد الطوابع أو الختم أو العلامات الجبائية أو إعادة إستعمالها،وكذلك مجلة معاليم التسجيل والطابع الجبائي في الفصل 77. أما أعوان الشغل فقد نص عليهم الفصل 171 وعديد الفصول الأخرى 177 و270و288، 320و366 من (م.ش) ، وفي مجال البيئة فإن أعوان الغابات المتعددين وقع التنصيص عليهم بالفصول 7،10،127،129 من مجلة الغابات، وكذلك ما أوردته مجلة المياه بالفصل 156 منها، وأضاف قانون إحداث الوكالة الوطنية لحماية المحيط بالأمر المنظم لسنة 1990 بالفصل 9 على ذكر الخبراء المراقبين وكذلك قانون منتوجات النفط بالفصل 28، وأيضاً قانون تنظيم تجارة التوزيع بالفصل 15 ذكر أعوان المراقبة الاقتصادية، وأضاف المشرّع القانوني المتعلق بالمنافسة والأسعار والذي يفرّق بين نوعين من الأعوان حسب الفصلان 51و52 منه، بينما اكتفى قانون حماية المستهلك بالفصول 21و22و24و26 بالإشارة لأعوان المراقبة الاقتصادية.

1-2- صلاحيات اعوان الضابطة العدلية:

مع تعدد هؤلاء الأعوان فقد منحهم المشرع للقيام بمهمة المعاينة والبحث عن الجرائم صلاحيات ذات طبيعة خاصة، بررها الفقه بصعوبة البحث عن الجرائم الاقتصادية، ولأن مرتكبيها عادة ما يكونون من المحترفين ولهم من المهارة ما يمكنهم من الهرب بدون عقوبة ، لذلك منح المشرّع في ميدان معاينة الجرائم الاقتصادية الأعوان الإداريين أكثر مما للضابطة العدلية العادية من وسائل تساعدهم على تحرّي الجرائم، فيمكنهم القيام بـ : الاطلاع على الوثائق، المراجعة، الحجز، أخذ العينات، تفتيش المنازل، استنطاق الأشخاص والاحتفاظ بهم. كما يتولّى أعوان الإدارة المؤهلين في صورة ملاحظة المخالفة تحرير محضر يثبتون فيه وقائع المخالفة ونوعية المعاينة ومختلف العمليات التي قاموا بها و التي أعطاها المشرع قوة ثبوتية خاصة. ونتيجة للقوة الثبوتية الخاصة لهاته المحاضر أصبحت تتمتع بمصداقية،وتشكل قرينة قانونية على إدانة المتهم، ولها حصانة أكثر من تلك المسندة لمحاضر أعوان الضابطة العدلية العادية،فمبدئياً لا يمكن إبطال المحاضر، إلا بوسيلتين ، هما: تقديم الحجة المعاكسة أو القيام بدعوى الزور. بالنسبة للوسيلة الأولى، فقد نصّ الفصل 154 م،أ،ج وكذلك فعلت بعض نصوص القانون الجنائي الاقتصادي كالفصل 93 من م،ض، والفصلان 210 و211 م.د، وتعرّض له فقه قضاء محكمة التعقيب الذي جاء فيه: "إن تقارير إدارة القمارق وسيلة إثبات قانونية لا يمكن دحضها إلا بالحجة المضادة..." ولا يجوز الطعن فيها إلا بالتزوير، ومن هذه المحاضر ما هو خاص بالمخالفات والجنح الواردة بالفصل 117 من مجلة الغابات، إلا أن موقف المشرّع من القوة الثبوتية للمحاضر فيه تضييق على حقوق المتهم من ناحية وحد من حرية القاضي من ناحية أخرى.

2- الدعوى العمومية:

2-1-إثارة الدعوى العمومية:

أضاف المشرع خصوصيات ذات طابع إجرائي تتعلق بما يجب أن يصدر عن الإدارة من إجراءات لإثارة الدعوى العمومية، كصدور شكوى عن الإدارة لإثارة الدعوى العمومية أو ضرورة استطلاع رأي بعض الجهات المختصة، و هو ما اعتبر بمثابة إعطاء الإدارة حق ملائمة التتبع،فالشكوى الصادرة عن الإدارة في بعض الجرائم، تعبر عن رغبتها في إثارة الدعوى العمومية وتتميز الشكوى بالطبيعة الإجرائية وأنّها تصدر عن جهة رسمية مما جعل الفقهاء يؤكدون على أنّ لهاته الشكوى شروط هي: 1- يجب ان تكون الشكوى الصادرة عن الإدارة مكتوبة . 2- يجب أن تصدر الشكوى ممن له الصلاحية قانونا. 3- أن تكون الشكوى معبرة بوضوح عن إدارة مصدرها. 4- يجب أن تشتمل الشكوى على عدة بيانات معينة. 5- لا يلزم أن يكون المتهم محددا. غير أنّ المشرّع لم يورد أي شرط يتعلق بإصدار هذه الشكوى، ولم يذكر أي صيغة معينة أو بيانات محددة، ومع ذلك يتعين أن تتضمن الشكوى توقيع الشخص المختص وتاريخ تحريرها، وختم الإدارة الصادرة عنها، لأن الشكوى الغير موقعة والمختومة من الشخص المختص تفقد صفتها كورقة رسمية، أما تاريخ الشكوى فأنه ضروري لبيان أن أي إجراء ستقوم به النيابة العمومية قد اتخذ في وقت لاحق على صدور الشكوى. ولئن أعطى المشرّع صلاحية إصدار شكوى من الإدارة لإثارة الدعوى العمومية، إلا أنه من ناحية ألزمها بأخذ رأي لجنة إدارية، مثلما نصّت عليه مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية بالفصل 74: يتولى وزير المالية أو من فوض له وزير المالية في ذلك ممن له صفة رئيس إدارة مركزية أو جهوية للأداءات إثارة الدعوى العمومية وتوجيه المحاضر المستوفاة الشروط إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة. وبالنسبة إلى المخالفات الجبائية الجزائية الموجبة لعقوبة بدنية تتم إثارة الدعوى العمومية وتوجيه المحاضر المستوفاة الشروط إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة. وبالنسبة إلى المخالفات الجبائية الجزائية الموجبة لعقوبة بدنية تتم إثارة الدعوى العمومية بعد آخذ رأي لجنة تضبط تركيبتها ومهامها وطرق عملها بمقتضى أمر . ومن ناحية أخرى قد يكون رأي الهيئات مطلوب عند القضاء مثلما نصّ عليه الفصل 86 من قانون تنظيم السوق المالية، وكذلك قد تطالب النيابة العمومية بالرأي المعلل للإدارة مثلما نصّ عليه الفصل 57 من قانون المنافسة والأسعار. ثم أنّ المشرّع في القانون الجزائي الاقتصادي رغم إبقائه للنيابة العمومية كطرف أصلي في إثارة الدعوى العمومية في عديد الجرائم الاقتصادية إلا أنّه مكن بعض الإدارات من السلطة الأصلية لإثارة الدعوى العمومية فأصبحت تنفرد بسلطة تقدير جدوى التتبع والراجع أصلا للنيابة العمومية فإدارة الجباية تمتع بسلطة غير محدودة في تقدير جدوى التتبع ، وهي خصوصية مغايرة تماما لأحكام مجلة الإجراءات الجزائية، وبالتالي يمكن لإدارة الجباية (كالنيابة العمومية) أن تحيل المظنون فيه على المحكمة المختصة مباشرة أو إن تحفظ القضية، مضاف إليه ما لا تملكه (النيابة العمومية)، وهوانه بإمكان إدارة الجباية التنازل عن الدعوى بأن تبرم صلحاً مع المخالف وبذلك أصبحت إدارة الجباية تتمتع بسلطة مباشرة في إثارة الدعوى العمومية في القانون الجزائي الاقتصادي وهو ما أكدته مجلة الحقوق والإجراءات الجبائية من خلال الفصل 74: يتولى وزير المالية أو من فوض له وزير المالية في ذلك ممن له صفة رئيس إدارة مركزية أو جهوية للأداءات إثارة الدعوى العمومية وتوجيه المحاضر المستوفاة الشروط إلى وكيل الجمهورية لدى المحكمة المختصة. وفي المقابل فالإدارة الصرفية والبنكية لهما سلطة مباشرة محدودة لإثارة الدعوى العمومية، من خلال القيد الإجرائي أو شرط إثارة الدعوى العمومية. فالمشرّع في القانون الجزائي الاقتصادي في هذا الخصوص نصّ على ضرورة صدور شكوى عنها، حتى تتمكن النيابة العمومية من إثارة الدعوى العمومية، باعتبار أنّ الشكوى تمثل أولى خطوات التتبع. ورغم وضوح الفصل 29 من مجلة الصرف والتجارة الخارجية:" لا يمكن ممارسة تتبع الجرائم في حق تراتيب الصرف إلا تبعا لشكوى من وزير المالية أو من ممثل له " وكذلك ما نصّ عليه الفصل 24 من نفس المجلة "تحال محاضر المعاينة إلى وزارة المالية التي ترفع الأمر للنيابة العمومية إذ رأت ذلك صالحا". إلا أنّ الآراء المقدمة حول ملكية إثارة الدعوى العمومية في المادة الصرفية اختلفت وتباينت :

- الرأي الأول : بأنّ الإدارة تملك الدعوى العمومية، (وهو رأي قديم نصّ عليه الفصل 127 من القانون الأساسي الصادر في الأمر المؤرخ في 3-10-1884 الذي بمقتضاه أسند للإدارات المالية حق إثارة الدعوى العمومية ، ويعززه ما ورد بالفصل 31 م ص الذي يسمح للإدارة الصرفية التدخل عن طريق الصلح ومحو إمكانية التتبع من طرف أي سلطة حتى إن كانت النيابة العمومية نفسها ، وهو ما يعارضه أصحاب الرأي الثاني.

– الرأي الثاني: النيابة العمومية هي المختصة بإثارة الدعوى العمومية في المادة الصرفية، فالفصل 29 من م ص اقتضى : "أنّه لا يمكن ممارسة تتبع الجرائم في حق تراتيب الصرف إلا تبعا لشكوى من وزير المالية أو من ممثله المؤهل لهذا الغرض"، وبالتالي فإنّ الإدارة الصرفية عندما تكون مجنيا عليها، يصدر عنها التشكي الذي يمثل أولى خطوات التتبع، وباعتبار أنّ النيابة العمومية هي الطرف المؤهل وحدها لتلقي الشكايات حسبما نصّ عليه الفصل 30 م.أ.ج، وبالتالي تستعيد سلطتها في إثارة الدعوى العمومية الصرفية انطلاقا من الفصل 29 من المجلة الصرفية، وخصوصا عندما يتكون من فعل واحد جريمة مزدوجة (صرفية وديوانية) .

– الرأي الثالث: ازدواجية ملكية إثارة الدعوى العمومية، للإدارة الصرفية والنيابة العمومية فهي ليست حكراً على إحداهما. وهو ما نص عليه الفصل 2 م.أ.ج الذي أشار إلى النيابة العمومية والموظفين، فكلا الجهتين يتمتع باختصاص أصلي في إثارة الدعوى العمومية. فإذا ما تعلق الأمر بجريمة صرفية ، فإنّ الإدارة المالية تتولى تقدير جدوى التتبع دون مشاركة النيابة العمومية، أماّ إذا كانت الجريمة مزدوجة تحتمل مؤاخذة صرفية وأخرى ديوانية أو تابعة للقانون العام، فإنّ معاينتها وتتبعها وزجرها يكون طبقا للقانون الديواني، أو طبقا لإجراءات القانون الذي وقع خرقه، حسبما نصّ عليه الفصل 34 م ص . وتبقى الجريمة الصرفية المحضة خاضعة لوزارة المالية التي تمتلك سلطة مباشرة اتجاهها فإمّا أن تقرر المصالحة، او تصدر شكوى فقط، ولا يمكن أن تساير الإثارة التي تختص بها النيابة العمومية. ثم إن النصوص الواردة بمجلة الديوانة والمتعلقة باختصاص إدارة الديوانة على مستوى إثارة الدعوى العمومية، كما ورد بالفصل221م د الذي أعتبر أن الدعوى تقوم بها إدارة الديوانة، باعتبارها تتبع الجرائم الديوانة وهي المختصة برفع الدعوى العمومية .

2-2- - ممارسة الدعوى العمومية:

يقصد بممارسة الدعوى العمومية حسب أحكام الفصلين 2و20 م إ ج هو متابعة القضية لدى المحكمة وتقديم الطلبات ومباشرة الطعون والأصل إن النيابة العمومية هي التي تمارس هذه الدعوى،إلا أن لم تعد الطرف الوحيد ،ذلك أن ما جاء الفصل 75 م ح ا ج بأنّه: "يمكن لأعوان مصالح الجباية متابعة القضايا الجزائية الخاصة بمصالح الجباية التي يرجعون إليها بالنظر أمام المحاكم ودون توكيل خاص للغرض. كما يمكنهم القيام بالإجراءات الموكولة عادة للعدول المنفذين أو اللجوء بالنسبة إلى هذه الإجراءات لخدمات حاملي بطاقات الجبر ، وهذا ما يؤكد على أن المشرع خول إدارة الجباية متابعة القضايا الجزائية و ممارسة الدعوى العمومية أمام المحاكم. وتظهر إدارة الديوانة كذلك على مستوى الممارسة فلقد جاء في الفصل 239 من المجلة الديوانية بأنّ "نائب الإدارة يطلب شفاهيا عند حضوره بالجلسة في اليوم والساعة المعينين، تطبيق العقوبات المنصوص عليها بهاته المجلة". الخصوصية التي أدخلت على القواعد الموضوعية كانت متماشية مع السياسة الاقتصادية على حساب القواعد الجوهرية للقانون الجزائي ، من ذلك أنّه تم المساس بأركان الجريمة ، فبالنسبة للركن الشرعي فقد اختلت الوظيفة الحمائية لمبدأ الشرعية للحريات الفردية و ذلك بتعدد السلط المتدخلة في الميدان التشريعي و اعتماد تقنية التجريم المفتوح فالفرد ليحمي حريته عليه أن يكون ملما بالنص الجزائي حتى يعلم حدود التصرفات التي جرمها القانون ، لكن من الناحية الواقعية من الصعب أن يكون المواطن ملمّا بالقانون الجزائي المتدخل في النشاط الاقتصادي ، فكثرة النصوص و تشعبها تثير صعوبة العلم بهذا القانون، هذا إضافة إلى غموض الركن المادي وتأثيره على إضعاف الركن المعنوي خاصّة و أنّه تمّ تبني الجريمة المادية التي قد تعتبر جريمة غير موجودة حقيقة إضافة إلى مفهومها غير الواضح إلى جانب سلبيات التواجد الحتمي للجريمة الشكلية التي من شأنها التقليل من حظوظ المتهم للتنصل من الجريمة بإثبات براءته بأنّه لم يحدث ضررا . كما تتجلى الصرامة أيضا عند تكييف الجريمة الاقتصادية نتيجة كثرة و تنوع و تضخم النصوص المجرمة التي تفتقد إلى حدّ أدنى من الانسجام و الترابط بين قواعده ، كما تجدر الملاحظة أنّه إضافة إلى الشدّة التي تصطبغ بها هذه الخصوصية فإنّها بقيت أيضا منقوصة بما أنّها لم تحقق وحدة القانون الجزائي الاقتصادي لعدّة أسباب منها الارتباط الوثيق بين القانون الجزائي الاقتصادي و تطور النشاط الاقتصادي ، وغياب تعريف دقيق للقانون الجزائي الاقتصادي يمكن من تحديد ميدانه الواسع و هو ما حثّ الفقهاء إلى البحث عن معايير تساعد على تطويقه ، كما يساهم في اختلال الوحدة القانونية للقانون الجزائي الاقتصادي تعدد السلط المتدخلة و التي بتعددها يصعب جمع شتات هذا القانون وهو ما استوجب المناداة بضرورة توحيد مصادر القانون الجزائي الاقتصادي .

ما يمكن أن نستنتجه، أنّ الواقع الجديد الذي فرضته الحماية الجزائية للأنظمة الاقتصادية قد أوجد مفارقة غريبة وهي جعل النظام الجزائي في علاقة تبعية للإدارة،من خلال إقرار المشرّع في القانون الجزائي المتدخل في النشاط الاقتصادي تفريداً إدارياً للتتبع الجزائي لأنّه منح هذه السلطة لبعض الإدارات. الأمر الذي جعل الفقه يتحدث عن صورة للنيابة العمومية الإدارية، غير أنّ هذا يبقى حالة استثنائية لأحكام مجلّة الإجراءات الجزائية التي تعتبر الشريعة العامة ، وهو استثناء أصبح يعتبر مبدأ في ما يمكن أن نسميه القانون الجزائي الاقتصادي،ولذلك فقد حان الوقت بالمشرع التونسي لأن يتدخل بوضع نظام قانوني متكامل يخص القانون الجزائي الاقتصادي من خلال تنظيم القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية.

أدوات شخصية

المتغيرات
النطاقات
أفعال
تصفح
حركة (ح .ا. ق)
المشاركة والمساعدة
أدوات