Welcome1.png
موسوعة القانون المشارك الجامعية ترحب بكم.
حساب جديد ( أو دخول مشترك) ولا تتردد في طلب مساعدة إدارية ..وانضم لنا على فيس بووك Facebook logo 1.png

عند الاشتراك - يرجي تفعيل بريد الكتروني سليم لاسترجاع كلمة السر عند فقدها ومراقبة التغييرات .دائما استخدم اسم الاشتراك لحماية الخصوصية ، ومتابعة الموسوعة

حاليا لدينا٤٬١٦٢ مقالة اطلع على فهرس كل المقالات

محركات بحث دول عربية


الامارات العربيةالجزائرجمهورية مصر العربيةلبنانتونسالمملكة المغربيةالسعوديةالكويت

Edit-icon.png إذا كنت لا تعرف طريقك بعد ..ندعوك للمساهمة في ← إرسال مقالة إلى بريد المقالات السريع
Edit-icon.png وإذا كان قد سبق لك البحث عن موضوع ولم تجده ولديك معلومات عنه إبدأ بوضع عنوان المقال أدناه (برجاء اختصار وتحديد العنوان قدر الامكان) ثم ضغط الزر:


المحتوى أ • إ • آ • ا • ب • ت • ث • ج • ح • خ • د • ذ • ر • ز • س • ش • ص • ض • ط • ظ • ع • غ • ف • ق • ك • ل • لا • م • ن • و • ي • # •

التحررية في مادة التحكيم التجاري الدولي

من جوريسبيديا, الموسوعة الحره
اذهب إلى: تصفح, بحث
تونس > قانون التحكيم (tn) 
Tn flag.png
International.png

المقدمة

تعرف التجارة بصفة عامة و التجارة الدولية بصفة خاصّة إلى جانب الاستثمار الدولي تطوّرا متسارعا أدّى إلى ظهور أشكال جديدة في المعاملات التجاريّة. و قد ساعد على ذلك التطوّر المعلوماتي الكبير الذي شهده العالم في العشريات الأخيرة. و الذي جعل من العالم الكبير قرية صغيرة يسهل التعامل التجاري بين أفرادها مهما كانت المسافة الفاصلة بينهم.(١)

و أمام الارتفاع الهامّ في عدد المعاملات التجارية و تنوّع أشكالها و أساليبها وجد أطراف التجارة الدولية أنفسهم أمام عائق هامّ يتمثّل في مسألة حلّ النّزاعات الناشبة بينهم في إطار معاملاتهم التجارية. ذلك أنّ مهمّة فضّ النزاعات يقوم بها أصالة قضاء الدّولة. و من المتعارف عليه اليوم ما يشهده القضاء من تكدّس ملفّات القضايا و طول نشرها و ذلك رغم ما يحيط به من تنظيم باعتباره أحد سلط الدولة و رغم ما يتمتّع به القضاة من تكوين و رسكلة و ما يتمتّعون به من خبرة. غير أنّ كلّ ذلك لا يكفي لملائمة قضاء الدولة لمتطلبات فضّ نزاعات التجارة الدولية.

و قد يعود ذلك لسببين جوهريّين : أمّا بالنسبة للسبب الأول، فيتمثّل في عامل الزمن. فالزمن يمثّل عنصرا بالغ الأهميّة بالنسبة للتاجر. فبين ساعة و أخرى ترتفع قيمة أسهم و تنخفض قيمة أخرى و نفس الشيء بالنسبة للعملات الأجنبية. كما أنّ مرور الزمن يرفع في قيمة الفوائض الماليّة و غير ذلك من التحديات التي تواجه التاجر في علاقته بعامل الزمن.

في مقابل هذه الأهميّة للزمن بالنسبة للتاجر، نجد أنّ ما يميّز قضاء الدولة هو كثرة الإجراءات التي يغلب عيها طبعا الطابع الشكلي ممّا يؤدّي إلى تطويل الآجال و بالتالي بطئ و تأخر فضّ النزاع. إذ قد يتواصل نشر القضيّة أمام محاكم الدّولة لمدّة تصل عشر سنوات.

أمّا فيما يخصّ السبب الثاني، فيتمثّل في انعدام المرونة في كلّ ما يتعلّق بالتقاضي أمام قضاء الدولة. فقانون الدّولة يتّسم غالبا بصبغته الآمرة و خاصّة على المستوى الإجرائي. ففيما يخصّ القانون الإجرائي يخضع المتقاضي إلى جملة من الإجراءات التي يغلب عليها الطابع الشكلي و التي تكون فيها مضيعة للوقت بدعوى ضمان محاكمة عادلة و نزيهة. أمّا فيما يخصّ القانون الموضوعي، فإنّه في الغالب يفتقر إلى الحلول العمليّة و الواقعيّة السريعة و الناجعة لحلّ النزاعات المتعلّقة بالأساليب الجديدة للتعامل التجاري. ممّا يجعل القضاء يقع في فراغ تشريعي ناتج عن عدم مواكبة القانون لأساليب التعامل التجاري الجديدة و المعقدة أحيانا.

و أمام ما يتطلّبه فضّ نزاعات التجارة الدوليّة من تقنيات جديدة و سرعة البتّ في مآل النزاع و مرونة تهدف إلى المحافظة على استمراريّة العلاقات التجارية القائمة بين الأطراف المتنازعة لم يعد لأطراف التجارة الدوليّة من حلّ سوى الالتجاء إلى الطرق البديلة لحلّ المنازعات و من أهمّها التّحكيم. إذ يعتبر التحكيم التجاري الدولي طريقة أكثر تحرّرا تكرّس أساليب و تقنيات أكثر مرونة و تلاءما مع واقع التجارة الدولية.

و يعتبر استبدال أطراف التجارة الدولية الالتجاء إلى قضاء الدولة بالالتجاء إلى التحكيم التجاري الدولي أمرا منطقيّا لما يتميّز به هذا الأخير من تحرّر يكاد يكون مطلقا يتمتّع به كلّ من الأطراف و هيئة التحكيم. و ذلك على عكس قضاء الدولة، الذي يجب في إطاره على القضاة و المتقاضين الالتزام بقانون الدولة. و بالتالي، فإنّه « ليس من المبالغة القول بأنّ إجراءات التحكيم تفضل إجراءات التقاضي أمام المحاكم».

ففي إطار التحكيم التجاري الدولي يتحرّر الأطراف و المحكّم من الالتزام بالقانون الإجرائي للدولة. إذ يضعون بكلّ حريّة الإجراءات التي يريدون إتباعها. من جانب آخر، يمكنهم اختيار القانون المنطبق على أصل النزاع أو تجاوز القانون أصلا و الالتجاء إلى قواعد العدل و الإنصاف.

يمكن اعتبار أنّ التحرريّة هي السّمة الأساسيّة و الجوهريّة التي تطبع التحكيم التجاري الدولي و عنصر الجذب الأساسي لهذه الطريقة لفضّ النزاعات. و قد أصبح التحكيم ذاته ضمانة أساسيّة للمستثمرين الأجانب و أصحاب رؤوس الأموال. ممّا دفع بالمشرّع إلى تكريس نهج تحرريّ من خلال إصداره لمجلّة التّحكيم بمقتضى القانون عدد 42 لسنة 1993 و المؤرّخ في 26 أفريل 1993 و إدراجه لقواعد تتعلّق بالتحكيم الدولي تشكّل حريّة الأطراف و المحكّم فيها عنصرا جوهريّا. فكيف يمكن أن نعرّف التحكيم ؟

لقد تعدّدت التعاريف التّشريعيّة و الفقهيّة للتّحكيم. فقد تمّ تعريف التّحكيم في إطار المادّة 1790 من مجلّة الأحكام العدليّة و التي أصدرتها السلطنة العثمانيّة سنة 1876 بأنّ :« التّحكيم هو اتّخاذ الخصمين برضاهما حاكما يفصل خصومتهما و دعواهما ...». أمّا المشرّع التونسي فقد عرّف التّحكيم ضمن الفصل الأوّل من مجلّة التّحكيم الصادرة في 26 أفريل 1993، فاعتبر أنّه :« طريقة خاصّة لفصل بعض أصناف النّزاعات من قبل هيئة تحكيم يسند إليها الأطراف مهمّة البتّ فيها بموجب اتّفاقيّة تحكيم ».

أمّا على مستوى الفقه، « فقد اختلف الفقهاء في الطبيعة القانونيّة للتّحكيم. فلئن رأى بعضهم أنّه تقنية تعاقديّة، ركّز البعض الآخر على طابعه القضائي، باعتباره آليّة قضائيّة لحسم المنازعات ». فقد أكّد جانب من الفقه الطبيعة القضائيّة و المؤسّساتيّة للتحكيم. إذ يرى الفقيه جاروسون أنّ «التّحكيم هو المؤسّسة التي يقوم من خلالها شخص أجنبيّ بفضّ النّزاع الذي يربط شخصين فأكثر و ذلك بممارسة الوظيفة القضائيّة الممنوحة له من قبل الأطراف».

كما أكّد جانب آخر من الفقه الأساس الاتّفاقي للتّحكيم فتمّ تعريفه بكونه «وسيلة اتّفاقيّة لتسوية النّزاعات من قبل خواصّ يتمّ اختيارهم من قبل الأطراف و لهم سلطة الفصل بدلا عن محاكم الدّولة». كما عرّف جانب من الفقه التّحكيم اعتمادا على الجانب التّقنيّ فيه فاعتبر أنّه :«تقنية تهدف إلى تقديم حلّ لسؤال يهمّ علاقات تجمع بين شخصين فأكثر من قبل شخص أو أشخاص آخرين _ المحكّم أو هيئة التّحكيم_ الذين يستمدّون سلطتهم من اتّفاقيّة خاصّة يحكمون على أساسها دون أن يستمدّوا سلطتهم المتعلّقة بهذه المهمّة من الدّولة».

أمّا فيما يخصّ الصّبغة التجاريّة للتّحكيم، فإنّها لا تعني لزوم مطابقة موضوع التحكيم لمتطلّبات الفصل الثاني من المجلّة التّجاريّة. لكن تمّ في إطار التّحكيم الدّولي تبنّي مفهوم موسّع إذ « يعتبر تجاريّا كلّ تحكيم دولي تتواجه فيه مؤسّسات حول نزاع ذو صبغة اقتصادية». و هو ما ذهب إليه القانون النّموذجي للتّحكيم التجاري الدولي لسنة 1985 . « والذي يميل إلى تكريسه الفقه و القضاء على المستوى العالمي، وهو المفهوم الموسّع للصّبغة التّجاريّة، و الذي يعتبر أنّ كلّ معاملة ذات صبغة اقتصاديّة دوليّة تعتبر تجاريّة، و لو كانت تعتبر غير تجاريّة ( مدنيّة بالأساس) وفق التشريع الوطني».

أمّا بالنّسبة للصبغة الدوليّة للتحكيم، فقد لاحظ جانب من الفقه أنّ هذا المفهوم يثير اختلافات بين نظريّة قانونيّة لتحديد هذه الصّبغة الدوليّة و أخرى اقتصادية. فحسب النظريّة القانونيّة، « يتمّ استخراج عناصر "الخارجيّة" للنّزاع و البحث عن نقاط الالتقاء مع بلد معيّن ومن خلال هذه الطريقة التنازعيّة يتمّ ربط التحكيم بنظام قانوني وطني ». أمّا بالنّسبة للنظريّة الاقتصاديّة، فإنّ جانبا من الفقه الحديث يرى أنّه حتّى يكون التحكيم دوليّا « يجب أن يتعلّق النّزاع بالتّجارة الدوليّة » . و هو ما كرّسه المشرّع الفرنسي ضمن الفصل 1492 من م.ج.إ.م.ف.


أمّا بالنّسبة للمشرّع التونسي، فقد جمع بين المعايير الواردة بالقانون النموذجي و المتمثّلة أساسا في المعيار الذاتي أو الإرادي و المعيار القانوني إلى جانب المعيار المستوحى من القانون الفرنسي (الفصل 1492) و المتمثّل في المعيار الاقتصادي. فقد جاء بالفصل 48 م.ت أنّه : « يكون التحكيم دوليّا في إحدى الحالات التالية: أ‌- إذا كان محلّ عمل أطراف اتّفاقيّة التحكيم زمن انعقادها واقعا في دولتين مختلفتين. ب- إذا كان أحد الأماكن التالية واقعا خارج الدولة التي فيها محلّ عمل الأطراف: 1- مكان التحكيم إذا نصّت عليه اتّفاقيّة التحكيم أو وقع تحديده وفقا لها. 2- أيّ مكان ينفّذ فيه جزء هامّ من الالتزامات الناشئة عن العلاقة أو المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق صلة به. ج- إذا اتّفق الأطراف صراحة على أنّ موضوع اتّفاقيّة التحكيم متعلّق بأكثر من دولة واحدة. د- بصفة عامّة إذا تعلّق التحكيم بالتجارة الدوليّة».

و بالتالي، نلاحظ أنّ المشرّع « خوّل للأطراف حتّى إمكانيّة إعطاء التحكيم صبغة دوليّة مصطنعة بمجرّد الاتّفاق على ذلك». و هو ما يعكس الاتّجاه التحرّري للمشرّع في مادّة التحكيم عامّة و التحكيم التجاري الدولي خاصّة. لاسيّما و أنّ أغلب الأحكام الواردة بالباب الثالث المتعلّق بالتحكيم الدولي تتّسم بتكريس حريّة الأطراف و المحكّم و تغلب عليها صبغة الجواز لا المنع و لا الأمر.

تاريخيّا، يعدّ من الثابت « أنّ التحكيم نظام للقضاء أصيل و الثابت وضعيّا أنّه القضاء الأصل في المجال الدولي المتكامل البناء هيكليّا و مكتمل النظام القانوني تنظيميّا». و تشير بعض الدراسات المهتمّة بتاريخ التحكيم و قانونه أنّ التحكيم في صيغه البدائيّة المتمثّلة في تطبيق مبادئ البداهة و الفراسة و تقديم المنطق التصالحي هو أقدم أشكال العدالة. و قد واكب ظهوره ظهور الإنسان ككائن مفكّر. و قد عرفته عدّة حضارات، إذ أنّ « الحضارة الرومانيّة القديمة كانت قد وضعت أسس مؤسّسة التحكيم و طوّرت إطارها القانوني». كما عرفته الحضارة الإسلامية و أشار إليه القرآن الكريم. و يرى جانب من الفقه أنّه « لا يمكن أن يعدّ وجوده فضلا و لا منّة من الدولة». غير أنّ التحكيم عرف تراجعا متواصلا أمام "زحف" سلطة الدولة و سعيها إلى تنظيم كلّ جوانب الحياة. فقد تحكّمت النظم التقليديّة التحكّميّة في التحكيم و أخضعته لرقابتها المشدّدة على امتداد كافّة مراحله ممّا جعله « يذوب في قضاء الدولة و يتشتّت بين النظم الوطنيّة ما أفقد نظامه الوحدة و الاستقلاليّة و قضاءه التناسق و الأمن القانوني، أي أفقده مقوّمات المؤسّسة».

غير أنّ التحكيم لم يبق خاضعا للرقابة المشدّدة للدولة و تحكّمها بل سار في اتّجاه التحرّر. و قد تغيّرت معاملة الدول للتّحكيم، « فلم يعد الهمّ السائد عندها هو ترويض "هذا الغول" و تدجينه من خلال فرض رقابة مشدّدة و مباشرة عليه، بقدر ما أصبح همّها بحث و استكشاف كيفيّة تعزيزه».

و لقد عملت أغلب الاتّفاقيّات الدولية و الإقليمية المتعلّقة بالتحكيم الدولي على تكريس أكبر قدر ممكن من الحريّة للأطراف و المحكّم. و لقد زاد في تكريس هذا المنهج العالمي في تحرير التحكيم من الارتباط الجغرافي و القانوني بسيادة دولة ما ما تضمّنه القانون النّموذجي للتحكيم التجاري الدولي لسنة 1985 من توجّهات ليبراليّة.

إنّ التحرّريّة التي أصبحت من أبرز مميّزات التحكيم التجاري الدولي تدحض فكرة التحكيم الإجباري أو الإلزامي منذ ضمان حريّة اختيار الأطراف لهذه الطريقة في فضّ النزاعات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن اعتبار التحكيم أداة للتحرّر من تحكّم الدولة، إذ أنّه يحرّر الأطراف و المحكّم من الخضوع لقانون الدولة سواء الإجرائي أو الموضوعي كما يحرّرهم إلى حدّ كبير من قضاءها.

عمليّا، يمكن القول أنّ ما يتمتّع به الأطراف من حريّة كبيرة في إطار التحكيم و بصفة خاصّة في اختيار القانون المنطبق يعتبر من أبرز دوافع التجار لاختيار التحكيم الدولي لفضّ نزاعاتهم. لكن يحصل أحيانا أن يتمّ تجاوز إرادة الأطراف في الاختيار و إحلال إرادة المحكّم و ذلك لأسباب مختلفة تتعلّق معظمها بالقانون المختار. من جهة أخرى، و بملاحظة واقع التحكيم الدّولي، نجد أنّه رغم تحرّر التحكيم من الرقابة المشدّدة لقضاء الدولة إلاّ أنّ ذلك لا يعفي هذا الأخير من أحد تدخّلين حسب ما تتطلّبه الأحوال، فيكون التدخّل إمّا مساعدا أو رقابيّا.

إنّ كلّ ما سبق ذكره يدعونا إلى الإشارة إلى أنّ كلّ ما يتمتّع به المحتكمون و المحكّمون في إطار التحكيم الدولي من حريّة إنّما الهدف الجوهريّ منه هو ضمان نجاعة التحكيم. هذه النّجاعة و لئن تمظهرت في سيطرة الأطراف على الإجراءات التحكيميّة بما يمكّن من تفادي الإجراءات المطوّلة و ربح الوقت و البتّ في مآل النّزاع في أقصر الآجال فإنّها تتمظهر أيضا في مرحلة ما بعد صدور الحكم التحكيمي بضمان الفاعليّة الذاتيّة لهذا الأخير و التي تمّ تأمينها من خلال ضمان حجّيّة كاملة للحكم التحكيمي احتجاجيّة و إلزاميّة و تنفيذيّة.

و هو ما يجعلنا نطرح الإشكاليّة التالية:

ما هي أوجه التحرّريّة في مادّة التحكيم التجاري الدولي؟

للإجابة عن هذه الإشكاليّة لبدّ من التعرّض إلى عنصرين أساسيّين ألا و هما : التحرّر من قانون الدولة ( الجزء الأوّل ) و التحرّر من قضاء الدولة ( الجزء الثاني ).


فهرست

الجزء الأول:التحرّر من قانون الدولة

إن أهم ما يميز التحكيم التجاري الدولي هو التحرر من قانون الدولة. ذلك أن التقاضي أمام قضاء الدولة لا يتمّ إلا بمقتضى قوانينها، سواء الإجرائية منها أو الموضوعية. أمّا عند الالتجاء إلى التحكيم التجاري الدولي فإن للأطراف الحرية في إقصاء قانون الدولة.

ذلك أن الغاية الأساسية للأطراف في النزاع التجاري الدولي هو في معظم الحالات الابتعاد عن تعقيدات القانون الآجرائي للدولة و طول آجاله و الطابع الشكلي الذي يطغى عليه، من جهة، و من جهة أخرى، يسعى الأطراف إلى إقصاء القانون الموضوعي للدولة و تطبيق قانون آخر يبدو لهم أكثر تلاءما مع النزاع.

و يعتبر التحرر من قانون الدولة أحد ركيزتي التحررية في التحكيم التجاري الدولي إلى جانب التحرر من قضاء الدولة.

و يتمثل التحرر من قانون الدولة أساسا في التحرر من قانونها الإجرائي ( الفصل الأول) بما يسمح لأطراف النزاع بحرية تنظيم إجراءات المحاكمة و الاختلاف في ذلك مع الآجراءات المتبعة أمام محاكم الدولة.

و من جهة أخرى، يمكن للأطراف التحرر من القانون الموضوعي للدولة ( الفصل الثاني) بما يسمح للأطراف بحرية واسعة في اختيار القانون المنطبق على أصل النزاع.

الفصل الأول: التحرّر من القانون الإجرائي للدولة

إن التحرر من القانون الآجرائي للدولة ميزة أساسية و عامل جذب هامّ جدّا لفائدة التحكيم التجاري الدولي. ذلك أنّ أطراف الخصومة سيجدون أنفسهم أحرارا في تنظيم إجراءات المحاكمة بما يسمح لهم بتفادي الآجراءات المطولة و المعقدة و ذات الصبغة الشكلية التي لا تتماشى مع متطلبات الحياة الاقتصادية و المعاملات التجارية التي تتطلب أساسا السرعة. لذلك قام المشرع بتكريس التحررية الإجرائية ( الباب الأول). غير أن التحررية الإجرائية لا يمكن أن تكون مطلقة إذ يحدّ منها وجوب إحترام قواعد الآجراءات الأساسية ( الباب الثاني).

الباب الأول:تكريس التحررية الإجرائية

كرّس المشرع التونسي، إقتداءا بالاتفاقيات الدولية و قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي و الغالبيّة العظمى من التشريعات الوطنية الحديثة، التحرّريّة الإجرائية و ذلك خاصّة بتخويل أطراف النّزاع حرّية تنظيم الإجراءات ( الفرع الأوّل) من جهة، و من جهة أخرى، سمح لهم بمزيد من التّحرّر الإجرائي بأن ضمن لهم حرّية اختيار القانون المنطبق على الإجراءات ( الفرع الثاني).

الفرع الأول= حرية تنظيم الإجراءات


يتمتع الأطراف و بصفة ثانوية هيئة التحكيم، في إطار التحكيم التجاري الدولي، بحرية واسعة في تنظيم الإجراءات. ذلك أنهم و على خلاف قضاء الدولة يتمتعون بحرية اختيار هيئة التحكيم ( فقرة أولى) و مكانه ( فقرة ثانية) و لغته ( فقرة ثالثة ) و تحديد آجاله و كلفته ( فقرة رابعة).



فقرة 1: حرية اختيار هيئة التحكيم


تعتبر حرّية الأطراف في تشكيل هيئة التحكيم من أبرز العوامل المساهمة في تأكيد و ترسيخ التحرّرية في مادّة التحكيم التجاري الدولي. و تتجلّى هذه التّحرّريّة في السّماح للأطراف باختيار شكل هيئة التحكيم. أي أن تكون فرديّة أو مجلسيّة بالإضافة إلى حرّية اختيار شخص المحكّم أو المحكّمين و حرّية تحديد عددهم على أن يكون وترا. و قد جاء بالفصل 55 م.ت أن « للأطراف حرّية تحديد عدد المحكّمين لكن يجب أن يكون العدد وترا ». و نصّت الفقرة الثانية من الفصل 56 م.ت على حرّية الأطراف في الاتفاق على الإجراء الواجب إتّباعه في تعيين المحكّم أو المحكّمين.

من جهة أخرى، تبرز الصبغة التحرّريّة المميّزة لتشكيل هيئة التحكيم فيما نصّ عليه الفصل 56 م.ت في فقرته الأولى من أنّه « لا يمنع أيّ شخص بسبب جنسيّته من العمل كمحكّم، ما لم يتّفق الأطراف على خلاف ذلك». و تجدر الملاحظة أنّه كان بإمكان المشرّع تضمين هذا الحلّ بالباب الأول المتعلّق بالأحكام المشتركة حتّى يضمن هذه الحريّة بوضوح في إطار التحكيم الداخلي، إذ أنّه يمكن أن يفسّر موقف المشرّع بالسّلب تجاه هذه المسألة ممّا يؤدي إلى منع اختيار محكّم أجنبي في إطار التحكيم الداخلي.

و قد كرّس قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي حرّية الأطراف في اختيار و تشكيل هيئة التحكيم و ذلك بفصله الثالث.

و تتضح التحرّريّة في مسألة اختيار هيئة التحكيم عندما تقع مقارنة النظام الخاص بالتحكيم التجاري الدولي بقضاء الدولة. حيث أنّ أطراف النزاع التّحكيمي هم الذين يتولّون اختيار المحكّم أو أعضاء هيئة التحكيم عندما يكون التحكيم مجلسيّا. و هو ما يستحيل قانونا أمام قضاء الدولة، حيث أنّ القضاء هو سلطة عامّة إلى جانب كونه مرفقا عامّا يتميّز بالاستمراريّة و الاستقرار، و لا يمكن لأطراف النزاع اختيار القضاة.

و يمكن اعتبار حرّية اختيار هيئة التحكيم عامل جذب إيجابي بالنسبة للتحكيم التجاري الدولي، خاصّة إذا كانت هذه الحرّية قائمة على حسن اختيار المحكّم. و قد بيّن الفقه الحديث أنّه « يمكن أن ينجح التحكيم بامتياز في العالم العربي إن توفر شرط واحد، بغضّ النظر عن جميع الجوانب الأخرى، ألا وهو : حسن اختيار المحكّم» .

إنّ الحرّية الممنوحة للأطراف في اختيار هيئة التحكيم تمثّل سلاحا ذو حدّين: إذا أحسن الأطراف الاختيار فإنّ نسبة نجاح التحكيم تكون كبيرة و إذا أساء الأطراف الاختيار فإنّ ذلك سيكون له تأثير سلبيّ جدّا على سير الإجراءات و سرعة الفصل في النّزاع.

لذى يجب استغلال حرّية اختيار المحكّم من قبل الأطراف بأن يقوم كلّ طرف بتحرّي المحكّم الذي يجمع أغلب الصّفات الأساسيّة الواجب توفّرها في شخصه. ذلك أنّ حسن اختيار المحكّم يزيح جميع الصعوبات و العراقيل بما يفترض أن يتوفّر فيه من التّمكن و الفطنة و النّزاهة. ممّا يؤدّي إلى منع ضياع الوقت و طول الإجراءات. كما باستطاعة المحكّم الجيّد التّقليص من تكلفة التّحكيم.

«كما أنّ المحكّم الممتاز بإمكانه أن يتوصّل إلى إقناع الأطراف بالحلول الصلحيّة و بإمكانه أن يوجد للخلاف حلاّ مقنعا و وجيها يستحي الأطراف أو ييأسون من المنازعة فيه، و هو يساهم بالتالي في التّقليص من حالة التّوتر و الشدّ العصبي و النفسي التي عادة ما ترتبط بالخصام و النزاع » .


فقرة 2: حرية اختيار مكان التحكيم


سعى المشرع إلى ضمان حرّية الأطراف في اختيار مكان التحكيم و ذلك في إطار الفصل 65 م.ت الذي ينصّ على أنّ « للأطراف أن يتّفقوا على مكان التحكيم داخل تراب الجمهورية أو خارجه».

و تعتبر حرّية الأطراف في اختيار مكان التحكيم على غاية من الأهميّة و الخطورة، ذلك أن اختيار مكان التحكيم يؤثّر على مسألة تطبيق أحكام القانون في المكان.

في هذا الإطار ينصّ الفصل 47 م.ت على أنّه: «1- تنطبق أحكام هذا الباب على التحكيم الدولي مع مراعاة الاتفاقية الدّوليّة التي التزمت الدولة التونسية بتنفيذها.

2- باستثناء أحكام الفصول 53-54-80-81و82 من هذه المجلّة لا تنطبق أحكام هذا الباب إلا إذا كان مكان التحكيم واقعا في التراب التونسي أو إذا وقع اختيار هذه الأحكام سواء من قبل الأطراف أو من قبل هيئة التحكيم».

و بالتالي يمثل اختيار مكان التحكيم اختيارا لأحد المعيارين الوارد بهما الفصل 47 م.ت و المؤدي إلى ما يعرف بالتوطين الموضوعي أو الاختياري للتحكيم. و لا يمثّل، حسب جانب من الفقه ، توجّه المشرع التونسي المتمثل في اعتبار القانون التونسي منطبقا على التحكيم كلما وجد مقرّه بالبلاد التونسية إتّجاها خاصّا أو شاذا في مجال التحكيم، بل هو يتماشى مع ما هو مقرّر في كلّ القوانين تقريبا.

و تبرز فعاليّة حرّية اختيار مكان التحكيم بوجه خاصّ في تجنّب توطين التحكيم في دولة يتميّز تشريعها في مادّة التحكيم بالصّرامة و الحدّ من حرّية الأطراف و هيئة التحكيم أو تتميّز بتشديد الرّقابة على الأحكام التحكيميّة.

و قد نصّ قانون الأونسيترال النّموذجي للتحكيم التجاري الدّولي في الفقرة الأولى من المادّة 20 على أنّ « للطّرفين حرّية الاتّفاق على مكان التحكيم. فإن لم يتّفقا على ذلك، تولّت هيئة التحكيم تعيين هذا المكان على أن تؤخذ في الاعتبار ظروف القضيّة، بما في ذلك راحة الطّرفين». بالمقارنة مع قضاء الدولة، فإنّنا نلاحظ انعدام هذه الحرّية في اختيار مكان فصل النّزاع، ذلك أنّ التنظيم القضائي العدلي يتميّز بأحكام آمرة تضبط اختصاصه الترابي. حيث جاء بالفصل 30 م.م.م.ت أنّه :« المطلوب شخصا كان أو ذاتا معنويّة تلزم محاكمته لدى المحكمة التّي بدائرتها مقرّه الأصليّ أو مقرّه المختار».

في مقابل ذلك، يتمتّع أطراف اتّفاقيّة التّحكيم بحرّية واسعة في اختيار مكان التحكيم، الذي يمكن أن يكون حسب جانب من الفقه مكان تنفيذ العقد أو الدولة التي سيتمّ فيها طلب تنفيذ الحكم التحكيمي.

فقرة 3: حرية اختيار لغة التحكيم


يضمن القانون التونسي، على غرار قانون الأونسيترال النّموذجي للتحكيم التجاري الدولي، حرّية اختيار اللّغة أو اللّغات التي ستستعمل في إجراءات التحكيم. حيث ينصّ الفصل 67 م.ت في عبارات مشابهة إلى غاية التطابق مع المادّة 22 من القانون النّموذجي، على أنّ:« للأطراف أن يتّفقوا على اللّغة أو اللّغات التّي تستعمل في إجراءات التحكيم و إلاّ عيّنت هيئة التحكيم اللّغة أو اللّغات التّي تستعمل في هذه الإجراءات».

هذه الحرّية في اختيار لغة التحكيم منصوص عليها أيضا في إطار نظام تحكيم غرفة التجارة الدّوليّة في إطار الفقرة الثالثة من المادّة 15، حيث، و في إطار هذا النّظام، فإنّ لغة أو لغات التحكيم يتمّ تعيينها من قبل هيئة التحكيم التّي تأخذ في الاعتبار خاصّة ظروف و لغة العقد.

في الواقع، إنّ مسألة اختيار لغة التحكيم لا تطرح في الغالب في إطار التحكيم الداخلي. ذلك أنّه من المفروض أن الأطراف ينتمون إلى نفس الدّولة و بالتالي يستعملون نفس اللّغة. و هو ما يؤدّي إلى القول بأنّ هذه المسألة هي من خاصّيات التحكيم الدّولي، الذي يجمع عادة بين أطراف من جنسيّات مختلفة تختلف تبعا لها لغاتهم.

و تأتي حرّية الأطراف، في اختيار لغة أو لغات التحكيم، لتمكّن كلّ طرف من الدّفاع عن حقوقه و إبداء آراءه و مناقشة كلّ نقاط النّزاع بكلّ راحة و بعيدا عن كلّ إلتباس يمكن أن يحدث لأحد الأطراف بسبب عدم فهم لغة الخصم. ذلك أنّ الطرف الذي يستعمل لغة هي ليست بلغته الأصليّة غالبا ما يكون في وضعيّة أسوأ من وضعيّة الطرف الذي يستعمل لغته. فضمان حرّية اختيار اللّغة في التحكيم التجاري الدّولي هي ضمان للمساواة بين الطّرفين و ضمان لممارسة أفضل لحقّ الدّفاع أثناء إجراءات التحكيم.

فقرة 4: حرية اختيار آجال التحكيم و كلفته


غالبا ما يتّجه أطراف النّزاع إلى التحكيم نظرا لما يتميز به عن قضاء الدّولة من سرعة في الفصل و سيطرة على التكلفة. و تقترن عادة آجال التحكيم بكلفته، ذلك أنّه كلّما طالت مدّة التحكيم كلّما ازدادت التكلفة و المصاريف. و يعتبر جانب من الفقه أنّ كلفة التحكيم هي عبارة عن مصاريف المحاكمة التحكيمية ذاتها و المصاريف التي ساهمت في تحضير و سير الإجراءات.

و قد عرّفت بعض نظم التحكيم تكلفة التحكيم و منها نظام التحكيم الخاصّ بغرفة التجارة الدولية. حيث عرّفها في الفصل 31-3 بكونها « أتعاب و مصاريف المحكّمين و المصاريف الإداريّة لغرفة التجارة الدولية المعيّنة من قبل المحكمة بصفة مطابقة لجدول الحساب المعمول به وقت بداية إجراءات التحكيم، بالإضافة إلى أتعاب و مصاريف الخبراء الذين وقعت تسميتهم من قبل المحكمة التحكيمية، إضافة إلى المصاريف المنطقية المبذولة من الأطراف للدفاع بمناسبة التحكيم».

و قد منح المشرّع الأطراف حرّية تحديد آجال التحكيم و كلفته. فبالنسبة لأجل التحكيم يلاحظ جانب من الفقه أنّ مجلّة التحكيم كرّست « نظاما أكثر مرونة، إذ لا يوجد في الباب المتعلّق بالتحكيم الدولي أيّ نصّ يوجب البتّ في النزاع في أجل معيّن، و هو ما يضع على المحكّمين مجرّد التزام بالبتّ في النزاع في أسرع وقت ممكن، مع منحهم سلطة تقديريّة واسعة في ذلك، خصوصا أنّ الحلّ العكسيّ يؤدّي إلى هدر الوقت لا ربحه » .

في هذا الإطار، يتوجّب على أطراف النزاع التحكيمي حسن استغلال هذه الحرّية. ذلك أنّ تقييد هيئة التحكيم بأجل قصير جدّا لحلّ نزاع تجاري متشعّب قد يؤدّي إلى صدور الحكم التحكيمي خارج الأجل الإتّفاقي.

من جهة ثانية، يتوجّب على أطراف النزاع ، في إطار علاقتهم بالمحكّمين في التحكيم الحرّ، أن يحسنوا استغلال حرّية تحديد التكلفة . ذلك أنّ بعض القضايا التحكيمية وصلت تكاليفها إلى أرقام خيالية مثل ما أشار إلى ذلك جانب من الفقه بأنّ هذه التكاليف « يقع أن تكون مكلّفة بشكل لافت للانتباه، حيث أنّه في قضيّة تحكيميّة دوليّة بلغت أجور المحكّمين و مصاريف التحكيم أكثر من خمسة ملايين دولار !!! » . و قد ألزمت محكمة الاستئناف بتونس في قرار متعلّق بالتحكيم أحد الأطراف بأداء مبلغ خمسين ألف دينار بعنوان أتعاب هيئة التحكيم.

كما يمكن أن تبلغ «  تكاليف التحكيم أرقاما هامّة خاصّة إن استوجب الأمر اللّجوء إلى اختبارات مكلفة أو تنقّلات متعدّدة يقوم بها المحكّمون و المحامون و الشهود و الخبراء، علاوة على ما قد تتطلّبه القضيّة من ترجمة وثائق كثيرة ... » .

فإذا كان القصد من التحكيم هو التقليل من التكلفة و الضغط على المصاريف فإنّه على الأطراف أن يحسنوا استغلال حرّية التعاقد في تحديد مبلغ معقول نظير أتعاب هيئة التحكيم. كما يمكن أن يقصوا بكلّ حرّية المصاريف غير الضروريّة. كما يستحسن أن يكون المحكّم خبيرا في ميدان النزاع فلا يتمّ الالتجاء إلى الاستعانة بخبراء إضافييّن. من جانب آخر يمكن للأطراف أن يتّفقوا على تنصيف أتعاب المحكّمين بينهما.

الفرع الثاني: حرية اختيار القانون المنطبق على الإجراءات

إنّ التّحرّريّة الإجرائيّة المميّزة للتّحكيم الدّولي لا تكتمل إلاّ بإقرار حرّية الأطراف و المحكّم في اختيار و تحديد القانون المنطبق على الإجراءات. و لقد كرّس المشرّع هذه الحريّة، على غرار التّشريعات الأجنبيّة و أنظمة التّحكيم الخاصّة و القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي.

و لقد جاء بالفصل 64 م.ت أنّه : « 1- مع مراعاة أحكام هذا الباب للأطراف أن يتّفقوا على الإجراءات التي على هيئة التّحكيم إتّباعها.

2- فإن لم يتّفقوا كان لهيئة التّحكيم – مع مراعاة أحكام هذا القانون – أن تسير في التّحكيم حسب الطّريقة التي تراها مناسبة. و تشمل السّلطة المخوّلة لهيئة التّحكيم سلطة تقرير جواز قبول الأدلّة المقدّمة و صلتها بالموضوع و جدواها و أهمّيتها ».

و بهذه الأحكام أقرّ المشرّع للأطراف و المحكّم إمكانيّة التّحرّر من القوانين ذات العلاقة ( فقرة أولى ) كقانون العقد و قانون دولة المقرّ. و من جهة أخرى، كرّس المشرّع حقّ الأطراف و المحكّم في ممارسة حرّية الاختيار ( فقرة ثانية ) فيما يخصّ القانون المنطبق على الإجراءات.


فقرة1: التّحرر من القوانين ذات العلاقة


لاحظ جانب من الفقه أنّ نظريّتي ارتباط القانون الإجرائي المنظّم للتّحكيم الدّولي بكلّ من قانون دولة المقرّ و قانون العقد أظهرتا ضعفا أدّى إلى تلاشيهما. و قد أدّى ذلك إلى التّحرّر من قانون العقد (أ) و التّحرّر من قانون دولة المقرّ (ب).



أ/ التّحرّر من قانون العقد


إنّ تحرّر الأطراف و هيئة التّحكيم من القانون الموضوعي للعقد عند اختيارهم للقانون المنظّم للإجراءات أصبح يمثّل مبدأ مسلّما به في التّحكيم التّجاري الدّولي . و قد ظهر هذا المبدأ من خلال قراري "ديافنباكر" بتاريخ 18 جوان 1974 عن محكمة الاستئناف بباريس.

و يتيح التّحرّر من قانون العقد، للأطراف و لهيئة التّحكيم، إمكانيّة اختيار قانونين مختلفين، قانون منظّم للإجراءات و آخر يهمّ أصل النّزاع.

من جانب آخر، فإنّه في صورة انعدام الاختيار الصّريح من قبل الأطراف للقانون المنطبق على الإجراءات، فإنّ هيئة التّحكيم ليست ملزمة بتطبيق القانون المختار من قبل الأطراف و المنظّم لأصل النّزاع.

بالإضافة إلى ذلك، تكون هيئة التّحكيم غير ملزمة بتطبيق القانون المنطبق على أصل النّزاع على الإجراءات التّحكيميّة حتّى و لو كانت هي التي اختارته بنفسها .

عمليّا، نجد أنّ الاعتبارات و الدّوافع التي توجّه إرادة الأطراف و هيئة التّحكيم إلى اختيار القانون الموضوعي يمكن أن تختلف عن الاعتبارات و الدّوافع التي توجّه هذه الإرادة إلى اختيار القانون المنطبق على الإجراءات. و كمثال على ذلك، يمكن للأطراف اختيار القانون السّويدي أو السّويسري لينطبق على الأصل لأنّه يعطي حلولا أنجع و مقبولة من الأطراف أو لأنّها قوانين محايدة. و يتمّ من جهة أخرى، اختيار نظام مؤسّسة تحكيم كالنّظام الخاصّ بغرفة التّجارة الدّوليّة لينظّم الإجراءات لأنّه أكثر مرونة و تبسيطا للإجراءات و أكثر تحرّرا.


ب/ التّحرّر من قانون دولة المقرّّ


في السّابق، كان القانون الإجرائي لدولة مقرّ التّحكيم هو الذي يقع تطبيقه عند عدم تحديد الأطراف لأيّ قانون آخر. أمّا اليوم، فقد أصبح اختيار الأطراف لدولة ما كمقرّ للتّحكيم مرتبط أكثر بما يتوفّر في تلك الدّولة من إطار ملائم سواء على مستوى الإطار الجغرافي و الواقعي أو على مستوى الإطار القانوني .

و يرى الفقه الغالب ، أنّ اختيار الأطراف أو مؤسّسة تحكيم أو هيئة تحكيم لدولة ما كمقرّ للتّحكيم لا يعبّر بالضّرورة عن اختيارهم لقانون تلك الدّولة الإجرائي ليطبّق على الإجراءات التّحكيميّة. كما أنّ هذا الحلّ يتلافى ترتيب آثار أوتوماتيكيّة على سير الإجراءات، خاصّة و أنّ اختيار الأطراف أو مؤسّسة تحكيم أو هيئة تحكيم لدولة المقرّ قد يكون لأسباب مختلفة عن الرّغبة في تطبيق قانونها الإجرائي. إذ أنّ أغلب الأسباب التي تدفع إلى اختيار دولة المقرّ ترتبط أساسا بالحياد سواء على المستوى الجغرافي أو الثّقافي أو التّشريعي أو السّياسي. بالإضافة إلى الإطار القانوني الملائم سواء على المستوى التّشريعي أو التّدخّل القضائي .

و لقد أقرّت هذه التّفرقة – بين اختيار دولة مقرّ التّحكيم و اختيار القانون الإجرائي المنطبق – عدّة قوانين وطنيّة و اتّفاقيّات دوليّة و نظم تحكيم خاصّة بالإضافة إلى القانون النّموذجي.

بالنّسبة للقوانين الوطنيّة التي أقرّت هذه التّفرقة نجد الفصل 64 م.ت، الفصل 1494 من المجلّة الفرنسيّة الجديدة للإجراءات، الفصل 458 مكرّر من أمر 1993 بالنّسبة للجزائر و كذلك قوانين كلّ من سويسرا و هولاندا و قانون التّحكيم المصري في فصله الخامس و العشرون.

أمّا بالنّسبة للاتّفاقيّات الدّوليّة، فقد أقرّت هذه التّفرقة اتّفاقيّتي جنيف المؤرّختين في 24 سبتمبر 1923 و 26 سبتمبر 1927. كما أقرّتها اتّفاقيّة نيويورك المؤرّخة في 10 جوان 1958 رغم أنّ هذه الاتّفاقيّة أبقت على دور محدود لقانون دولة المقرّ . كما أقرّت اتّفاقيّة جنيف المؤرّخة في 21 أفريل 1961 حريّة الأطراف و هيئة التّحكيم في تحديد الإجراءات دون أيّ إشارة لقانون دولة المقرّ. شأنها في ذلك شأن اتّفاقيّة واشنطن المؤرّخة في 18 مارس 1965.

من جهة أخرى، أقرّت معظم أنظمة التّحكيم هذه التّفرقة بين اختيار دولة المقرّ و اختيار القانون المنطبق على الإجراءات. و من بين هاته الأنظمة نجد النّظام التّحكيمي لغرفة التّجارة الدّوليّة الذي كان يقرّ في نسخته الأولى لسنة 1955 تطبيق قانون دولة المقرّ ثمّ أصبح يقرّ التّفرقة بعد تنقيح 1 جانفي 1988 للفصل 11 منه. كذلك الشأن بالنّسبة لنظام التّحكيم التّابع للأونسيترال الذي لا يشير في فصله 15 المنظّم للإجراءات إلى قانون دولة المقرّ.

فقرة2: ممارسة حرّية الاختيار


بعد تحرّر الأطراف و مؤسّسة التّحكيم و هيئة التّحكيم من القانون الموضوعي للعقد و قانون دولة المقرّ يكتمل التّحرّر الإجرائي بممارسة حريّة اختيار هذا القانون المنطبق على الإجراءات. فيمكن اختيار قانون وطني أو نظام تحكيمي (أ) كما يمكن التّحرّر مطلقا من القانون (ب).


أ/ اختيار قانون وطني أو نظام تحكيمي


تتيح معظم القوانين الوطنيّة و أنظمة التّحكيم و الاتّفاقيّات الدّوليّة للأطراف و من بعدهم لهيئة التّحكيم اختيار القواعد المنظّمة للإجراءات التّحكيميّة. في هذا الإطار، يمكن للأطراف اختيار قانون وطنيّ للإجراءات أو اختيار عدّة قوانين وطنيّة للإجراءات و يتمّ المزج بينها بحيث تكوّن قانونا واحدا بالنّسبة للأطراف. من جهة أخرى، بإمكان أطراف النّزاع الاتّفاق على اعتماد نظام تحكيمي معيّن خاصّ بمؤسّسة تحكيم. كأن يتمّ الاتّفاق على تطبيق نظام غرفة التّجارة الدّوليّة.

و كما بإمكان الأطراف المزج بين القوانين الوطنيّة فلا مانع من مزج قواعد من أنظمة تحكيميّة مختلفة. كالمزج بين نظام غرفة التّجارة الدّوليّة و نظام الأونسيترال. بالإضافة إلى ذلك، يمكن المزج بين قوانين وطنيّة و أنظمة تحكيم تابعة لمؤسّسات تحكيم. و يكون بذلك الأطراف أو هيئة التّحكيم قد تحرّروا من أيّ قيد متعلّق بالقانون المنظّم للإجراءات بتكوينهم لقانونهم الخاصّ الذي يجدون أنّه الأفضل في تنظيم الإجراءات الخاصّة بقضيّتهم.


ب/ التحرر الكلي من القانون


إنّ التّحرّر الكليّ من القانون المنظّم للإجراءات التّحكيميّة أصبح سمة مميّزة لقوانين التّحكيم في العالم. حيث تتاح للأطراف و بصفة ثانويّة لهيئة التّحكيم فرصة الاتّفاق على القواعد التّنظيميّة للإجراءات و إنشاءها ذاتيّا دون الرّجوع إلى أيّ قانون وطنيّ أو أيّ نظام تحكيميّ أو لأيّ اتّفاقيّة دوليّة متعلّقة بالتّحكيم.

و لقد عبّر جانب هامّ من الفقه عن هذه السّمة الجديدة للتّحكيم الدّولي ب"انعدام تقنين الإجراءات التّحكيميّة". و يرى هذا الاتجاه الفقهيّ الحديث أنّ تحرّر التّحكيم الدّولي من القوانين الموضوعيّة دفع على ما يبدو حركة انعدام تقنين الإجراءات التّحكيميّة.

كما يعتبر جانب آخر من الفقه أنّ دور المحكّم لم يعد يقتصر على تطبيق المبادئ الإجرائيّة بل تجاوز ذلك إلى مرحلة استحداث القواعد و إنشائها بما يرتقي به إلى مرتبة المشرّع الحقيقي في ميدان التّحكيم. فقد أصبح يجمع بين مهمّتي ابتداع القواعد و تطبيقها .

لكنّ التّحرّر الكليّ من القانون لا يجب أن يترك فراغا إجرائيّا قد يؤدّي إلى تعطيل سير الإجراءات و تمديد آجالها عوضا عن تيسيرها و تسهيلها. في هذا السّياق، يرى المرحوم محمّد العربي هاشم أنّ مرونة الإجراءات المطلوبة و حريّة الأطراف في اختيار و تحديد القواعد المنطبقة على الإجراءات لا يجب أن تؤدّي إلى "قفزة في الفراغ" أو إلى "محاكمة كاريكاتوريّة". ذلك أنّ الإجراءات التّحكيميّة يجب أن تكون شرعيّة و منصفة .


الباب الثاني: حدود التحرر من القانون الإجرائي للدولة: وجوب احترام قواعد الإجراءات الأساسية

إنّ التّحرّريّة الإجرائية في التحكيم التجاري الدولي لا يقيّدها سوى وجوب احترام قواعد الإجراءات الأساسية، بما فيها المبادئ الواجب احترامها من قبل هيئة التحكيم ( الفرع الأول) و تلك الواجب احترامها من قبل الأطراف (الفرع الثاني ).


الفرع الأول: المبادئ الواجب احترامها من قبل هيئة التحكيم

تتقيّد هيئة التحكيم أثناء تسييرها للإجراءات ببعض المبادئ الأساسية التي تضمن محاكمة عادلة لكلّ أطراف النزاع. و من أهمّ هذه المبادئ نجد احترام حقّ الدفاع و مبدأ المواجهة بين الخصوم ( فقرة أولى )، مبدأ المساواة بين الخصوم ( فقرة ثانية ) بالإضافة إلى مبدأ حياد هيئة التحكيم ( فقرة ثالثة ).

فقرة 1: مبدأ احترام حقوق الدفاع و مبدأ المواجهة بين الخصوم


أكّد المشرّع، في إطار مجلّة التحكيم، على وجوب احترام حقّ الدفاع و مبدأ المواجهة بين الخصوم. حيث جاء بالفصل 13 م.ت أنّه: « و في جميع الصور تراعى المبادئ الأساسية للمرافعات المدنيّة و التجارية، خاصّة منها المتعلّقة بحقّ الدّفاع» . كما أكّد الفصل 63 م.ت على أنّه يجب أن تهيّأ لكلّ من الأطراف فرصة كاملة للدفاع عن حقوقه. و من جانب آخر جعل الفصل 78 م.ت من تعذّر أحد الأطراف عن الدّفاع عن حقوقه سببا من أسباب بطلان الحكم التحكيمي.

و لقد « أكّد القضاء التونسي الأهميّة المحوريّة لحقّ الدفاع . و قد ربط مبدأ احترام حقّ الدفاع في الغالب بمبدأ المواجهة بين الخصوم، و كثيرا ما اعتبرهما القضاء التونسي مبدأ واحدا » . و قد اعتبرت محكمة التعقيب « أنّ احترام حقّ الدفاع يوجب على هيئة التحكيم أن تمكّن كلّ طرف من الإطّلاع على ما قدّمه خصمه من أسانيد و مؤيّدات و تقديم ما له من وسائل دفاع و الجواب في الآجال القانونيّة» .

كما اعتبر فقه القضاء الفرنسي أنّ كلّ طرف يجب أن يتمكّن من تقديم دفوعاته الواقعيّة و القانونيّة و معرفة دفوعات خصمه و مناقشتها ثمّ أنّه لا يجب أن يكون هناك أيّ كتب أو مستند قد توصّلت به هيئة التحكيم دون أن يكون قد اطّلع عليه الطرف الثاني، و أخيرا، يجب أن تمكّن هيئة التحكيم الأطراف من الإطّلاع على أيّ مستند تمكّنت منه من تلقاء نفسها... فمن واجب هيئة التحكيم « إلزام الأطراف باحترام مبدأ المواجهة و الالتزام بنفسها أيضا باحترامه » .

بالإضافة إلى ذلك، يرى جانب من فقه القضاء الفرنسي أنّه يجب على هيئة التحكيم إعلام الأطراف بما قامت به من أعمال و أبحاث و أن تعرض عليهم ما توصّلت إليه، و لو كانت معلومات ذات صبغة عامّة. و هو ما اعتبره جانب من الفقه ضربا من ضروب تدعيم الرقابة على التحكيم .

و يرى جانب من الفقه أنّ « مبدأ المواجهة يرتكز على احترام الأطراف، احترام كلّ طرف من قبل خصمه، احترام كلّ طرف من قبل القاضي. و هذا سبب كاف للقاضي أو المحكّم لاستدعاء الأطراف لديه و القيام بتفسير ما توصّل إليه من تلقاء نفسه من عناصر اعتبرها حاسمة... إنّ مبدأ المواجهة هو وسيلة للوصول إلى الحقيقة في المحاكمة» .

من جانب آخر، لاحظ جانب من الفقه أنّ مبدأ المواجهة بين الخصوم لا يستوجب عرض المنهج المنطقي، المعتمد من قبل هيئة التحكيم لتعليل الحكم التحكيمي، على أطراف النزاع. و إنّما يستلزم أن يكون الحكم مبنيّا على كلّ ما تمّ عرضه و مناقشته بين الخصوم.

فقرة 2: مبدأ المساواة بين الخصوم


إنّ التّحرّريّة المفرطة التي تميّز إجراءات التحكيم الدّولي لا يمكن أن تتجاوز الحدّ المتمثّل في مبدأ المساواة بين الخصوم. و قد أكّد المشرّع هذا المبدأ ضمن الفصل 63 م.ت الذي جاء به أنّه « يجب أن يعامل الأطراف على قدم المساواة ...».

و يرى البعض أنّه « يصعب عمليّا الفصل بين مبدإ المساواة و مبدأي المواجهة و احترام حقّ الدّفاع. فالفقيهان ألان ردفيرن و مارتان هانتر يعتبران أنّ مبدأ المساواة بين الخصوم يبتلع جميع المبادئ الإجرائيّة الأساسيّة، و أنّ جميع المبادئ الأخرى إنّما هي تفريعات له.

والحقيقة أنّ هذا الرأي يتماشى مع مفهوم " العدل " الذي هو القسطاس و المساواة. لكن سواء تمّ اعتباره مبدأ مستقلاّ أو مبدأ جامعا فإنّ مبدأ المساواة يتموقع في قلب المبادئ الإجرائيّة و من دونه لا يكون للعدالة وجود و لا معنى» .

و حاول جانب من الفقه تعريف هذا المبدأ فاعتبر أنّ « على المحكّم واجب السّهر على أن يعامل الأطراف على قدم المساواة و على أن توفّر لكلّ منهم فرصة تقديم دفوعاته الواقعيّة و القانونيّة و معرفة دفوعات خصمه و مناقشتها في كلّ مرحلة من الإجراءات التي يجب أن تكون عادلة» .

« و قد كرّس القضاء التّونسيّ هذا المبدأ و بوّأه المكانة التي يستحقّ، لكنّه اعتبر أنّ المساواة ليست آليّة و لا "حسابيّة " أو " كميّة "، بل تتحقّق مع مراعاة خصوصيّات كلّ حالة» .

ذلك أنّ المحكّم لا يتمتّع بحريّة مطلقة في تعامله مع أطراف النّزاع. فإذا قبل، على سبيل المثال، طلب أحد الخصوم تعيين خبير لاستيضاح نقطة معيّنة، فإنّه لا يمكنه أن يرفض طلب الطّرف الثاني المتعلّق بتعيين خبير لاستيضاح نقطة أخرى تهمّ موضوع النّزاع إلاّ إذا كان قراره معلّلا بشكل واضح و بعد أن يبيّن أنّ هذا العمل ليست له فائدة و أنّ رفض الطّلب لا يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ المساواة.

فقرة 3: مبدأ حياد هيئة التحكيم

أكّد المشرّع وجوب التزام المحكّم بمبدأ الحياد و ذلك بالفصل 10 م.ت الذي ينصّ على أنّه:« يجب أن يكون المحكّم شخصا طبيعيّا رشيدا كفئا و متمتّعا بكامل حقوقه المدنيّة و بالاستقلاليّة و الحياد إزاء الأطراف».

و اعتبرت محكمة التّعقيب أنّ « الثّقة في حسن تقدير المحكّم و في حسن عدالته في الأصل مبعث الاتّفاق على التّحكيم إذ أنّ المحكّم يتمتّع بثقة الخصوم و اتّجهت إرادتهم إلى منحه سلطة الفصل في ما شجر بينهم من خلاف بحكم » .

و يتّجه توضيح ما المقصود بالحياد كحدّ للتّحرّريّة الإجرائيّة في مادّة التّحكيم: هل هو الحياد الفنّي أم الأخلاقي ؟

و لقد تعرّض فقه القضاء إلى مسألة حياد هيئة التّحكيم « فاعتبر عامّة أنّ المحكّم مطالب عملا بالفصول 10 و 13 و63 من مجلّة التّحكيم بأن يلتزم الحياد الأخلاقي، أي عدم التّحيّز لأحد الخصوم، أمّا عن تحديد دور المحكّم في النّزاع التّحكيمي، فاعتبر أنّ الحياد الفنّي اختياري لا وجوبي» .

و هو ما تؤكّده الصّيغة الفرنسيّة للفصل 10 م.ت التي تحدّثت عن حياد أخلاقيّ و ليس عن حياد بالمعنى الفنيّ . « فخرق الحياد بمعناه الفنيّ، بمساعدة أحد الخصوم على الإثبات أو بالتّوصل إلى استنتاج ما بالطّريقة التي تقنع المحكّم، لا يترتّب عنه أيّ جزاء طالما احترم المحكّم مبدأ وجوب تعليل قراراته » . و بالتّالي يمكن أن نستنتج أنّ المحكّم و الأطراف يسترجعون حرّيتهم في تنظيم الإجراءات و تحديد ما إذا كان على المحكّم الالتزام بالحياد الفنّي أم لا باعتبار أنّ كلاّ من الفقه و فقه القضاء يعتبران أنّ الحياد الفنيّ هو اختياري و ليس وجوبي. و بالتّالي فإنّ الأطراف أو المحكّم عند ضبط الإجراءات يمكنهم تحديد موقفهم من هذه المسألة.

بالإضافة إلى ذلك، يعتبر مبدأ حياد المحكّم حدّا هامّا و جوهريّا في مادّة التّحكيم، ذلك أنّه على قدر بالغ من الخطورة. فهو أخطر ما يمكن أن يطرأ على التّحكيم، لأنّه ينزع من بقيّة المبادئ الأخرى و الضّمانات كلّ قيمة.

و قد لاحظ جانب من الفقه أنّه باعتبار أنّ« المحكّم وقع اختياره من قبل الأطراف فإنّ خطر فقدانه للحياد و الاستقلاليّة أشدّ من الخطر المتعلّق بوضعيّة القاضي » .


الفرع الثاني:المبدأ الواجب احترامه من قبل الأطراف: مبدأ النزاهة

يستنتج من أحكام مجلّة التّحكيم و من عمل فقه القضاء أنّ مبدأ النّزاهة هو من المبادئ الإجرائيّة الأساسيّة. و بالتّالي فهو يشكّل حدّا قانونيّا و أخلاقيّا للتّحرّريّة الإجرائيّة في التّحكيم. و قد كرّس هذا المبدأ الفصل 50 م.ت الذي نصّ على أنّه:« يعتبر متنازلا عن حقّه في الدّفع كلّ طرف – مع علمه بمخالفة شرط من شروط التّحكيم أو نصّ من نصوص هذا الباب التي يجوز للأطراف التّمسّك بها – يستمرّ في إجراءات التّحكيم دون أن يبادر إلى الدّفع حالاّ أو خلال الأجل إن سبق تعيينه».

و ينتج عن فرض مبدأ النّزاهة منع المتحاكمين من اتّخاذ مواقف متضاربة لغاية إلحاق الضّرر بالخصم. و بصفة عامّة، يمنع هذا المبدأ الأطراف من انتهاج أساليب المخادعة و الحيل لكسب القضيّة أو تعطيل الإجراءات.

و لقد تعرّض فقه القضاء إلى مبدأ النّزاهة في بعض المناسبات. و قد اعتبر في القرار الاستئنافي عدد 61133 / 61134 المؤرّخ في 19 أكتوبر 1999 أنّ طلب التّأخير خلال آخر يوم من أجل التّحكيم يعدّ نزولا عن التّمسّك بتجاوز الآجال. حيث جاء بردّ المحكمة عن مطعن متعلّق بصدور الحكم التّحكيمي خارج الآجال أنّه: « و حيث أنّه و لئن كان من غير الممكن الحديث عن تمديد اتّفاقي لأجل التّحكيم طالما أنّ نائب المطلوبة الآن قد حضر بجلسة 8/5/1995 و عارض في طلب التّأخير الذي تقدّم به نائب طالبة الإبطال بحيث لم يقع التّوافق على ذلك الطّلب، فإنّ تمسّك نائب طالبة الإبطال خلال آخر يوم في أجل التّحكيم بطلب تأخير القضيّة يعدّ نزولا منه عن حقّ التّمسّك بتجاوز الآجال و إن عدم إثارة هذا الخلل في الإبّان بل و التّمسّك بخلافه ( طلب التّأخير ) تفقد معه طالبة الإبطال كلّ حقّ في التّمسّك بالبطلان النّاجم عن تجاوز أجل التّحكيم ».

كما اعتمد القضاء التّونسي مبدأ النّزاهة فيما يتعلّق بتنظيم إجراءات التّحكيم، فاعتبرت محكمة الاستئناف بتونس في قرارها عدد 82 المؤرّخ في 24 أفريل 2001 أنّ «اختيار مكتب المحكّم المجرّح فيه مقرّا لهيئة التّحكيم لا يفقد المحكّم استقلاليّته و حياده خاصّة أنّ اختيار مثل هذا المقرّ صادق و وافق عليه طالب التّجريح حسب ما يثبته العقد المؤرّخ في 3 جويلية 2000 ... و قد كان لزاما على طالب التّجريح إذا رأى في ذلك ما يثير الشكّ حول حياد و استقلاليّة المحكّم المجرّح فيه أن يعبّر عن معارضته و رفضه لاختيار مكتبه كمقرّ لهيئة التّحكيم ».

و يمكن أن نستنتج من خلال فقه القضاء أنّ الإخلال باحترام مبدأ النّزاهة ليست له صورة واحدة و محدّدة بل هو إخلال يأخذ عدّة أشكال أو تصرّفات تجتمع كلّها حول التّناقض مع النّفس و الإضرار بالخصم.



الفصل الثاني:التحرر من القانون الموضوعي للدولة

إنّ من بين أهمّ مظاهر التّحرريّة في التّحكيم التّجاري الدّولي ما يتمتّع به الأطراف و بصفة ثانويّة هيئة التّحكيم من حرّية في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع. و تتجلّى هذه التّحرّريّة عندما نقارن وضعيّة قاضي الدّولة و أطراف النّزاع المنشور أمامه و الذين لا حقّ لهم في اختيار قانون يرون أنّه ملائم لحلّ النّزاع أو في رفض تطبيق قانون يرون أنّه يتعارض مع مصالح جميع الأطراف. و في المقابل، يتمتّع المحكّم و المحتكمون في التّحكيم التّجاري الدّولي بحريّة كبيرة في اختيار القانون المناسب لحلّ النّزاع. و هو ما يشكّل عامل جذب هامّ جدّا و ميزة جوهريّة للتّحكيم الدّولي. و لا يوجب الفصل 73 م.ت أن يكون اختيار الأطراف صريحا كما لم يقيّده بشرط شكليّ، من ناحية، و من ناحية أخرى، يمكن أن يمارس الأطراف حريّة اختيار القانون قبل نشأة النّزاع أو بعده.

غير أنّ حريّة اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع ( الباب الأوّل ) تعرف حدودا ( الباب الثاني ).

الباب الأول= حرية اختيار القانون المنطبق على أصل النزاع

نصّ على حرّية اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع الفصل 73 م.ت الذي جاء به أنّه: « 1- تبتّ هيئة التّحكيم في النّزاع وفقا لأحكام القانون الذي يعيّنه الأطراف. 2- إذا لم تحدّد الأطراف القانون المنطبق، فإنّ هيئة التّحكيم تعتمد القانون الذي تراه مناسبا. 3- يجوز لهيئة التّحكيم البتّ في النّزاع طبق قواعد العدل و الإنصاف إذا أباح لها الأطراف ذلك صراحة. 4- في جميع الأحوال تبتّ هيئة التّحكيم في النّزاع وفقا لشروط العقد مع الأخذ بعين الاعتبار العرف التّجاري المنطبق على المعاملة».

و يمكن أن نستنتج من أحكام هذا الفصل أنّ التّحرّر في هذا المجال يمكن أن يكون مقيّدا باختيار قانون ( الفرع الأوّل ) كما يمكن أن يكون هناك تحرّر كلّي من القانون ( الفرع الثاني ).

الفرع الأول:التحرر المقيد باختيار قانون

لقد أصبحت حريّة الأطراف في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع من المسلّمات في التّحكيم التّجاري الدّولي. إذ يمكن للأطراف أو لهيئة التّحكيم أن يقوموا باختيار قانون وطني ( فقرة أولى ) كما يمكنهم اختيار قانون التّجار الدّولي ( فقرة ثانية ) إذا رأوا أنّه الأنسب لإيجاد حلّ للخصومة.

فقرة أولى: اختيار قانون وطني

إنّ حرّية الأطراف في الاختيار (أ) يمكن تحلّ محلّها في بعض الحالات حريّة المحكّم (ب).

أ/ حريّة الأطراف في الاختيار

إنّ التّحرّرية الكبيرة التي يتمتّع بها الأطراف في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع تسمح لهم باختيار قانون محايد كما تمكّنهم من اختيار عدّة قوانين أو تجميد القانون المختار في الزّمان. بالنّسبة لاختيار قانون محايد، فإنّ للأطراف حريّة اختيار أيّ قانون وطني لينطبق على أصل النّزاع. و هو ما يمثّل تحرّرا تجاه الفقه القديم الذي كان يشترط في القانون المختار من قبل الأطراف ألاّ يكون مقطوع الصّلة بالعقد موضوع النّزاع.

و قد لاحظ جانب هامّ من الفقه الحديث أنّه أصبح من الضّروري السّماح للأطراف باختيار قانون لا صلة له بالأطراف و لا بالعقد.

و لقد تبنّت العديد من التّشريعات الوطنيّة و الاتّفاقيّات الدّوليّة هذا النّهج التّحرّري و لم تشترط قيام علاقة بين القانون المختار و العقد مثار المنازعة لكي يكون الاختيار صحيحا.

من جانب آخر، يمكن للأطراف أن يختاروا أكثر من قانون ليحكم مختلف جوانب النّزاع. و هنا تبرز جليّا مدى التّحرّرية التي تميّز التّحكيم التّجاري الدّولي عن التّحكيم الدّاخلي و القضاء الوطني. و قد يكون ذلك متلائما جدّا مع طبيعة العقود التّجاريّة الدّوليّة التي قد تتضمّن عدّة جوانب يختلف كلّ جانب فيها عن الآخر بما يصبح معه من الأنسب أن يتمّ إخضاع كلّ جانب فيها لقانون معيّن. و قد أجازت ذلك صراحة اتّفاقيّة روما حول الالتزامات التّعاقديّة المؤرّخة في 19 جوان 1980.

و تتدعّم حريّة الأطراف في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع بإمكانية تجميد القانون المنطبق في الزّمان. بمعنى أنّه يمكن للأطراف أن يتّفقوا على ألاّ تسري عليهم إلاّ الأحكام النّافذة للقانون المختار وقت إبرام العقد دون تلك التي يمكن أن تطرأ بعد ذلك. و هو ما يعرف بشروط الاستقرار التّشريعي. و التي تقوم بتثبيت القانون الواجب التّطبيق على حالته التي كان عليها وقت إبرام العقد بما يؤدّي إلى الحفاظ على استقرار الرّابطة التّعاقديّة للأطراف و حفظ توقّعاتهم.

و رغم أنّ شروط الاستقرار التّشريعي غالبا ما يتمّ إقحامها في العقود المبرمة بين دولة و أحد الأشخاص الخاصّة الأجنبيّة و المتعلّقة أساسا بالاستثمار، فإنّه لا شيء يمنع من تواجدها في العقود التي يبرمها الخواصّ فيما بينهم. و قد لاحظ الفقه الحديث أنّه « أصبح راسخا في " فقه قضاء " الهيئات التّحكيميّة جواز تجميد القانون المنطبق على العقد في الزّمان بحيث لا تسري التّعديلات اللاّحقة لتاريخ إبرامه بل أوصى بذلك معهد القانون الدّولي بدورته في أثينا سنة 1979...».


ب/ حرّية المحكّم في الاختيار

إذا كان الأصل في التّحكيم التّجاري الدّولي تطبيق القانون المتّفق عليه من قبل الأطراف على أصل النّزاع فإنّ هذه الإرادة الصّريحة أو الضمنيّة قد تغيب. إذ قد يغفل الأطراف عن تحديد هذا القانون أو قد لا يحصل اتّفاق بينهم في هذا الخصوص. كما يمكن أن تكون إرادتهم قد اتّجهت إلى ترك أمر ذلك للمحكّم.

في هذه الحالة يستعيد المحكّم حرّيته في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع. إذ يرى الفقه« أنّ المحكّم الدّولي، خلافا للقاضي الوطني، لا يمارس سلطة قضائيّة باسم أيّ دولة و بالتّالي لا يجد تحت تصرّفه نظاما معيّنا لتنازع القوانين يمكنه بمقتضاه تعيين القانون الذي يتولّى على أساسه الفصل في النّزاع و بعبارة أخرى فإنّه لا يملك قانون اختصاص عليه احترامه و تبعا لذلك فهو متحرّر من إتّباع منهج للتّنازع لبلد دون آخر».

و قد عرف التّحكيم التّجاري الدّولي ثلاث اتجاهات في منهج تحديد المحكّم للقانون المنطبق عند غياب إرادة الأطراف.

يذهب الاتّجاه الأوّل إلى تقييد المحكّم بمنهج معيّن يفرض عليه تطبيق قاعدة تنازع خاصّة في تحديد القانون المنطبق. و هو الحلّ الذي اعتمده القانون الألماني بالفصل 1051-2 من المجلّة الجديدة للإجراءات المدنيّة و التي دخلت حيّز التّنفيذ في 1 جانفي 1998 و اعتمدت نفس هذا المنهج عدّة اتّفاقيّات دوليّة و تشريعات وطنيّة .

أمّا الاتّجاه الثاني، فيعطي الحريّة لهيئة التّحكيم لتطبيق القانون الذي تعيّنه قاعدة التّنازع التي تراها ملائمة للنّزاع. و هو الاتّجاه الذي كرّسته عدّة اتّفاقيّات دوليّة و كذلك القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي ( الفصل 28-1 ) و عدّة تشريعات وطنيّة كالقانون البلغاري للتّحكيم التّجاري الدّولي ( 1988) في فصله 38-2 و القانون الإنجليزي للتّحكيم الصّادر سنة 1996 ( الفصل 46 فقرة 3 ).

أمّا الاتّجاه الثّالث، فهو الاتّجاه الغالب في التّشريعات الحديثة. و هو « ينحو إلى تكريس مبدأ حريّة المحكّم في اختيار القانون واجب التّطبيق على أصل النّزاع ». و هو ما يكرّس حريّة المحكّم في اختيار القانون واجب التّطبيق.

و يرى الأستاذ Y.DERAINS في ذلك أمرا إيجابيّا. فهذه الحريّة هي التي جعلت من " القضاء التّحكيمي " " قضاء خلاّقا " باستنباطه مجموعة من الحلول العمليّة تتّحد في الهاجس الذي يسيطر على منشئيها ( المحكّمين ) و المتمثّل في الاستجابة للتّوقّعات الشّرعيّة للأطراف.

و لقد كرّس المشرّع التّونسي بالفصل 73 م.ت، على غرار نظيره الفرنسي بالفصل 1496 من مجلّة المرافعات الجديدة، هذا الاتّجاه التّحرّري الحديث. فقد جاء بالفقرة الثّانية من الفصل المذكور أنّه « إذا لم يحدّد الأطراف القانون المنطبق فإنّ هيئة التّحكيم تعتمد القانون الذي تراه مناسبا...».

و يمكن للمحكّم، ممارسة لهذه الحريّة، و نظرا لافتقاده لقانون اختصاص أن يختار بين أن يلجأ إلى إعمال المنهج التّنازعيّ أي الاعتماد على نظام معيّن للتّنازع يفضي به إلى تطبيق قاعدة معيّنة للتّنازع أو أن يعتمد المنهج المباشر، أي يتولّى تحديد القانون المنطبق مباشرة و دون لجوء إلى نظام معيّن لتنازع القوانين.

و لقد أكّدت محكمة الاستئناف بتونس في قرارها عدد 31-32 الصّادر في 12 جانفي 1999، حريّة المحكّم في تحديد القانون المنطبق. و كان موقفها على حدّ تعبير البعض " على غاية من المرونة و اللّيبراليّة ".

و قد اعتبرت المحكمة أنّ عدم تعبير طرفي النّزاع عن اختيارهم لتطبيق قواعد العدل و الإنصاف، بصورة صريحة و جليّة، يسمح للمحكّم بتطبيق قواعد القانون الوضعي. و اعتبر جانب من الفقه أنّه « على هذا النّحو كرّس القرار 31-32 مبدأ غياب الرّقابة على كيفيّة إعمال المحكّم لمنهج البحث عن القانون المحكم، بما يستفاد منه إطلاق يد المحكّم للبحث عنه بالكيفيّة التي يراها، و هو في الحقيقة حلّ متماش مع منطق الفصل 73 من م.ت الذي خوّل للمحكّم تطبيق " القانون الأنسب "، دون تقييده بمعايير موضوعيّة يمكن للقاضي أن يستند عليها في إجراء رقابته على اجتهاد المحكّم».

فقرة ثانية: اختيار قانون التّجار الدّوليLA LEX MERCATORIA

يعرّف جانب من الفقه الحديث " قانون التجار الدولي " بكونه « مجموعة مبادئ القانون الدّولي و القواعد العرفيّة المستخرجة من علاقات التّجارة الدّوليّة دون الاستناد إلى أيّ قانون وطنيّ». و يتشكّل قانون التّجار الدّولي من حوالي عشرين مبدأ عامّا و قاعدة تفصيليّة، يردّها بعض الفقهاء، و خاصّة منهم " كليف شميتهوف" إلى خمسة مبادئ فحسب، و هي: - مبدأ حسن النيّة - مبدأ إلزامية العقود - التّأويل المؤدّي إلى تطبيق العقد و تنفيذه ( الأثر المفيد) - مبدأ عدم جواز التّناقض لغاية الإضرار بالغير - توازن الالتزامات المتبادلة.

و قد ذهب الفقه التّونسي أيضا إلى اعتبار وجود " قانون تجّار دولي " يتكوّن من نوعين من العناصر، و هما: - المبادئ العامّة للقانون، و هي مجموعة القواعد غير المستمدّة من نظام قانوني وطني واحد و التي تستنتج من مقارنة مجمل النّظم القانونيّة أو مباشرة من المصادر الدّوليّة و خاصّة منها الاتّفاقيّات الدّوليّة و فقه القضاء الصّادر عن المحاكم الوطنيّة لمختلف البلدان، - الأعراف بمعناها الضّيق، أي القواعد السّلوكيّة التي يتّبعها المتعاملون في علاقاتهم الاقتصاديّة الدّوليّة و التي اكتسبت تدريجيّا صبغة الإلزام بحكم تعميمها في الزّمان و المكان و تكريسها من قبل فقه القضاء التّحكيمي و حتّى الوطني، إلاّ إذا وجد اتّفاق صريح بين أطراف العقد على استبعادها.

و قد ذهب اتّجاه هامّ في الفقه إلى الإقرار بحريّة الأطراف في اختيار " قانون التجّار الدّولي" ليطبّق على أصل النّزاع. و لاحظ جانب من الفقه التّونسي أنّه بالنّظر إلى عدد هامّ من القرارات التّحكيميّة و الأحكام الصّادرة عن المحاكم الوطنيّة- عند نظرها في مطالب إكساء تلك القرارات التّحكيميّة – أنّ قانون التّجار الدّولي « أصبح يكوّن نظاما قانونيّا مستقلاّ ORDRE JURIDIQUE يمكن أن يكون موضوع اختيار من الأطراف كقانون منطبق على أصل النّزاع و هو ما تمّ التّأكيد عليه من قبل المهتمّين بالتّحكيم الدّولي بمناسبة تعليقهم على قوانين التّحكيم الحديثة خاصّة و أنّ هذه الأخيرة تحيل في جلّها إلى وجوب الأخذ بعين الاعتبار للعرف التّجاري المنطبق على المعاملة موضوع النّزاع...».

و لقد ذهب معظم شرّاح القانون في تونس عند تعليقهم على الفقرة الأولى من الفصل 73 من م.ت مثل نظراءهم في القانون الفرنسي عند شرحهم للفصل 1496 من مجلّة الإجراءات المدنيّة الجديدة، المماثل لعبارات الفصل 73 من م.ت، إلى التّأكيد على شرعيّة اختيار الأطراف لقانون التجّار الجديد لتطبيقه على أصل النّزاع، معتبرين أنّ المشرّع قصد بعبارة " أحكام القانون " ما يعبّر عنه بالفرنسيّة ب" REGLES DE DROIT ".

بالنّسبة للمحكّم، فإنّ له الحريّة أيضا في اختيار قانون التجّار الدّولي، إذ جاء في هذا الإطار و ضمن أجوبة وزارة العدل عن أسئلة لجنة التّشريع العامّ بمجلس النّواب عند مناقشة مشروع إصدار مجلّة التّحكيم ما يلي : « فأعطى هذه الحريّة إلى هيئة التّحكيم تحاشيا للدخول في متاهات القوانين الدّاخليّة الخاصّة و بحثا عن أقوم السّبل لتحقيق النّجاعة في التّحكيم الدّولي ».

إلى جانب الإقرار بحريّة هيئة التّحكيم في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع عند غياب قانون الإرادة، فإنّ جانبا من الفقه لاحظ أنّ تأويل عبارة " القانون الأنسب " الوارد بها الفصل 73 من م.ت في فقرته الثّانية تؤدّي إلى اعتبار المحكّم، شأنه شأن الأطراف، بإمكانه اختيار قانون التجّار الدّولي لتطبيقه على أصل النزاع.


الفرع الثاني:التحرّر الكلي من القانون: التحكيم طبق قواعد العدل و الإنصاف

إنّ الصّبغة التحرّريّة التي تطغى على التّحكيم التجاري الدّولي تسمح للأطراف أن يتحرّروا من القانون مطلقا و أن يختاروا إعمال قواعد العدل و الإنصاف لحلّ الخصومة النّاشئة بينهم. و قد نصّ على هذه الإمكانية الفصل 73 -3 م.ت الذي جاء به أنّه : « يجوز لهيئة التّحكيم البتّ في النّزاع طبق قواعد العدل و الإنصاف إذا أباح لها الأطراف ذلك صراحة».

و قد سمحت معظم القوانين الوطنيّة و الاتّفاقيّات الدوليّة المتعلّقة بالتّحكيم عامّة و بالتّحكيم التّجاري الدّولي خاصّة، للأطراف بأن يتّفقوا على استبعاد القانون و تطبيق قواعد العدل و الإنصاف. ذلك أنّ التّحكيم طبق قواعد العدل و الإنصاف يتيح للمحكّم فرصة تجاوز شكليّات القانون الوضعيّ و وسائل الإثبات الموضوعيّة التي يقترحها كما يقضي المحكّم في هذه الحالة « وفقا للمصلحة الخاصّة به ( أي بالنّزاع ) لا وفق منطق القاعدة القانونيّة العامّة». و ذلك لما يتميّز به أصل " الإنصاف " ذاته « و ماله من خصائص تتمثّل في عدم ارتكازه على فكرة المصلحة العامّة ( بخلاف القانون ) و كونه مفهوما زئبقيّا يستعصي على المحاصرة fuyant و عدم تمتّعه بالتّجريد علاوة على امتزاجه بالاعتبارات الأخلاقيّة و العاطفيّة ».

فالتّحكيم طبق قواعد العدل و الإنصاف يضفي مزيدا من الحريّة على عمل المحكّم الذي سوف يسعى إلى استنباط الحلول المحقّقة للإنصاف في إطار مهمّته القضائيّة. و تسمح له صفة المحكّم المصالح حسب جانب من الفقه بالتّخفيف من حدّة و صرامة الشّروط العقديّة و إن لزم الأمر، استبعاد تطبيق بعض الحقوق النّاشئة عن الاتّفاقيّة و ذلك بشرط عدم تغيير الالتزامات العقديّة بأخرى جديدة لا تستجيب للإرادة المشتركة للطّرفين.

الباب الثاني= حدود حرية اختيار القانون المنطبق على أصل النزاع

إنّ المبدأ في التّحكيم التّجاري الدّولي هو أنّ المحكّم يطبّق على أصل النّزاع القانون الذي اتّفق عليه الأطراف. و ليس له، متى ثبت اختيار الأطراف للقانون المنطبق أن يتركه جانبا لفائدة قانون آخر يختاره هو.

غير أنّ المحكّم قد يجد نفسه مجبرا في بعض الحالات على أن يحيد عن القانون محلّ اتّفاق الأطراف ليطبّق غيره إمّا لحدود تتعلّق بنقائص هذا القانون المختار ( الفرع الأوّل ) و إمّا لحدود خارجيّة ( الفرع الثّاني ).



الفرع الأول= الحدود المتعلقة بنقائص القانون المختار

تتمثّل الحدود المتعلّقة بنقائص القانون المختار أساسا في عدم كفاية القانون المختار لحكم مختلف جوانب العقد ( فقرة أولى ) من جهة و من جهة أخرى، قصور القانون المختار عن حلّ بعض المسائل التي تخرج عن نطاق تطبيقه ( فقرة ثانية ).

فقرة 1: عدم كفاية القانون المختار لحكم مختلف جوانب العقد

إذا كان الأطراف في التّحكيم التجاري الدّولي يتمتّعون بحريّة تكاد تكون مطلقة في اختيار القانون المنطبق على أصل النزاع، فإنّ هذه الحريّة قد تجد حدّا لها حدودا نابعة من القانون المختار ذاته. ذلك أنّ « القانون الذي يختاره الأطراف قد لا تمكنه الإجابة عن جميع المسائل التي تطرحها النّزاعات النّاشئة عن المعاملات التّجاريّة الدّوليّة بما يحيل للبحث عن الإجابة عنها في قانون آخر أو في المبادئ العامّة للقانون».

إنّ مجال التّجارة ما فتئ يتطوّر و يشهد ابتكارا متناميا لأشكال التّعامل. فلم تعد المعاملات التّجاريّة محصورة في المقايضة و البيع و الشّراء، بل تجاوزت هذه الأشكال التّقليديّة في التّعامل و أصبحت تعرف ما يسمّى بالإيجار المالي (LEASING ) و البيع عن بعد و التّعاقد الإلكتروني و غيرها من أشكال المعاملات المستحدثة.

في مقابل هذا النموّ المتسارع لأشكال التّعامل التّجاري قد تجد بعض القوانين الوطنيّة نفسها غير مواكبة لهذا التّطور فلا تتوجّد فيها النّصوص المنظّمة لهذه المعاملات الجديدة ممّا يمثّل عائقا يحول دون تطبيقها من قبل المحكّم على أصل النّزاع بالرّغم من الاختيار الصّريح لها من قبل الأطراف. و هو ما يؤول بالمحكّم إلى استبدال القانون المختار بكلّ حريّة من قبل الأطراف بآخر لم تتّجه إليه إرادتهم بدعوى أنّه أكثر تلاءما و تطوّرا.

في هذا الإطار، اتّجهت هيئة التّحكيم في القضيّة عدد 4145 الصّادرة تحت لواء غرفة التّجارة الدّوليّة سنة 1984 إلى تغليب تطبيق القانون السّويسري على القانون السّوري المختاران من قبل أطراف العقد. و قد تمّ تبرير هذا الموقف بأنّ القانون السّويسري يشكّل نظاما قانونيّا متطوّرا للغاية يوفّر حلولا لجميع المسائل التي يمكن أن يطرحها تأويل العقد موضوع النّزاع.

كذلك نجد الحكم التّحكيمي الصّادر في 28 أوت 1951 في القضيّة التي جمعت شيخ أبو ظبي بالشّركة الإنجليزيّة PETROLUM DEVELOPPEMENT LTD. فقد صرّح المحكّم أنّ قانون أبو ظبي ( و هو القانون المختار ) لم يكن متطوّرا لدرجة تسمح له بحكم النّزاع المعروض عليه و لذلك تولّى استبعاده و إحلال القانون الإنجليزي محلّه باعتباره يترجم مبادئ الأمم المتمدّنة.

و في نفس هذا الاتّجاه ذهب الحكم التّحكيمي الصّادر في 23 أوت 1958 بين العربيّة السّعوديّة و شركة آرامكو. حيث استبدل القانون السّعودي المبنيّ على الشّريعة الإسلامية بتعلّة قصوره عن حلّ المسألة محلّ النّزاع و تمّ تطبيق الأعراف التجّاريّة المستمدّة من فقه القضاء و الفقه العالمي و العلم القانوني!!!

إنّ استبدال القانون المختار من قبل الأطراف بآخر لم تتّجه إليه إرادتهم و بالإضافة إلى كونه يمثّل حدّا خطيرا لحريّة الأطراف في التّحكيم التّجاري الدّولي ( الذين ربّما اتّجهوا إلى التّحكيم أصلا من أجل تطبيق ذلك القانون الذي تمّ اختياره بكلّ حريّة ) فإنّ جانبا من الفقه يعتبر « أنّ هذا الحلّ يصطبغ بانحياز واضح يؤكّد الرّأي القائل بأنّ قانون التّجارة الدوليّة و التّحكيم بصفة عامّة ليس إلاّ وسيلة لإعمال قانون القويّ على الضّعيف في ميدان المعاملات الاقتصاديّة الدوليّة».

و يرى جانب هامّ من الفقه المختصّ أنّ هذا التّبرير ينبني على نظرة " قيميّة " للقوانين الوطنيّة. و هو ما يؤدّي إلى مناقضة فكرة أنّ كلّ نظام قانوني بإمكانه الإجابة عن جميع المسائل القانونيّة المعروضة. إذ أنّه في غياب قواعد مقنّنة يمكن الرّجوع إلى مصادر القانون غير المكتوبة أو المبادئ العامّة للقانون أو المنطق القانوني. كما يمكن للمحكّم أن يستنبط الحلّ بالرّجوع إلى المدرسة الفقهيّة التي ينبني عليها القانون المختار و لم لا فقه قضاء المحاكم الوطنيّة للبلد الذي ينتمي إليه هذا القانون.

بالإضافة إلى ذلك يمكن للمحكّم حسب الفقرة الرّابعة من الفصل 73م.ت أن يأخذ بعين الاعتبار العرف التجاري المنطبق على المعاملة.

فقرة 2: قصور القانون المختار عن حلّ بعض المسائل التيّ تخرج عن نطاق تطبيقه


قد تجد حريّة الأطراف في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع حدّا لها يتمثّل في نطاق تطبيق القانون المختار نفسه. ذلك أنّه قد « تتداخل قوانين أخرى لحكم بعض المسائل التي تطرح أمام المحكّم». و قد حدّد شرّاح القانون بعضا من هاته المسائل و منها مسالة المسؤوليّة التّقصيريّة، الملكيّة و التعسّف في استعمال الحقوق. فالمسائل التي تكون سابقة لاختيار القانون المنطبق على الأصل تكون منطقيّا و عمليّا خارجة عن نطاق تطبيقه. من ذلك مثلا مسألة الأهليّة، فقد « وقع الإجماع على اعتبار أنّها تخضع بالضّرورة للقانون الشّخصي للأطراف الذي قد يكون مختلفا عن القانون المختار و في هذه الحالة يجد المحكّم نفسه مجبرا على اعتماد هذا القانون للنّظر في مسألة الأهليّة».

إلى جانب ذلك قد تتقلّص حريّة الأطراف في اختيار القانون المنطبق على أصل النّزاع إذا تعلّق هذا الأخير بعقار. و ذلك بإعمال قاعدة تطبيق قانون موقع العقار Lex Rei Sitae . فقانون الدّولة التي يوجد بها مقرّ العقار « سيكون في كلّ الحالات هو المنطبق حتّى إذا اختار الأطراف قانونا آخر لحكم النّزاعات التي يمكن أن تنشأ عنها».


الفرع الثاني= الحدود الخارجية للقانون المختار

إنّ التّحكيم هو قضاء خاصّ لا ينتمي إلى أيّ نظام قانوني وطني. و على عكس قاضي الدّولة، حارس النّظام العام لقانونه الوطني فإنّ المحكّم لا يمكن أن يعتبر أبدا حارسا لنظام عام وطني. غير أنّ المحكّم قد يجد نفسه مجبرا على دفع القانون المختار من قبل الأطراف ليطبّق على أصل النّزاع و استبداله بقانون آخر لم تتّجه إليه إرادتهم.

و يعود دفع القانون المختار إلى وجود حدود لحريّة الأطراف في الاختيار متعلّقة بالنّظام العام الدّولي ( فقرة أولى ) أو النّظام العام الوطني و قوانين البوليس الأجنبيّة ( فقرة ثانية ).

فقرة 1: الدفع بالنظام العام الدولي

اصطلح على تسمية النّظام العام الدولي بالقانون الدّولي للتجّار Lex Mercatoria. و على هذا الأساس فإنّ هذا النّظام العام الدّولي يستمدّ محتواه من هذا النّظام القانوني الدّولي. حيث يخضع للمبادئ و الأسس التي يقوم عليها النّظام القانوني الدّولي و هي تعتمد أساسا الأعراف التّجاريّة و مبادئ القانون الطبيعي التي يقوم عليها مجتمع التجّار الدّولي.

و يرى جانب من الفقه الحديث أنّ النّظام العام الدّولي أو النّظام العام لقانون التّجار الدّولي يترجم أساسا قواعد أخلاقيّة.

و يؤدّي النّظام العام الدّولي نفس الوظيفة التي يؤدّيها النّظام العام الوطني في ميدان تنازع القوانين، و هي استبعاد القانون المنطبق في كلّ مرّة تتعارض فيها أحكام هذا القانون مع مقتضيات النّظام العام. فالمحكّم الدّولي يمكنه أن يستبعد قانون الدّولة في الحالات التي ينعقد فيها الاختصاص التشريعي لهذا القانون – أيّا كانت قاعدة الإسناد المنطبقة – في كلّ مرّة تتعارض فيها أحكامه مع مبادئ النّظام العام الدّولي.

و يعتبر الأستاذ لطفي الشاذلي أنّ ترك الإمكانيّة للمحكّم لدفع القانون المنطبق على أساس أخلاقي نابع من وعي المحكّم يمثّل بابا كبيرا مفتوحا لتحكّم المحكّم. هذا التحكّم أو على الأقلّ عدم الشفافيّة يمكن أن يضرّ بالتّجارة الدّوليّة المبنيّة أساسا على الحماية.

غير أنّه و من جانب آخر، فإنّ المحكّم عند استعماله لتقنية الدّفع بالنّظام العام الدّولي لا يتقيّد بمعايير ضيّقة و محدّدة، باعتبار أنّ أغلب الأنظمة القانونيّة لن تكون في تعارض صارخ مع النّظام العام الدّولي، خاصّة و أنّ هذا الأخير يقوم على مجموعة من المبادئ المستمدّة أساسا من الأعراف الدّوليّة و قواعد القانون الطبيعي و هي في الواقع قواعد لا يمكن أن يخرج عنها أيّ نظام قانوني.


فقرة2: الحدود المتعلقة بالنظام العام الوطني وقوانين البوليس الأجنبيّة

قد يضطرّ المحكّم – في التّحكيم التجاري الدّولي – إلى إقصاء القانون المختار من قبل الأطراف. و يعود هذا الموقف المنافي لحريّة الأطراف إلى مخالفة القانون المختار أو بعض قواعده لقواعد النّظام العام الوطني و قوانين البوليس الأجنبيّة عن قانون العقد.

و قد أشار الفقه إلى تجانس قواعد البوليس و قواعد النّظام العام في مفهوم القانون الدّولي الخاص. حيث يشير الأستاذY.DERAINS إلى أنّ « مفهوم النّظام العام يستوعب مجموع قواعد قوانين البوليس للدّول التي يرتبط بها النّزاع و أيضا النّظام العام الدّولي للدّول التي يعتبر فيها حكم التّحكيم أجنبيّا و النّظام العام الدّاخلي للدّولة التي يعتبر فيها حكم التّحكيم وطنيّا ».

و يرى جانب من الفقه أنّ قوانين البوليس و المسمّات أيضا " قوانين الأمن و البوليس " هي قوانين حمائيّة تقوم على فكرة حماية الطّرف الضّعيف في العقد أو العلاقة القانونيّة عامّة. و هي تضمن حقوقا دنيا للطّرف المعني بالحماية لا يمكن النّزول إلى ما دونها في أيّ ظرف كان. و تجسّم سياسة الدّولة في المجالات الاقتصاديّة و الاجتماعيّة.

عمليّا، يتمّ الحدّ من حريّة الأطراف في اختيار القانون المنطبق على الأصل عندما يجدون أنفسهم أمام قوانين بوليس أجنبيّة عن القانون المختار و لا يمكن أخذها بعين الاعتبار كقواعد تفرضها متطلّبات النّظام العام الدّولي الحقيقي. و إذا ما توفّرت شروط تطبيق قواعد البوليس فإنّها تتدخّل إمّا بصورة مطلقة أو جزئيّة. بالنّسبة للصّورة الأولى، فإنّها تلغي القانون المختار برمّته. أي يقع إبعاد تطبيق قاعدة قانون الإرادة نفسها. أمّا بالنّسبة للصورة الثانية، أي التدخّل الجزئي، فإنّها هنا لا تمسّ إلاّ جانبا من القانون المنطبق و المرشّح من الأطراف لتنظيم العقد و النّزاعات النّاشئة عنه. فلا يتمّ إبعاد تطبيق قاعدة قانون الإرادة إلاّ جزئيّا.

و يعتبر السّبب الجوهري الذي يجعل المحكّم يقدم على تطبيق قوانين البوليس الأجنبيّة عن قانون العقد هو ضمان الفعاليّة الدّوليّة لأحكامه. فالهاجس الذي يصاحب المحكّم عند فصله للنّزاع المعروض عليه هو تفادي كلّ ما من شأنه أن يعرّض حكمه للإبطال أو لعدم الاعتراف أو لرفض الاكساء.




الجزء الثاني: الّتحّرر من قضاء الدولة

لم تكتمل التحرّريّة في التحكيم التجاري الدولي إلاّ بتحقيق التحرّر من قضاء الدّولة، الذّي يمثّل الركيزة الأساسية الثانية، بعد التحرّر من قانون الدّولة. و قد لاحظ جانب من الفقه أنّ أوّل التقنينات المتعلّقة بالتحكيم تميّزت بتكريس وصاية القضاء على التحكيم .

فقد كانت الرقابة على التحكيم ، في ظلّ النظم التقليديّة التحكّميّة، تتميّز بتشدّدها و شموليّتها لكافة مراحله انطلاقا« من تكوين هيئة التحكيم، إلى انعقاد الولاية التحكيميّة عبر الرقابة على صحّة تأهيل المحكّم و مدى تحكيميّة العلاقة التنازعيّة المنصبّة على سندها المباشر و هو اتّفاقيّة التحكيم، إلى الرقابة الإجرائيّة على سير النزاع التحكيمي، إلى الرقابة الموضوعيّة على اجتهاد المحكمة التحكيميّة المنصبّة على الحلّ الذي تعطيه للنّزاع، ما يعني امتدادها إلى ما بعد رفع يدها عنه بصدور الحكم التحكيمي».

و قد لعب فقه قضاء محاكم الدولة ( بفرنسا) دورا فعّالا في الخروج بالتحكيم من وضع الوصاية إلى وضع الاستقلالية .

و بذلك أصبح تحرّر المحكّم من تدخّل قضاء الدولة ( الفصل الأوّل ) يمثّل مبدأ في التحكيم التجاري الدولي. غير أنّ هذا التحرّر من قضاء الدولة لا يمكن أن يكون مطلقا، إذ أنّه يعرف حدودا ( الفصل الثاني ).


الفصل الأوّل: تحرّر المحكّم من تدخّل قضاء الدولة

إنّ تحرّر المحكّم من تدخّل قضاء الدولة يمكن أن يكون قبل صدور الحكم التحكيمي ( الباب الأول ) كما يمكن أن يكون حتّى بعد صدوره ( الباب الثاني ).

الباب الأوّل= تحرر المحكم قبل صدور الحكم التحكيمي


إنّ لتحرّر المحكّم قبل صدور الحكم التحكيمي أثران : أثر إيجابي ( الفرع الأوّل ) يسير بالمحكّم نحو اكتمال الولاية. ممّا يجعله ندّا حقيقيّا لقاضي الدولة، له، مبدئيّا، نفس المهامّ و عليه نفس الواجبات.

كما يترتّب عن تحرّر المحكّم، في هذه المرحلة، أثر سلبيّ يتمثّل في مبدأ عدم تدخّل قضاء الدولة ( الفرع الثاني ). أي امتناع هيئات القضاء الرّسمي عن التدخّل في عمل المحكّمين بأيّ وجه كان طالما لم ينتهوا من مهمّتهم.

الفرع الأول: الأثر الإيجابي لتحرّر المحكّم

يتمتّع المحكّم في الأنظمة القانونيّة الحديثة بتحرّريّة لافتة للانتباه. ذلك أنّه، إلى جانب تحرّره من تدخّل قضاء الدولة و انتفاء الوصاية عليه و تطوّر ولايته نحو الاكتمال. فإنّه يتمتّع بحريّة أوسع من تلك التي يتمتّع بها قاضي الدولة. و بما أنّه أصبح ندّا للقاضي الوطني، فقد أضحى الاعتراف للمحكّم باختصاصه بالنظر في اختصاصه ( الفقرة الأولى ) و حرّيته في تسيير الإجراءات ( الفقرة الثانية ) أمرا بديهيّا تكرّسه قوانين التحكيم الحديثة في العالم رغم اختلاف توجّهاتها الاقتصاديّة و السياسيّة.


الفقرة1: اختصاص المحكّم بالنظر في اختصاصه


إنّ تدخّل قضاء الدولة عند أوّل مناسبة تثار فيها مسألة اختصاص المحكّم، يؤدّي حتما إلى الحدّ من تحرّر التحكيم التجاري الدولي تجاه قضاء الدولة. و هو ما يخالف التوجه اللّيبرالي لجلّ الدّول كما يخالف إرادة أطراف النزاع في إقصاء محاكم الدوّلة من نظر نزاعهم. إلى جانب ما سيتسبّب فيه هذا التّدخّل من تعطيل للإجراءات و ضياع للوقت.

و في هذا الإطار، يرى الفقيه فيليب فوشار " أنّ عدم اختصاص محاكم الدولة بالنظر في النزاع الذي يكون موضوعه اتفاقية تحكيم يترتّب عنه اختصاص المحكّمين بالنظر في اختصاصهم. و إنّ تحليل الفقرة الثالثة من الفصل السادس من الاتّفاقيّة الأوروبيّة لسنة 1961 يقنعنا بأنّه إذا عرض على قضاء الدّولة نزاع اتّفق أطرافه على حلّه من خلال التحكيم، و أنّ أحد الأطراف يدّعي بحسن أو سوء نيّة، أنّ هذه الاتفاقية ليست قابلة للتّنفيذ، و أنّ الاختصاص لا ينعقد للمحكّمين. و من هنا، فإنّ النّزاع القضائيّ، عندما يكون اختصاص القاضي غير مقبول من طرفي النّزاع، سيكون أو يجب أن يكون موضوعه اختصاص المحكّمين. إذا فلماذا لا ينظر في خصوص هذا النّزاع المحكّم نفسه و لماذا لا يستطيع هذا الأخير الحكم في شأن اختصاصه كالقاضي العادي ؟ ألا يعتبر حرمانه من هذا الحقّ، بتعلّة احتجاج أحد الأطراف على انعقاد الاختصاص له، سحب بيد لما أعطته الأخرى؟ " .

و لقد أشار جانب من الفقه إلى أنّ التحكيم الدّولي تقبّل بسرعة اختصاص المحكّم بالنّظر في اختصاصه و تبعا لذلك إمكانيّة الحكم على سلطته التّي يتمثّل مصدرها في اتّفاقيّة التحكيم... و إنّ نجاعة التحكيم الدّولي التّي لا يمكن المنازعة بشأنها تمرّ من هنا. من جهة أخرى، اعتبر الفقه أنّ مبدأ اختصاص ـ الاختصاص، إلى جانب كونه مبدأ إجرائي عامّ، فإنّه يمثّل نتيجة مباشرة لإقرار الصّبغة القضائيّة لمهمّة المحكّم و نتيجة حتميّة لمبدأ استقلاليّة اتّفاقيّة التحكيم.

حيث يؤدّي الإقرار بالصّبغة القضائيّة لمهمّة المحكّم إلى إخضاعه إلى المبادئ العامّة المنظّمة للوظيفة القضائيّة عدا ما استثني منها بنصّ القانون. «و لمّا كانت مهمّة المحكّم مهمّة تعاقديّة المصدر و قضائيّة المضمون، فقد اتّجه اعتبار أنّ المحكّم تسري عليه المبادئ العامّة، و منها مبدأ اختصاص كلّ جهة قضائيّة بالبتّ في اختصاصها».

إنّ اختصاص المحكّم بالنّظر في اختصاصه لم يعد يثير أيّ شكّ . و هو ما ذهب إليه المشرّع اقتداء بتوجّهات القانون النّموذجي للتحكيم التجاري الدولي. فقد أقرّ ضمن الفصل 61 م.ت ما يلي: « 1- تبتّ هيئة التحكيم في اختصاصها و في أيّ اعتراض يتعلّق بوجود اتّفاقيّة التحكيم أو بصحّتها. و لهذا الغرض ينظر إلى الشرط التحكيمي بالعقد كما لو كان اتّفاقا مستقلاّ عن شروطه الأخرى. و الحكم ببطلان العقد لا يترتّب عنه قانونا بطلان الشرط التحكيمي. 2- يثار الدّفع بعدم اختصاص هيئة التحكيم في أجل أقصاه تقديم الملحوظات الكتابيّة للدّفاع في الأصل. و لا يجوز منع أيّ طرف من إثارة مثل هذا الدّفع بحجّة أنّه عيّن أحد المحكّمين أو شارك في تعيينه. 3- إذا بتّت هيئة التحكيم في أيّ دفع من الدّفوع المشار إليها في الفقرة 2 من هذا الفصل، بحكم جزئيّ يجوز لأيّ طرف في بحر ثلاثين يوما من تاريخ إعلامه به أن يطلب من محكمة الاستئناف بتونس أن تفصل في الأمر طبقا لأحكام الفصل 78 من هذه المجلّة. و يجب البتّ في الموضوع في أسرع وقت و على كلّ حال في ظرف لا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم المطلب. و تتوقّف مواصلة الإجراءات على نتيجة الحكم في الطّعن. أمّا الدّفوعات المثارة بعد صدور حكم التحكيم في الطعن المذكور فينظر فيها مع الأصل».

من جانب آخر، فإنّ تحرّر المحكّم إزاء قضاء الدولة، عند النّظر في اختصاصه يمثّل نتيجة حتميّة لمبدأ استقلاليّة اتّفاقيّة التحكيم. حيث "لا يمكن منطقيّا أن يقع إقرار قاعدة استقلاليّة اتّفاقيّة التحكيم دون أن يستتبع ذلك إقرار قاعدة اختصاص المحكّم بالنّظر في اختصاصه. و ليس أدلّ على ذلك من ربط المشرّع بينهما في الفقرة "1" من الفصل 61 من مجلّة التحكيم... فاتّفاقيّة التحكيم تعامل كعقد مستقلّ بذاته، ينتج بنفسه أثره المباشر، و هو إخراج النّزاع موضوعه عن نظر القضاء الرّسمي للدّولة" .

و يبدو جليّا، أنّ الحلّ المكرّس في مجال التحكيم الدّولي، و المتمثّل في اعتماد مبدأ اختصاص ـ الاختصاص، يلعب دورا هامّا و فعّالا في تكريس التّحرّريّة في مادّة التحكيم التجاري الدولي. ذلك أنّه يؤكّد تحرّريّة المحكّم إزاء قضاء الدّولة و من وراءه تحرّريّة الأطراف الذين اختاروا حلّ نزاعهم من خلال التحكيم. إذ أنّ اعتماد هذا المبدأ يرتّب عدّة نتائج تصطبغ بصبغة تحرّريّة و هي : o أنّ المحكّم لا ينتظر مآل الدّعوى المرفوعة إلى القضاء العدلي في شأن بطلان اتّفاقيّة التحكيم أو انقضائها، و لو تمّ التّمسّك أمامه بذلك، o أنّ المحكمة العدليّة يفترض أن تقضي برفض الدّعوى الرامية إلى إبطال اتّفاقيّة التحكيم، لما في ذلك من مساس بمجال اختصاص المحكّم المقرّر قانونا، o أنّه إذا قضت محكمة تابعة لدولة ما ببطلان اتّفاقيّة التحكيم و لم ترتّب على ذلك آثارا أخرى، و خصوصا الإذن لهيئة التحكيم بتعليق نظرها في النّزاع المعروض عليها، فإنّ هيئة التحكيم تواصل النّظر في النّزاع، و تقضي في اختصاصها دون التفات إلى ذلك الحكم، الذّي يعدّ بالنّسبة إليها ورقة من أوراق الملف التي تنظر فيها هيئة التحكيم و لا تتقيّد بها... o أنّه إذا قضت محكمة من محاكم الدّولة بإبطال اتّفاقيّة التحكيم أو باعتبارها منقضية، ثمّ رتّبت على ذلك الإذن بوقف نظر هيئة التحكيم في الدّعوى، فإنّه يتّجه التّمييز بين صورتين : فإذا كانت المحكمة الصّادر عنها الحكم هي إحدى محاكم البلاد التّي يجري التحكيم على إقليمها، فإنّ المحكّم ...يضحي عندها مطالبا برفع يده عن النّزاع و تركه لقضاء الدّولة... أمّا إذا كانت المحكمة التّي قضت في دعوى إبطال اتّفاقيّة تحكيم من محاكم بلد آخر غير البلد الذّي أجري فيه التّحكيم، فإنّ المحكّم ليس مطالبا بالتّقيّد بحكمها. فله أن يواصل النّظر في الدّعوى، بما في ذلك البتّ في اختصاصه، دون التفات إالى ذلك الحكم.

الفقرة2: حريّة المحكّم في تسيير الإجراءات

يتمتّع المحكّم عند تسييره للإجراءات بحريّة واسعة. حيث خوّله المشرّع سلطات هامّة تتشابه إلى حدّ كبير و سلطات القاضي العدلي. هذا من جهة و من جهة أخرى، مكّنت هذه الحريّة المحكّم من أن يلعب دورا خلاّقا و منشأ في ميدان التحكيم.

و تبرز بجلاء حريّة المحكّم في تسيير الإجراءات من خلال حريّة إجراء بعض الأعمال و اتخاذ القرارات و إصدار الأحكام (أ) و من خلال إمكانيّة اتخاذ الوسائل الوقتيّة و التّحفّظيّة (ب).

أ/ حريّة المحكّم في إجراء بعض الأعمال و اتّخاذ القرارات و إصدار الأحكام

إنّ المحكّم هو ذلك القاضي الخاصّ الذي اختاره أطراف النّزاع ليحلّ محلّ القاضي الوطني في فصل النّزاع النّاشب بينهم. لذلك يرى البعض أنّ للمحكّم واجبات تجاه الأطراف و تجاه المجتمع الدّولي للتّجار. و أنّه من الضّروري أن يحافظ التّحكيم على استقلاله تجاه الدّولة.

و حتّى يتسنّى للمحكّم القيام بواجبه في فصل النّزاع المعروض عليه مكّنه المشرّع من سلطات واسعة و حريّة كبيرة، تضمن أوّلا نجاعته في المهمّة الموكولة إليه كما تضمن المحافظة على هيبته في نظر الخصوم.

في هذا الإطار، مكّن الفصل 64 م.ت في فقرته الثانية المحكّم من حريّة اختيار الطريقة المناسبة لتسيير الإجراءات. و ذلك عند غياب اتفاق الأطراف على الإجراءات الواجب إتّباعها من قبل المحكّم. فقد جاء بالفصل 64 م.ت أنّه « فإن لم يتّفقوا كان لهيئة التّحكيم –مع مراعاة أحكام هذا القانون- أن تسير في التّحكيم حسب الطريقة التي تراها مناسبة...».

و قد كرّس المشرّع هذه القاعدة اقتداء بتوجّهات القانون النّموذجي للتحكيم التجاري الدّولي في فصله 19-2. كما أوردت هذه القاعدة عدّة تشريعات وطنيّة مثل القانون الفرنسيّ في فصله 1494 من المجلّة الجديدة للإجراءات و كذلك الفصل 182 فقرة ثانية من القانون السويسري.

و يرى المرحوم محمد العربي هاشم أنّ صياغة الفصل 64 م.ت كانت أكثر وضوحا و تمنح المحكّم سلطات أكبر بأن يحدّد الإجراءات في كلّ حين و حسب الحالات، دون حدود إلاّ تلك المتعلّقة باحترام المبادئ الأساسيّة .

من جانب آخر تتدعّم حريّة المحكّم، في التحكيم التجاري الدّولي، بتحرّره من الدّفاع عن مصالح عليا خارجة عن موضوع التّحكيم. إذ يرى جانب من الفقه أنّ المحكّم لا يجب أن يهتمّ إلاّ بأطراف النّزاع الذي يجب أن يجد حلاّ له دون الانشغال بالدّفاع عن مصالح عليا و أجنبيّة عن موضوع التّحكيم ذاته.

و يمكن أن نستنتج بذلك أنّ للمحكّم كامل الحريّة في تسيير الإجراءات حسب الطّريقة التي يراها مناسبة على أن يحترم المبادئ الأساسيّة للإجراءات كحقّ الدّفاع و المساواة بين الأطراف.

إلى جانب ذلك، لم يعد المحكّم اليوم مقيّدا بإتباع أحد الأنظمة الإجرائيّة التّقليديّة و خاصّة منها النّظام الإتّهامي و النّظام التحقيقي أو التّنقيبي. ذلك أنّه و بالإضافة إلى ما عرفته هذه الأنظمة من تقارب فيما بينها، فإنّ جلّ التّشريعات الوطنيّة و نظم التّحكيم التّابعة لمؤسّسات التّحكيم الدّولية، على غرار نظام التّحكيم الخاصّ بغرفة التّجارة الدّولية و القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي، يقرّون هذه الحريّة للمحكّم.

و في هذا الإطار ينصّ الفصل 72 م.ت على أنّه « يجوز لهيئة التّحكيم أو لأيّ طرف بموافقتها طلب المساعدة من محكمة مختصّة للحصول على أدلّة».

و انطلاقا من هذه الرؤية أصبحت معظم القوانين المتعلّقة بالتّحكيم في مختلف أنحاء العالم تقرّ قاعدة اختصاص المحكّم بإصدار الأحكام التحضيريّة و التّمهيديّة و الجزئيّة التّي يرى من المتّجه اتّخاذها لفصل النّزاع. فالأحكام التحضيريّة و التّمهيديّة هي تلك التّي تسهم في تهيئة القضيّة للحكم دون أن تكشف عن التّوجّه الذي تنوي هيئة التّحكيم اتّخاذه فيما يخصّ أصل النّزاع. كأن تقرّر التّوجّه إلى مكان النّزاع أو تلقّي شهادة الشّهود أو كأن تقرّر عقد جلسة بمكان غير مقرّ التّحكيم المنصوص عليه باتّفاقيّة التّحكيم أو بوثيقة المهمّة، أو التّحرير على الخبير لاستيضاح مسألة لم يقع توضيحها كما يجب في تقاريره أو ما إلى ذلك من الأعمال التي تسهّل على المحكّم كشف الحقيقة .

و قد تعرّض جانب من الفقه إلى إمكانيّة تعارض بين إرادة كلّ من المحكّم و الأطراف فيما يخصّ تسيير الإجراءات. فإذا كان المبدأ الوارد بالفصل 64 م.ت يقضي بأن يتّبع المحكّم الإجراءات التي يتّفق عليها الأطراف و في صورة تخلّف هذا الاتّفاق يسير المحكّم في التّحكيم حسب الطّريقة التّي يراها مناسبة. فإنّ الفقيه شارل جاروسون يرى أنّنا يجب أن نكون حذرين لتقبّل فكرة كون الأطراف، على فرض أنّهم اتّفقوا فيما بينهم، قادرين على فرض قواعد خاصّة على المحكّمين. و في مقابل ذلك، فإنّ المحكّمين لا يستطيعون أن يفرضوا على الأطراف طريقة لتسيير الإجراءات لا يقبلون بها. في الواقع، فإنّ إرادة الأطراف تجد حدّا لها فيما هو متعلّق بصميم السّلطة القضائيّة للمحكّم. و بعبارة أخرى، فإنّ المصدر الاتّفاقي للتّحكيم لا يمكن أن يسمح للأطراف بإزالة الطّبيعة القضائيّة لعمل المحكّم، كأن يتمّ إجباره على إصدار حكم يقتصر فيه على مجرّد اعتماد أحد تعليلين قانونيّين يتمّ اقتراحهما، في حين أنّ كلّ واحد منهما لا يمكن أن يكون مقبولا طبقا للقانون المختار .

إلى جانب ذلك، فإنّ للمحكّم سلطة إنهاء الإجراءات حالما يعتبر أنّ بين يديه العناصر الكافية و اللاّزمة للحكم في النّزاع المعروض عليه.

و يمكن أن نستخلص ممّا سبق أنّ تحرّر المحكّم تجاه قضاء الدّولة لا يقتصر على مرحلة تطبيق المبادئ الإجرائيّة، بل يتجاوز ذلك على مرحلة استحداث تلك القواعد و إنشائها. بما يؤكّد أنّ المحكّم يلعب دورا خلاّقا و منشئا في ميدان التّحكيم يرقى به إلى مرتبة المشرّع الحقيقي في هذا الميدان و يجعله يجمع بين مهمّتي ابتداع القواعد و تطبيقها، و هي إحدى مميّزات التّحكيم المعترف له بها في جلّ تشريعات العالم .

كما تمتدّ شموليّة ولاية المحكّم لتشمل الأوامر بالدّفع و الغرامة التّهديديّة. إذ اعتبرت محكمة الاستئناف بباريس في قرار لها مؤرّخ في 7 أكتوبر 2004 أنّه اعتبارا إلى أنّ إصدار الغرامات التّهديديّة و الأوامر بالدّفع يمثّل امتدادا ملازما وضروريّا لوظيفة القضاء لتأمين أفضل نجاعة للسّلطة القضائيّة للمحكّم و لا تمثّل أيّ تجاوز لمهمّته. بل إنّ هذه الوسائل تنتمي إلى الوسائل التّكميليّة لهذه الوظيفة .

و في مقابل هذا الموقف المتحرّر، يرى جانب من الفقه التّونسي أنّ الأمر بالدّفع، و لئن كان ذو طبيعة قضائيّة، فإنّه لا يتلاءم و المصدر الإتّفاقي للتّحكيم بما أنّه سيؤدّي إلى انتهاك مبدأ المساواة بين الأطراف و حرمان أحدهما من حقّه في الدّفاع. و ذلك باعتبار و أنّ إجراءات الأمر بالدّفع و حسب الفصول المنظّمة لها صلب مجلّة المرافعات المدنيّة و التّجاريّة( من 59 إلى 67 ) لا تستوجب المواجهة بين الخصوم.

ب/ اتخاذ الوسائل الوقتيّة و التّحفّظيّة

لم تعرّف أغلب التّشريعات المقصود بالإجراءات الوقتيّة و التّحفّظيّة. أمّا الفقه، فقد اعتبر أنّ الإجراء الوقتيّ هو الذّي يتّسم بصبغته غير النّهائيّة و بقابليّته للمراجعة و الرّجوع فيه .

و لقد اعتبر جانب من الفقه إمكانيّة اتّخاذ المحكّم وسائل وقتيّة و تحفّظيّة بمثابة "الغزو الجديد من قبل المحكّم". ذلك أنّ الولاية على هاته المسائل الوقتيّة و التّحفّظيّة عرفت تحوّلا تحرّريّا من التّزاحم الإقصائيّ لفائدة قاضي الدّولة إلى التّشارك الوفاقي.

و تجدر الملاحظة إلى أنّ الفقه ينقسم إلى ثلاثة مذاهب مختلفة في هذا الخصوص:

  - الأوّل: يقصر الاختصاص بالوسائل الوقتيّة و التّحفظيّة على قضاء الدّولة دون القضاء التّحكيمي.
  - الثّاني: على خلاف الأوّل، يقصره على القضاء التّحكيمي و يقصي قضاء الدّولة.
  - الثّالث: يتّخذ مركزا وسطا و يقول بخضوع الاختصاص بالوسائل الوقتيّة و التّحفّظيّة إلى مبدأ الاشتراك. 

و لقد أسند القانون النّموذجيّ هذه السّلطة للمحكّم، إذ جاء بالمادّة 17 أنّه " يجوز لهيئة التّحكيم أن تأمر أيّا من الطرفين، بناءا على طلب أحدهما، باتّخاذ أيّ تدبير وقائيّ مؤقّت تراه ضروريّا بالنّسبة إلى موضوع النّزاع، ما لم يتّفق الطرفان على خلاف ذلك..."

و لقد تبنّت مجلّة التّحكيم نفس هذا الاتجاه ضمن الفصل 62 الذي جاء به أنّه " يجوز لهيئة التّحكيم –بناءا على طلب أحد الأطراف- أن تأذن بما تراه ضروريّا من الوسائل الوقتيّة أو التّحفظيّة، ما لم يتّفق الأطراف على خلاف ذلك ".

من جهة أخرى، اعتبر المشرّع أنّه لا يعتبر مناقضا لاتّفاقيّة التّحكيم أن يطلب أحد الأطراف قبل بدأ إجراءات التّحكيم أو أثناءها من قبل القاضي الإستعجالي أن يتّخذ إجراءا وقائيّا مؤقّتا.

و بهذا التّزاحم الوفاقي بين المحكّم و قاضي الدّولة في مجال الوسائل الوقتيّة و التّحفّظيّة نتبيّن ما توصّل إليه التّحكيم التّجاري الدّولي من التّحرّريّة التّي جعلت منه ندّا حقيقيّا لقضاء الدّولة.


الفرع الثاني= الأثر السّلبي لتحرّر المحكّم : مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة


سنتعرّض في هذا الفرع إلى تحليل مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة ( فقرة أولى ) ثمّ إلى بيان أسباب اعتماد هذا المبدأ ( فقرة ثانية ).

فقرة أولى: تحليل المبدأ

إنّ التجاء أطراف النّزاع التّجاري الدّولي إلى التّحكيم يعبّر عن اتّجاه إرادتهم نحو إقصاء اختصاص محاكم الدّولة من النّظر في النّزاع النّاشب بينهم و استبداله بطريقة خاصّة في فصل المنازعات ألا وهي التّحكيم.

و يعتبر مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة في سير إجراءات التّحكيم الرّكيزة الأساسيّة الثانية للتّحرريّة في التّحكيم التّجاري الدّولي، إلى جانب التّحرّر من قانون الدّولة.

و إذا كان مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة يعبّر بالنّسبة للمشرّع عن رغبة في تنظيم و توزيع الاختصاص بين قضاء الدّولة و التّحكيم، و ذلك للتّخفيف من العبء الذي يحمله قضاء الدّولة منذ سنين طويلة و ما يشهده من تراكم للملفّات و تكدّس للقضايا. فإنّ تقبّل هذا المبدأ الجوهري من الأطراف له أساس مختلف. حيث يمثّل هذا المبدأ بالنّسبة إليهم طوق النّجاة من قضاء الدّولة و وسيلة لدفعه و تفاديه لما يمثّله بالنّسبة للتّجار خاصّة من تعقيد و تطويل للإجراءات و تمديد مبالغ فيه للآجال و ما يصطبغ به قضاء الدّولة من الشّكليّة الطّاغية. و كلّ ذلك لا يتلاءم و متطلّبات السّرعة و المرونة و التّيسير التّي تستوجبها المعاملات التجارية و ما يمكن أن تتسبّب فيه من الخسارة.

و في هذا الاتّجاه، يؤكّد الفقه أنّ " الالتجاء إلى التّحكيم من قبل أطراف التّجارة الدّوليّة يعبّر عن إرادتهم الهروب في نفس الوقت من اختصاص محاكم الدّولة و نظمها القانونيّة آملين في قضاء آخر تتمّ إدارته و إصداره بشكل مختلف" .

و يرى الفقه المختصّ كذلك، أنّه طالما اعتبرنا التّحكيم شكلا من أشكال العدالة، فإنّه يكون من الحتميّ النّظر إلى المحكّمين على أنّهم قضاة حقيقيّون و الاعتراف لهم بجميع الصّلاحيّات المعترف بها لقضاء الدّولة.

كما أنّ حريّة المحكّم في السّير بالإجراءات تقتضي بالضّرورة منع هيئات القضاء الرّسمي من التّدخّل في عمل المحكّمين، سواء كان ذلك لعرقلته أو للحلول محلّ المحكّم في وظائفه و سلطاته. ذلك أنّ المحكّم يستمدّ سلطاته من إرادة الأطراف الّذين يقتضي المنطق أن يكون اختيارهم تعهيد المحكّمين في شأن الخلاف النّاشب بينهم إقصاء لاختصاص المحاكم الرّسميّة .

و لقد ترسّخ مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة و أكّدته عدّة اتّفاقيّات دوليّة و تشريعات وطنيّة. حيث أنّ هذا المبدأ يمثّل ضمانة جوهريّة لنجاعة التّحكيم.

و من بين الاتّفاقيّات الدّوليّة التّي أوردت المبدأ نجد بروتوكول جنيف لسنة 1923، حيث تنصّ الفقرة الأولى من فصله الرّابع على أنّه « على محاكم الدّول المتعاقدة، عندما تنظر في نزاع متعلّق بعقد مبرم بين أشخاص...و وجدت اتّفاقيّة تحكيم أو شرط تحكيمي صحيح و قابل للتّنفيذ، يردّون الأطراف...إلى قضاء التّحكيم». و كذلك تمّ التّنصيص على هذا المبدأ بالفقرة الثّالثة من الفصل الثّاني من اتّفاقيّة نيويورك لسنة 1958.

من جهتها، أكّدت اتّفاقيّة جنيف لسنة 1961 بصفة غير مباشرة مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة في صورة وجود اتّفاقيّة تحكيم.

كما نصّ القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي على هذا المبدأ ضمن المادّة الثّامنة المعنونة ب" اتّفاقيّة التّحكيم و الدّعوى الموضوعيّة أمام المحكمة". و قد جاء بالفقرة الأولى من هذه المادّة أنّه « على المحكمة التّي ترفع أمامها دعوى في مسألة أبرم بشأنها اتّفاق تحكيم أن تحيل الطّرفين إلى التّحكيم، إذا طلب منها ذلك أحد الطّرفين في موعد أقصاه تاريخ تقديم بيانه الأوّل في موضوع النّزاع، ما لم يتّضح لها أنّ الاتّفاق باطل و لاغ أو عديم الأثر أو لا يمكن تنفيذه». و هو نصّ مطابق لنصّ الفصل 52 من مجلّة التّحكيم.

من جانب آخر، يجمع الفقه على أنّ مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة لا يمكن أن يكون مطلقا. بحيث لا يسمح لقاضي الدّولة بأيّ تدخّل مهما كانت الغاية منه. أي حتّى و لو كان تدخّلا مساعدا. حيث أنّه لا يعدّ مناقضا لاتّفاقيّة التّحكيم أن يتّخذ قضاء الدّولة إجراءات وقتيّة و تحفّظيّة بطلب من أحد الأطراف .

غير أنّ هذا التّدخّل لا يمكن أن يصل إلى الحدّ الذي يأذن فيه قاضي الدّولة لهيئة التّحكيم بإيقاف الإجراءات، مثلما فعلت محكمة الاستئناف بتونس في القرار الصّادر عن وكيل رئيسها الأوّل بتاريخ 21 ديسمبر 2000 تحت عدد 8648 .

و تتلخّص وقائع هاته القضيّة في تولّي أحد أطراف النّزاع التّحكيمي رفع مطلب في التّجريح (القدح) في أحد المحكّمين إلى هيئة التّحكيم طبقا لأحكام الفصل 58 م.ت التّي قرّرت في البداية تعليق إجراءات النّظر في القضيّة إلى حين البتّ في المطلب المذكور، ثمّ قرّرت في مرحلة لاحقة استئناف النّظر في القضيّة الأصليّة، فتولّى الطّرف طالب التّجريح رفع الأمر إلى محكمة الاستئناف بتونس. إلاّ أنّه و أمام إصرار هيئة التّحكيم على التّمادي في النّظر في القضيّة، تولّى طالب التّجريح تقديم مطلب مستقلّ إلى الرّئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس طالبا منه الإذن لهيئة التّحكيم بتعليق نظرها في القضيّة الأصليّة .

و قد كان ردّ المحكمة إيجابيّا على طلب الطّرف المجرّح إذ جاء بقرارها : « و حيث أنّ في الأمر شديد التّأكّد و تعيّنت الاستجابة لطلب المدّعي بالإذن بالتّنفيذ على المسودّة و قبل التّسجيل و بدون إعلام سابق بالحكم، فلهذه الأسباب، قرّرنا توقيف إجراءات التّحكيم إلى حين البتّ في دعوى التّجريح...مع الإذن بالتّنفيذ على المسودّة».

و يعدّ هذا القرار مخالفا لأحكام مجلّة التّحكيم. ذلك أنّه و لئن كان واجبا على هيئة التّحكيم إيقاف الإجراءات عندما يتمّ رفع دعوى في التّجريح ضدّ أحد أعضاءها، إلاّ أنّ عدم انصياعها لهذا الأمر القانوني، و رغم ما يمثّله من خطورة على مصالح الطّرف المجرّح،فإنّ ذلك لا يسمح قانونا بتدخّل الرّئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس بأن يصدر قرارا بوقف إجراءات التّحكيم. و يعدّ ذلك مخالفة لأحكام هذه المجلّة و انتهاكا لاستقلاليّة هيئة التّحكيم.

و في تعليق على هذا القرار أبرز جانب من الفقه " أنّه لا يوجد في مجلّة التّحكيم أيّ نصّ يمنح الرّئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس و لا أيّة جهة أخرى، قضائيّة كانت أو غير قضائيّة، صلاحيّة "الإذن" – و بالأحرى توجيه أمر- لهيئة التّحكيم لتعليق نظرها في القضيّة المرفوعة إليها" .


الفقرة الثانية : أسباب المبدأ

يتأسّس مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة في سير إجراءات التّحكيم على سببين : سبب نفسيّ بسيكولوجي يتعلّق بنظرة الأطراف إلى المحكّم. و آخر عمليّ واقعيّ يتعلّق بنجاعة التّحكيم كطريقة خاصّة لفضّ النّزاعات.

من جهة أولى، فإنّ أطراف النّزاع قد أوكلوا المحكّم مهمّة فضّ النّزاع الناشئ بينهم. بما يضعه في مكانة القاضي بالنّسبة إليهم. ومن المعلوم أنّ القضاء يتّسم بالهيبة و الوقار كما تتّسم قراراته بالإلزام و الجبر، ممّا يحيطه بهالة من الاحترام و التّوقير و الهيبة.

لذلك فإنّ أيّ تدخّل لقضاء الدّولة بقصد فرض قرارات أو توجّهات على المحكّم فيه مساس بهيبة المحكّم في أعين الأطراف، الّذين لا يمكن أن ننتظر منهم بعد ذلك أن ينظروا إلى المحكّم على أنّه قاض و أنّ له سلطة عليهم. و سيؤدّي ذلك إلى تشجيع الأطراف على المشاكسة و إثارة المشاكل الهامشيّة و عرقلة تنفيذ قراراته أو الامتناع عن ذلك. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المحكّم نفسه سيفقد السّيطرة على الوضع و سيفقد جرأته في اتّخاذ القرارات، ممّا يؤول إلى " تفسّخ " شخصيّته و " تمييع " سلطاته .

و من ناحية أخرى، فإنّ التجاء الأطراف إلى التّحكيم له أساس متعلّق برغبتهم في التّحرّر من قضاء الدّولة و تفادي الاحتكاك به. و يكون ذلك خاصّة للتّجار الّذين يأملون في سرعة الفصل بينهم إلى جانب سعي المحكّم إلى تقريب وجهات النّظر حول النّزاع و محاولة اتّخاذ قرار يلاءم جميع الأطراف و يحافظ على العلاقات القائمة بين الطّرفين.

فإذا وجد الأطراف نزاعهم المعروض على هيئة التّحكيم محلّ تدخّل من قضاء الدّولة، فإنّ ذلك قد يخيّب آمالهم في سرعة الفصل في النّزاع و يثير شكوكهم حول مسألة مدى تحرّرهم من القاضي الوطني بالالتجاء إلى التّحكيم. ممّا قد يؤول في النّهاية بأطراف النّزاع إلى الامتناع عن حلّ نزاعاتهم من خلال التّحكيم و الالتجاء إلى قضاء الدّولة مباشرة.

من جهة ثانية، يمكن أن يرجع اعتماد مبدأ عدم تدخّل قضاء الدّولة إلى سبب عمليّ و واقعي. ذلك أنّ تدخّل القاضي الوطني أثناء سير الإجراءات قد يؤدّي إلى عرقلتها لا تسهيلها. و قد يترتّب عن هذا التّدخّل ضياع للوقت بسبب ما يؤدّي إليه من تعطيل لسير الإجراءات عند اللّجوء إلى القضاء و تغييرا لمسارها إن اتّخذ القاضي إجراءات مخالفة لما قرّره المحكّم.

بالإضافة إلى ذلك، يضيف الفقه أنّ التّدخّل القضائيّ الحينيّ سيجعل قاضي الإبطال و قاضي التّنفيذ في حرج كبير. إذ سيكون من العسير – أخلاقيّا و منطقيّا – إبطال القرار التّحكيمي بعد خضوعه إلى رقابة سابقة لصدوره .

الباب الثاني= تحرر المحكم بعد صدور الحكم التحكيمي


لقد أجمعت جلّ قوانين التّحكيم الحديثة و الفقه و فقه القضاء على تحرّر المحكّم منذ انعقاد الاختصاص له و حتّى إصداره للحكم التّحكيمي. فكانت له أولويّة النّظر في اختصاصه و حريّة تسيير الإجراءات. و قد تمتّع المحكّم – في التّحكيم الدّولي – طوال مرحلة الإجراءات بحريّة واسعة لم يحدّ منها سوى واجب المحكّم المتمثّل في احترام المبادئ الأساسيّة للإجراءات إلى جانب إرادة الأطراف التي تعتبر مصدر التّحكيم ذاته.

و هو ما يعكس الحرص على إقرار الولاية القضائيّة الكاملة و المستقلّة للمحكّم و تجاوز ذلك إلى تأمين استنفاذ المحكّم لكامل المهمّة التّحكيميّة .

غير أنّ ولاية المحكّم على النّزاع لم تتوقّف عند مرحلة تسيير الإجراءات. بل امتدّت هذه الولاية حتّى بعد إصدار الحكم التّحكيمي. و تمّ تدعيمها بتحصين نتاج عمل المحكّم.

إنّ ضمان تحرّر المحكّم في المرحلة اللاحقة لإصدار الحكم التّحكيمي لا يقلّ أهميّة عن تحرّره أثناء سير الإجراءات. و يمكن أن نتبيّن وجهين لهذا التّحرّر اللاّحق لصدور الحكم : أوّلا، تحرّر المحكّم إزاء الحكم التّحكيمي ( الفرع الأوّل ) و ثانيا، ضمان الفعاليّة الذّاتيّة للحكم التّحكيمي ( الفرع الثّاني ). ذلك أنّ قرار هيئة التّحكيم إذا لم يكتسب نفس القوّة الثّبوتيّة و الإلزاميّة لأحكام قضاء الدّولة فإنّ تحرّر المحكّم لن يكون له أيّ معنى.

الفرع الأول= تحرّر المحكّم إزاء الحكم


يتجسّم تحرّر المحكّم إزاء الحكم التّحكيمي و بعد صدوره من خلال حرّيته في إيداع الحكم التّحكيمي ( فقرة أولى ) و اختصاصه بإصلاح حكم التّحكيم و شرحه و إتمامه ( فقرة ثانية ).


فقرة أولى: حرّية المحكّم في إيداع الحكم التّحكيمي


لم يوجب المشرّع على المحكّم إيداع حكم التّحكيم الدّولي لدى محكمة تونسيّة أو غيرها. بل ترك له حريّة الاختيار. وذلك خلافا للمحكّم في التّحكيم الدّاخلي، الّذي أوجب عليه المشرّع ذلك. إذ تنصّ الفقرة الثّانية من الفصل 33 م.ت على أنّه :« و تتولّى هيئة التّحكيم توجيه نسخة من الحكم إلى الأطراف في ظرف 15 يوما من صدوره و تودع في نفس الأجل أصل الحكم مرفوقا باتّفاقيّة التّحكيم بكتابة المحكمة المختصّة في مقابل وصل و لا يخضع الإيداع لأيّ أداء ».

من جانبه، أشار نظام التّحكيم التّابع للجنة الأمم المتّحدة للقانون التّجاري الدّولي، ضمن الفقرة السّابعة من الفصل 32 إلى أنّه :« إذا أوجب قانون التّحكيم لدولة مقرّ التّحكيم على هيئة التّحكيم إيداع أو تسجيل الحكم التّحكيمي، فإنّه على هيئة التّحكيم أن تلتزم بذلك في الأجل المحدّد من قبل هذا القانون ».

و يبرز ترك حرّية الاختيار للمحكّم في إيداع أو عدم إيداع الحكم التّحكيمي، الموقف التّحرّريّ الذي كرّسه المشرّع ضمن التّحكيم الدّولي. حيث أنّ سكوت مجلّة التّحكيم لا يعني المنع.

غير أنّه يمكن اعتبار العلّة في عدم إلزاميّة الإيداع أنّ صدور حكم التّحكيم الدّولي بالبلاد التّونسيّة لا يعني حتما أنّه سيقع طلب تنفيذه بها، فقد يكون التّحكيم " سياحيّا". كما أنّه إذا صدر حكم التّحكيم خارج البلاد التّونسيّة طبق أحكام مجلّة التّحكيم التّونسيّة، فإنّه يكون أكثر ارتباطا من النّاحية الجغرافيّة بالبلاد التّي صدر فيها و هي التي تحدّد الإجراءات التّي يجب القيام بها بعد إصداره .

فقرة ثانية: اختصاص المحكّم بإصلاح حكم التّحكيم و شرحه و إتمامه


سعى المشرّع إلى ضمان امتداد الولاية القضائيّة للمحكّم في التّحكيم الدّولي، و ذلك بعد إصداره للحكم التّحكيمي. فجعل من صميم اختصاصه النّظر في إصلاح حكم التّحكيم أو شرحه أو إتمامه. حيث جاء بالفصل 77 م.ت أنّه « 1- خلال ثلاثين يوما من صدور حكم التّحكيم، يجوز لهيئة التّحكيم من تلقاء نفسها إصلاح الغلط في الرّسم أو أيّ غلط مادّي تسرّب إلى الحكم.

2- إذا قدّم أحد الأطراف خلال ثلاثين يوما من اتّصاله بالحكم مطلبا لهيئة التّحكيم و أعلم به الطّرف الآخر و لم يسبق الاتّفاق على ما يخالف الأجل المذكور فإنّه يجوز لهيئة التّحكيم أن تباشر الأعمال التّالية :

  أ- إصلاح الغلط في الرّسم أو في الحساب أو أيّ غلط ماديّ تسرّب إلى الحكم.
  ب- شرح جزء معيّن من الحكم.
  ج- إصدار حكم تحكيميّ في جزء من الطّلب وقع السّهو عنه في الحكم.

و تصدر هيئة التّحكيم الحكم خلال ثلاثين يوما من تاريخ تعّهدها بالطّلب إذا كان حكما إصلاحيّا أو تفسيريّا و خلال ستّين يوما إذا كان حكما تكميليّا. و يجوز لها التّمديد عند الاقتضاء في أجل إصدار حكم الشّرح أو الحكم التّكميلي.

  3- يكون الحكم الصّادر في إحدى الصّور المبيّنة بهذا الفصل جزءا لا يتجزأ من الحكم الأصلي». 

و بالمقارنة مع أحكام التّحكيم الدّاخلي، نلاحظ أنّ المشرّع منع – في إطار الفصل 36م.ت – الأطراف من استصدار حكم إصلاحي أو تفسيري أو تكميلي في صورتين : أمّا الصّورة الأولى فتتمثّل في حالة التّنفيذ التّلقائي للحكم الأصلي. و أمّا الصّورة الثانية، فهي تلك التي يكون فيها الحكم التّحكيمي قابلا للاستئناف.

و يعدّ إقصاء الدّولة عن نظر مطالب إصلاح حكم التّحكيم أو شرحه أو إتمامه تكريسا لتحرير التّحكيم التّجاري الدّولي من الارتباط الجغرافي و القانوني بسيادة وطنيّة معيّنة، من جهة و من جهة أخرى، إقرار بالولاية القضائيّة الكاملة و المتحرّرة للمحكّم.

و لقد كرّس القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي اختصاص المحكّم بإصلاح و شرح وإتمام حكم التّحكيم و ذلك في المادّة 33 منه، تحت عنوان " تصحيح قرار التّحكيم و تفسيره: قرار التّحكيم الإضافي ".

كما اعتمد نفس هذا الحلّ نظام التّحكيم الخاصّ بلجنة الأمم المتّحدة للقانون التّجاري الدّولي. و ذلك بالفصول التّالية : الفصل 35 المتعلّق بشرح حكم التّحكيم و الفصل 36 المتعلّق بإصلاح الحكم و الفصل 37 المتعلّق بإتمام الحكم.

الفرع الثاني: الفاعليّة الذاتيّة للحكم التّحكيمي

يتمتّع المحتكمون و المحكّمون خلال الإجراءات التّحكيميّة بمجموعة من الحريّات خوّلتهم التّخلّص من تحكّم قانون الدّولة و قضاءها. غير أنّ هذه الحريّة التي تطبع التّحكيم التّجاري الدّولي لن يكون لها أيّ معنى إذا بقي الحكم التّحكيمي مجرّد حبر على ورق. أي إذا لم تكن له جدوى و فاعليّة.

في هذا الإطار، لاحظ جانب من الفقه أنّ فعاليّة القرار التّحكيمي لم تعد تحتاج إلى مزيد من التبيين و التّأكيد . إذ أنّ « السّند التّحكيمي سند قضائي كامل تجتمع لديه ثلاثيّة القوّة الاحتجاجيّة و الإلزاميّة (فقرة أولى) و القوّة التّنفيذيّة ( فقرة ثانية)» .

الفقرة الأولى: القوّة الاحتجاجيّة و الإلزاميّة

إنّ من بين عناصر الفاعليّة الذاتيّة للحكم التّحكيمي القوّة الاحتجاجيّة التي يتمتّع بها. إذ أنّ « القانون يعترف للحكم التّحكيمي بقوّة و فاعليّة يصبح بمقتضاهما حجّة على الخصوم في المسائل التي فصل فيها الحكم» . و لقد أكّد ذلك الفصل 80م.ت الذي نصّ على أنّه « يكون لحكم التّحكيم، من النّفوذ ما نصّت عليه أحكام الفصل 32 من هذه المجلّة و ذلك بقطع النّظر عن البلد الذي صدر فيه». و قد جاء بالفصل 32م.ت ما يلي : « و يكون له – بمجرّد صدوره، نفوذ الأمر المقضيّ به بالنّسبة لموضوع الخلاف الذي بتّ فيه».

من جانب آخر، أكّد جانب من الفقه أنّ حجّية الحكم التّحكيمي « لا تتوقّف على إيداع الحكم التّحكيمي أو على صدور إذن بتنفيذه» .

و يرتّب الفقه أثرين لحجيّة الأمر المقضيّ، أحدهما إيجابي و يتمثّل في إلزام القضاء باحترام الحكم التّحكيمي عند الفصل في دعوى يثار فيها مضمون هذا الحكم كمسألة أوّليّة. أمّا الأثر السّلبي، فيتمثّل في منع إعادة الفصل في نفس الدّعوى المقضيّ فيها بين نفس الخصوم و لذات السّبب . و لقد أكّدت جمعيّة القانون الدّولي في إطار توصياتها الصادرة سنة 2006 إلزاميّة هذين الأثرين في التّحكيم التّجاري الدّولي .

و يستمدّ الحكم التّحكيمي إلزامه من مصدرين: أمّا المصدر الأوّل، فيتمثّل في الأساس العقدي للتّحكيم. إذ أنّ الأطراف، باختيارهم للتّحكيم و المحكّم لفضّ نزاعهم يكونون قد التزموا مسبقا بالنّزول على رأيه. أمّا المصدر الثاني، فهو الإلزام القانوني للحكم التّحكيمي الذي ينتج عن الطبيعة القضائيّة للتّحكيم .

الفقرة الثانية: القوّة التّنفيذيّة

إنّ القوّة التنفيذيّة تمثّل عنصرا هامّا من عناصر الفاعليّة الذاتيّة للحكم التّحكيمي. فالتّنفيذ يحقّق للحكم التّحكيمي "فاعليّة عمليّة ماديّة" .

غير أنّ اكتساب الحكم التّحكيمي لصفة السّند التّنفيذي مسألة حياديّة إذ أنّها تتعلّق بالتّنفيذ الذي يمثّل عملا مرفقيّا يستقلّ عن وظيفة الحكم و يدخل في إطار ولاية التّنفيذ التي يستقلّ بها قاضي الدّولة باعتباره عضوا عموميّا و يفتقر لها المحكّم باعتباره من الخواصّ . إذ أنّ « القوّة التّنفيذيّة ليست من طبيعة السّند ذاته و إنّما هي وصف يضاف له بالشروط التي يحدّدها القانون» .

و لقد نصّ الفصل 80-1م.ت على أنّ الحكم التّحكيمي « ينفّذ بناء على طلب كتابي يقدّم إلى محكمة الاستئناف بتونس». و قد عبّر جانب من الفقه عن أنّ إجراءات الحصول على إذن بالتّنفيذ على غاية من البساطة . و يرجع جانب آخر من الفقه سهولة تنفيذ القرارات التّحكيميّة إلى انتشار اتّفاقيّة نيويورك لسنة 1958 حتّى أنّه أصبح يمكن القول أنّ قاضي الدّولة يمثّل "موزّعا آليّا" لأوامر تنفيذ القرارات التّحكيميّة .

و قد نصّت المادّة الثالثة من اتّفاقيّة نيويورك لسنة 1958 على أنّه :« تعترف كلّ دولة متعاقدة بحجّية الحكم التّحكيمي و تكسيه بالصّيغة التّنفيذيّة حسب قواعد الإجراءات المعمول بها في الدّولة المطلوب التنفيذ فيها و بالشّروط المنصوص عليها بالفصول التالية. و لا يفرض لأجل الاعتراف و التنفيذ، على الأحكام المشمولة بنظر هذه الاتّفاقيّة، أيّ شروط أكثر صرامة أو تكاليف أكبر من تلك المتعلّقة بالاعتراف و تنفيذ الأحكام التّحكيميّة الوطنيّة».

و قد ذهب فقه القضاء الأمريكي و الفرنسي و البلجيكي استنادا إلى السيادة المستقلّة و الشاملة للتّحكيم ليكرّس الفاعليّة الذاتيّة المطلقة للحكم التّحكيمي، « عندما يجعل إلزامه و نفاذه في ذاته و من ذاته و ليس من مصادقة بلد صدوره أو حتّى من وضع الصّيغة التّنفيذيّة لهذا البلد أو لبلد التّنفيذ عليه» .

من جهة أخرى، يرى جانب من الفقه أنّ قضاء الدّولة قلّص إلى حدّ كبير نظام حصانة التّنفيذ. إذ أنّه، إذا كان إبرام الدّولة لاتّفاقيّة تحكيم يعني تنازلها عن حصانة التّقاضي فإنّه و منذ سنة 2000 أصبح يعني أيضا تنازلا عن حصانة التنفيذ. و يمكن أن يكون هذا التّنازل ضمنيّا أو صريحا .


الفصل الثاني:حدود التّحرّر من قضاء الدّولة

يمثّل التّحرّر من قضاء الدّولة ركيزة أساسيّة للتّحرّريّة في التّحكيم التجاري الدّولي. غير أنّ هذا التحرّر لا يمكن أن يكون مطلقا. إذ يسمح لقاضي الدّولة بالتّدخّل في التّحكيم الدّولي لتحقيق غايتين : أمّا الغاية الأولى، فتتمثّل في المساعدة. أي مساعدة الأطراف في تكوين هيئة التّحكيم و مساعدة هيئة التّحكيم في مجال الوسائل الوقتيّة و التحفّظيّة. أمّا الغاية الثانية، فهي حمائيّة، يكون الهدف منها ضمان فاعليّة حكم التّحكيم من خلال عمليّة المراقبة.

تبعا لذلك، يمكن أن نستنتج أنّ تدخّل القاضي الوطني في مجال التّحكيم التّجاري الدّولي يمكن أن يكون في إطار الحدود الإراديّة للتحرّر من قضاء الدّولة أي التدخّل المساعد ( الباب الأوّل ) كما يمكن أن يكون في إطار الحدود اللاإرادية للتحرّر من قضاء الدّولة أي التدخّل الرّقابي ( الباب الثاني ).

الباب الأول: الحدود الإراديّة للتّحرّر من قضاء الدّولة: التدخّل المساعد

إنّ التدخّل المساعد لقضاء الدّولة في مجال التّحكيم التّجاري الدّولي يرتكز على محورين : المساعدة في تكوين هيئة التّحكيم ( الفرع الأوّل ) و المساعدة على التّنفيذ ( الفرع الثاني ).

الفرع الأوّل : المساعدة في تكوين هيئة التّحكيم

إنّ رفع عوائق تكوين هيئة التّحكيم ( فقرة أولى ) و تدخّل القضاء لتجاوز تكوينها المختلّ ( فقرة ثانية )يمثّلان أساس المساعدة القضائيّة في مجال تكوين هيئة التّحكيم. و يتميّز هذا التدخّل القضائي بطابعه العارض و غير المباشر . و قد نظّمه المشرّع في إطار الفصول 56، 58 و 59م.ت.

فقرة 1: رفع عوائق تكوين هيئة التحكيم

قد تعترض تكوين هيئة التّحكيم عدّة عوائق تحول دون إتمامها. في هذه الحالة، يمكن للطّرف الأحرص أن يلتجأ إلى قضاء الدّولة لمساعدته على رفع عوائق التكوين. بالنّسبة للتّحكيم الدّولي، أوكل المشرّع هذه المهمّة إلى الرّئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس.

و قد نظّم المشرّع تدخّل قضاء الدّولة في مسألة رفع عوائق التّكوين ضمن الفصل 56م.ت في فقرته الثالثة التي نصّ بها على أنّ « أ-...و إذا لم يقم أحد الأطراف بتعيين المحكّم خلال ثلاثين يوما من تسلّمه طلبا بذلك من الطرف الآخر، أو إذا لم يتّفق المحكّمان على المحكّم الثالث خلال ثلاثين يوما من تعيينهما وجب أن يقوم بتعيينه، بناء على طلب أحد الأطراف الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس بقرار استعجالي. ب- إذا كان التّحكيم بمحكّم فرد، و لم يستطع الأطراف الاتّفاق على المحكّم وجب أن يقوم بتعيينه، بناء على طلب أحد الأطراف، الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس بقرار استعجالي».

و لقد أكّد فقه القضاء أنّ « أحكام الفصل 56 من مجلّة التّحكيم التي تمنح الاختصاص في تعيين المحكّم عند عدم اتّفاق الأطراف على ذلك إلى الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس أحكام آمرة تهمّ النّظام العامّ».

إنّ مهمّة الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس واضحة و دقيقة في وجوب تعيين المحكّم عند غياب اتّفاق الأطراف على إجراءات التّعيين. و هو « ما من شأنه أن يقطع على الأطراف المناورين احتيالهم». و ذلك على عكس مهمّته في صورة وجود اتّفاق بين الأطراف على إجراءات التعيين. ذلك أنّ المشرّع استعمل ضمن الفصل 56م.ت فقرة رابعة« عبارة تقبل أكثر من تأويل» و هي "إجراء اللاّزم". حيث جاء بنصّ الفصل 56-4 م.ت أنّه :« إذا اتّفق الأطراف على إجراءات التّعيين و لم ينصّوا في الاتّفاقيّة على وسيلة أخرى لضمان التعيين فإنّه يجوز لأيّ منهم أن يطلب من الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس اتّخاذ الإجراء اللاّزم بقرار استعجالي و ذلك في إحدى الصّور التالية : أ- إذا لم يتصرّف أحد الأطراف وفقا لما تقتضيه هذه الإجراءات. ب- إذا لم يتمكّن الأطراف أو المحكّمان من التّوصّل إلى اتّفاق مطلوب منهما وفقا لهذه الإجراءات. ج- إذا لم تقم الجهة، -و إن كانت مؤسّسة- بأداء أيّ مهمّة موكولة إليها في هذه الإجراءات».

و يرى جانب من الفقه أنّ "إجراء اللاّزم" بالنّسبة للرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس يتمثّل أساسا في دعوة الطرف الرّافض إلى الوفاء بالتزامه. و في صورة عدم اتّفاق الأطراف على المحكّم الفرد أو المحكّمان على المحكّم الثالث فإنّ للرّئيس الأوّل أن يحاول تقريب وجهات النّظر و جعل الأطراف تتّفق بشأن المحكّم الذي يقع تعيينه في جلسة واحدة. كما يجب عليه إجبار مؤسّسة التّحكيم أو الطرف الأجنبي على القيام بالتزامه.

فقرة2: تدخل قضاء الدولة لتجاوز التكوين المختل لهيئة التحكيم

لا يعدّ تدخّل قضاء الدّولة لتجاوز التكوين المختلّ لهيئة التّحكيم انتقاصا من التحررية التي يتمتّع بها الأطراف و التي تميّز التّحكيم التجاري الدّولي. بل على العكس من ذلك، فهذا التدخّل يعكس حرص المشرّع على ضمان أكثر نجاعة لاتّفاقيّة التّحكيم و حسن سير إجراءاته.

و يمكن حصر الإخلالات التي تطرأ على تكوين هيئة التّحكيم في حالتين : الحالة الأولى تتعلّق بالتّجريح في المحكّم (أ) أمّا الحالة الثانية فتتعلّق بعزل المحكّم (ب).



أ/ التجريح في المحكم

يمثّل التّجريح في المحكّم مسألة هامّة و خطيرة لما« تحتويه من خدش في أمانة المحكّم و نزاهته و هو أمر من شأنه النّيل من مصداقيّة مؤسّسة التّحكيم ذاتها».

و لقد نظّم المشرّع التّجريح في الفصلين 57 و 58م.ت. إذ أوجب ضمن الفقرة الأولى من الفصل 57م.ت على الشّخص الذي يعرض عليه احتمال تعيينه محكّما أن يحيط الأطراف علما بكلّ الأسباب التي قد تثير شكوكا مبرّرة حول حياده أو استقلاليّته.

و في مقابل ذلك، نصّت الفقرة الثانية من نفس الفصل على أنّه :« لا يجوز التّجريح في المحكّم إلاّ إذا وجدت أسباب من شأنها أن تثير شكوكا لها ما يبرّرها حول حياده أو استقلاليّته أو إذا لم تتوفّر فيه المؤهّلات التي اتّفق عليها الأطراف. و لا يجوز لأيّ من أطراف النّزاع التّجريح في محكّم عيّنه أو اشترك في تعيينه إلاّ لأسباب تبيّنها بعد أن تمّ التّعيين».

من جهة أخرى ، منح المشرّع صلب الفصل 58-1م.ت الأطراف حريّة الاتّفاق على إجراءات التّجريح في المحكّم. أمّا في صورة غياب مثل هذا الاتّفاق بين الأطراف فإنّ الطّرف الذي يعتزم التّجريح ينبغي عليه حسب أحكام الفقرة الثانية من نفس الفصل أن يعرض أسباب التّجريح كتابة على هيئة التّحكيم خلال خمسة عشر يوما من تاريخ علمه بتأليفها أو من تاريخ علمه بأيّ سبب من الأسباب المشار إليها بالفقرة 2 من الفصل 57م.ت.

و يؤكّد مضمون الفقرتين الأولى و الثانية للفصل 58م.ت الطابع العارض و غير المباشر لتدخّل قاضي الدّولة. ذلك أنّ عمليّة التّجريح في المحكّم يمكن أن تثار و تفصل دون اللّجوء إلى القضاء باتّفاق الأطراف أو بتخلّي المحكّم المجرّح فيه. و بذلك يكون الفصل 58م.ت قد أتاح للأطراف فرصة الاتّفاق على إجراءات التّجريح فيما بينها. وذلك على عكس الفصل 22م.ت المتعلّق بالتّحكيم الدّاخلي و الذي خصّ المحكمة الابتدائية التي يوجد بدائرتها مقرّ التّحكيم بالنّظر في التّجريح دون سواها.

و قد جاء بالفقرة الثالثة من الفصل 58م.ت أنّه: « إذا لم يتخلّ المحكّم المجرّح فيه أو لم يوافق الطّرف الآخر على طلب التجريح فللقائم بالتّجريح أن يطلب من محكمة الاستئناف بتونس خلال خمسة و أربعين يوما من العرض المنصوص عليه بالفقرة 2 المتقدّمة – النّظر في التجريح – و يكون الحكم الصادر في الموضوع غير قابل لأيّ وجه من أوجه الطعن...».

و بالتّالي، فإنّ اللّجوء إلى محكمة الاستئناف بتونس للبتّ في مسألة التجريح في المحكّم هو بمثابة ذلك الحلّ الأخير الذي يلجأ إليه الطرف المتضرّر بعد أن استنفذ جميع الوسائل القانونيّة المتاحة لديه.

أمّا إذا كان التّحكيم بواسطة مؤسّسة تحكيم فإنّ التّجريح في المحكّم في هذه الحالة يتمّ حسب نظام مؤسّسة التّحكيم المعيّنة.

كما جاء بالفقرة الرّابعة من الفصل 58م.ت أنّه : « إذا أسندت إجراءات التّحكيم التي اتّفق عليها الأطراف البتّ في التّجريح لمؤسّسة معيّنة فعلى المحكمة رفض النّظر فيه». 

ب/ عزل المحكم

قد يصبح عزل المحكّم أمرا ضروريّا لضمان نجاعة و فعاليّة اتّفاقيّة التّحكيم. ذلك أنّ المحكّم قد يخلّ إخلالا فاحشا بقواعد و قيم نظام القاضي المحكّم. فيكون عزله جزاءا له و تداركا لوضع مضرّ بالأطراف.

و قد نصّ على حقّ طلب عزل المحكّم الفصل 59م.ت إذ نصّ على ما يلي: « 1- إذا أصبح المحكّم غير قادر بحكم القانون أو بحكم الواقع على أداء مهمّته أو تخلّف عن القيام بها في أجل ثلاثين يوما فإنّ هذه المهمّة تنتهي بتخلّيه عنها أو باتّفاق الأطراف على إنهائها. أمّا إذا بقي هناك خلاف حول سبب من هذه الأسباب فلأحد الأطراف أن يطلب من الرئيس الأوّل من محكمة الاستئناف بتونس أن يفصل في موضوع عزل المحكّم، بقرار استعجالي غير قابل لأيّ وجه من أوجه الطعن. و إذا كان تعيين المحكّم قد تمّ وفقا لنظام مؤسّسة تحكيم فالنّظر في عزله يتمّ طبقا لنظام تلك المؤسّسة ».

إنّ ما يمكن أن نستنتجه من أحكام الفصل 59م.ت هو أنّ المشرّع حصر أسباب عزل المحكّم في أسباب ثلاثة و هي : - إذا أصبح المحكّم غير قادر بحكم القانون - إذا أصبح المحكّم غير قادر بحكم الواقع - إذا تخلّف المحكّم عن القيام بمهمّته في أجل ثلاثين يوما.

و من جهة أخرى، سمح المشرّع للأطراف بأن تتّفق بشأن إجراءات العزل. و هو نفس الموقف الذي اتّخذه بالنّسبة للتّحكيم الدّاخلي بالفصل 21م.ت.

إنّ تدخّل الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس لا يمثّل سوى ذلك الحلّ الأخير و البديل الذي يتمّ الالتجاء إليه عند عدم تخلّي المحكّم المخلّ بواجباته عن مهمّته و لم يتوصّل الأطراف إلى اتّفاق بشأن عزله. و هو ما يؤكّد الطابع العارض و غير المباشر لتدخّل قضاء الدّولة في مسألة عزل المحكّم. كما يؤكّد، من جهة أخرى، دور قاضي الدّولة في دعم فعاليّة التّحكيم التّجاري الدّولي و نجاعته.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ طلب عزل المحكّم يخرج عن مرجع نظر قاضي الدّولة إذا كان التّحكيم مؤسّسيّا. فتتولّى مؤسّسة التّحكيم المعنيّة النّظر في المسألة طبق نظامها الخاصّ. و هو ما يدعّم الطابع العارض لتدخّل القضاء المساعد.

الفرع الثاني= المساعدة على التنفيذ

قد يلتجأ المحكّمون و المحتكمون إلى قاضي الدّولة لطلب المساعدة على التّنفيذ. يعود ذلك أساسا لفقدان المحكّم سلطة إنفاذ أحكامهImperium . في هذا الإطار، سمح المشرّع للأطراف أن يطلبوا من القاضي اتّخاذ القرارات الوقتيّة و التّحفظيّة ( فقرة أولى ) كما يمكن لهيئة التّحكيم أن تطلب المساعدة في مجال إنفاذ القرارات الوقتيّة و التّحفظيّة (فقرة ثانية ). بالإضافة إلى ذلك، يجوز لهيئة التّحكيم و الأطراف بموافقتها طلب المساعدة في مجال الإثبات ( فقرة ثالثة ).

فقرة1: اتخاذ القرارات الوقتية و التحفظية

يجوز لأطراف النّزاع التّحكيمي أن يلتجئوا لقضاء الدّولة لطلب اتّخاذ إجراء وقتي أو تحفّظي. و ينصّ على هذه الإمكانيّة الفصل 54م.ت الذي جاء فيه أنّه : « لا يعتبر مناقضا لاتّفاقيّة التحكيم أن يطلب أحد الأطراف قبل بدء إجراءات التّحكيم أو أثناءها من القاضي الاستعجالي أن يتّخذ إجراءا وقائيّا مؤقّتا. و للقاضي أن يتّخذ وسيلة وقتيّة بناء على هذا الطلب».

و الإجراء الوقتيّ هو الذي يتميّز بصبغته غير النّهائيّة و بقابليّته للمراجعة و الرّجوع فيه. فالقرارات الوقتيّة و التحفظيّة التي يمكن لقضاء الدّولة اتّخاذها بطلب من أحد أطراف الخصومة التّحكيميّة هي قرارات استعجاليّة توفّر حماية مؤقّتة لظاهر الحقوق دون الحسم في وجودها أو عدمه. و ذلك إلى أن يبتّ المحكّم في أصل النّزاع.

عمليّا، يلتجأ أحد الأطراف إلى قضاء الدّولة مطالبا بتوفير حماية سريعة و عاجلة لحقّه المهدّد بالضّياع و التّلاشي. و بما أنّ الإجراء الوقتيّ أو التحفّظي يتميّز بطابعه الاستعجالي، فهو يفترض أن يتمّ اتّخاذه بسرعة و في زمن وجيز لا تتاح فيه للأطراف الفرصة الكافية لإبراز حججهم الواقعيّة و القانونيّة. و بالتّالي، وجب أن تتجسّم الحماية المؤقّتة في قرار يكتسي بدوره حجيّة نسبيّة.

من جهة أخرى، فإنّ إقرار اختصاص قضاء الدّولة بتلك الوسائل لا يعني التنازل عن اتّفاقيّة التّحكيم في شأن الاختصاص التّحكيمي بأصل النّزاع. فهيئة التّحكيم هي التي تختصّ اقصائيّا بالبتّ في النّزاع موضوع اتّفاقيّة التّحكيم مادامت الاتّفاقيّة صحيحة نافذة و منتجة لكامل آثارها القانونيّة و مادام موضوع النّزاع متطابقا مع مقتضيات الفصل السّابع من مجلّة التّحكيم.

بناءا على ما سبق، فإنّه لا يجوز لقضاء الدّولة عند اتّخاذه لقرار وقتيّ أو تحفّظي أن يبتّ في أصل الحقّ المتنازع فيه و لا أن يتّخذ قرارات من شأنها أن تقيم وضعا نهائيّا لا رجعة فيه.

في هذا الإطار، نصّ الفصل 26 من النّظام التّحكيمي الخاصّ باليونسيترال أنّ :« طلب أحد الأطراف من السّلطة القضائيّة اتّخاذ إجراء وقتيّ أو تحفّظي لا يجب أن يعتبر مناقضا لاتّفاقيّة التّحكيم كما لا يعتبر تنازلا عنها».

من جهة أخرى، فإنّ الإجراء الوقتيّ أو التحفّظي الذي اتّخذه قاضي الدّولة لا يقبل المراجعة إلاّ من قبل الجهة القضائيّة المكلّفة قانونا بتسليط الرّقابة على الحكم التّحكيمي و ذلك في إطار طعن في القرار التّحكيمي النّهائي.

فقرة2: المساعدة القضائية في مجال إنفاذ القرارات الوقتية و التحفظية

إنّ التدخّل المساعد لقضاء الدّولة في مجال الإجراءات الوقتيّة و التحفظيّة لا يقف عند حدّ اتّخاذ هذه الإجراءات بطلب من أحد أطراف النّزاع التّحكيمي الدّولي. بل إنّ هذا التدخّل يمتدّ ليدعم هيئة التّحكيم في تنفيذ ما اتّخذته من وسائل وقتيّة و تحفظيّة.

و قد نصّ الفصل 62م.ت على أنّه : « يجوز لهيئة التّحكيم – بناء على طلب أحد الأطراف – أن تأذن بما تراه ضروريّا من الوسائل الوقتيّة أو التحفظيّة، ما لم يتّفق الأطراف على خلاف ذلك. و إذا لم يمتثل الطرف المعنيّ بالأمر للإذن المذكور جاز لهيئة التّحكيم أن تطلب المساعدة على ذلك من الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف بتونس. و في كلتا الحالتين يمكن لهيئة التّحكيم أو للقاضي إلزام أيّ طرف بدفع تسبقة من المصاريف التي يستلزمها هذا الإجراء ».

و يعود استنجاد المحكّم بقضاء الدّولة لمساعدته على إنفاذ قراراته الوقتيّة أو التحفّظيّة إلى عاملين متكاملين و هما : محدوديّة ولاية المحكّم و خروج بعض المسائل عن الولاية التّحكيميّة.

بالنّسبة لمحدوديّة الولاية، أي مدى أهليّة المحكّم في اتّخاذ الإجراء التّحفّظي أو الوقتي و إنفاذه من ذاته و بوسائله الخاصّة، نلاحظ أنّ المحكّم و لئن كان بإمكانه اتّخاذ الوسيلة الوقتيّة أو التحفّظيّة فإنّه لا يمكنه إنفاذها. و ذلك كلّما كانت هذه الوسيلة تتطلّب ممارسة الجبر القانوني الذي يفتقر إليه المحكّم أو يكون الإجراء الوقتيّ أو التحفّظيّ موقوفا على إرادة غير المحتكمين الذين لا سلطة للمحكّم عليهم.

أمّا بالنّسبة لخروج بعض المسائل عن الولاية التّحكيميّة، فإنّ ولاية التّنفيذ ليست عنصرا من عناصر الولاية التّحكيميّة. ذلك أنّ التّنفيذ بصورة عامّة يهمّ النّظام العامّ. و هو بالتّالي خارج عن الولاية التّحكيميّة على معنى الفقرة الأولى من الفصل السّابع من مجلّة التّحكيم لاتّصاله بسيادة الدّولة و بنظامها العامّ الدّولي. و قد نصّ الفصل 8م.ق.د.خ في فقرته الرّابعة على أنّه : « تختصّ المحاكم التونسيّة دون سواها : 4- إذا كان موضوع الدعوى طلب إجراء تحفّظي أو تنفيذي بالبلاد التونسيّة و يستهدف مالا موجودا بها».

إنّ اتّخاذ المحكّم، في التّحكيم الدّولي، لإجراءات وقتيّة و تحفّظيّة يساعده على تنفيذها قاضي الدّولة يعكس صورة العلاقة الجديدة بين التّحكيم و قضاء الدّولة. و التي يرى جانب من الفقه أنّها علاقة تكامل و تعاون.

فقرة3: المساعدة في مجال الإثبات

قد يضطرّ المحكّم أو الأطراف لطلب المساعدة من قضاء الدّولة في مجال الإثبات. و نظرا لأهميّة هذا المجال و تأثيره المباشر على مآل الحكم التّحكيمي، فقد أجاز المشرّع مثل هذا التّدخّل لقضاء الدّولة في التّحكيم الدّولي.

و ينصّ الفصل 72م.ت على أنّه : « يجوز لهيئة التّحكيم أو لأيّ طرف بموافقتها طلب المساعدة من محكمة مختصّة للحصول على أدلّة. و يجوز لهذه المحكمة الاستجابة للطّلب في حدود اختصاصها و وفقا للقواعد المقبولة لديها في الحصول على الأدلّة».

و يرى جانب من الفقه أنّ الفصل 72م.ت يسمح للمحكّم، أثناء تسييره للإجراءات، بحريّة اختيار تطبيق النّظام الاتّهامي أو التّحقيقي أو نظام مختلط بينهما. شأنه في ذلك شأن القانون النّموذجي للتّحكيم التّجاري الدّولي الذي تنصّ المادة 28 منه تحت عنوان " المساعدة المقدّمة من المحاكم للحصول على أدلّة " على أنّه : « في إجراءات التّحكيم، يجوز لهيئة التّحكيم أو لأيّ من الطرفين، بموافقة الهيئة طلب المساعدة من محكمة مختصّة في هذه الدّولة للحصول على أدلّة. و يجوز للمحكمة أن تنفّذ الطلب في حدود سلطتها و وفقا لقواعدها الخاصّة بالحصول على الأدلّة».

و يمكن أن يصدر طلب المساعدة في مجال الإثبات، حسب أحكام الفصل 72م.ت، إمّا عن هيئة التّحكيم أو عن الأطراف. و إذا كانت هيئة التّحكيم حرّة في طلب مثل هذه المساعدة فإنّ حريّة الأطراف مقيّدة و موقوفة على موافقة الهيئة. و يعكس توقّف طلب الأطراف للمساعدة في مجال الإثبات من القضاء على موافقة هيئة التّحكيم حرص المشرّع على استقلاليّة الإجراءات التّحكيميّة و الخشية من تحوّل طلب المساعدة إلى تعهّد بالنّزاع في ذاته من قبل المحكمة.

و بالتّالي يمكن أن نستنتج أنّ هذا التّدخّل القضائي في التّحكيم هو تدخّل مبنيّ على إرادة هيئة التّحكيم ذاتها أو أطراف النّزاع التّحكيمي. و يأتي هذا التّدخّل المساعد في مجال الإثبات لتغطية فقدان المحكّم لسلطة الجبر القانوني و دعم مؤسّسته.

و يتمثّل مضمون هذه المساعدة القضائيّة في مساعدة هيئة التّحكيم على إدارة " معركة الإثبات"، خاصّة بتوجيه أوامر للخصوم و الغير الأجنبي عن النّزاع لتقديم حجّة أو دليل. و لم يقيّد المشرّع هذه المساعدة القضائيّة بشكل أو صيغة معيّنة مراعاة لتعدّد الفرضيّات و الصّور.

الباب الثاني= الحدود اللاإرادية للتحرر من قضاء الدولة: التدخل الرقابي

إلى جانب الحدود الإراديّة للتّحرّر من قضاء الدّولة و المتمثّلة أساسا في التدخّل المساعد نجد حدودا لا إراديّة ترتكز على التدخّل الرقابي. و هو تدخّل خطير نظرا لما يمكن أن يؤدّي إليه من نتائج خطيرة تتمثّل أساسا في دحض عمل المحكّم بإبطال حكمه. غير أنّ خصائص الرقابة (الفرع الأوّل) و نطاقها (الفرع الثاني) يحدّ من خطورة هذا التدخّل.


الفرع الأول= خصائص الرقابة

يمكن أن نتبيّن خصائص رقابة قضاء الدّولة على التّحكيم التجاري الدّولي من خلال التّعرّض لمسألة تقلّص طرق الطعن ( فقرة أولى ) و طبيعة الرّقابة ( فقرة ثانية ) ذاتها.

فقرة أولى : تقلّص طرق الطعن

عملت مختلف التّشريعات الحديثة المتعلّقة بالتّحكيم إلى ضمان تحرّر المحكّم و احترام عمله القضائي، باعتباره قاض خاصّ. في هذا الإطار، قلّصت قوانين التّحكيم الحديثة طرق الطّعن. بل و تجاوزت ذلك إلى تكريس نظام طعن خاصّ بالقرارات التّحكيميّة يتلاءم و طبيعة التّحكيم ذاته.

في هذا الإطار، ينصّ الفصل السّابع من القانون النّموذجي المعنون ب" الطّعن في قرار التّحكيم" ضمن مادّته الرابعة و الثلاثون المعنونة ب" طلب الإلغاء كطريقة وحيدة للطعن في قرار التّحكيم"، أنّه « لا يجوز الطعن في قرار التّحكيم أمام إحدى المحاكم، إلاّ بطلب إلغاء يقدّم وفقا للفقرتين 2 و 3 من هذه المادّة».

و هو نفس ما أقرّته الفقرة الأولى من الفصل 78م.ت التي وردت في عبارات مشابهة إلى حدّ التطابق و القانون النّموذجي، إذ تنصّ على أنّه « لا يجوز الطعن في حكم التّحكيم إلاّ بطريق الإبطال».

فالقرار التّحكيمي الدّولي لا يقبل سوى طريقة طعن واحدة و هي الطعن بالإبطال. إذ تخلّى المشرّع في التّحكيم الدّولي عن باقي طرق الطّعن المعهودة في ميدان الإجراءات القضائيّة العاديّة. فقد أقصى المشرّع إمكانيّة الطعن بالتماس إعادة النّظر من قبل أحد الأطراف حتّى و لو وجد زور أو ثبتت خديعة من الخصم أو ظفر بحجّة قاطعة للدّعوى كانت محجوبة بفعل الخصم، على معنى الفصل 156م.م.م.ت، كما يقصي المشرّع كذلك في التّحكيم الدّولي اعتراض الغير على معنى الفصل 168م.م.م.ت و لو أضرّ حكم التّحكيم بحقوقه، و مهما كانت درجة جسامة ذلك الضّرر.

في مقابل إقصاء طرق الطعن غير العادية عندما يكون التّحكيم دوليّا، أقرّ المشرّع صراحة بالنّسبة للتّحكيم الدّاخلي ضمن الفصل 41م.ت أنّه « يجوز الطعن في أحكام هيئة التّحكيم بالاعتراض من الغير على أن يرفع إلى محكمة الاستئناف التي صدر بدائرتها الحكم».

كما أقصى المشرّع إمكانيّة استئناف الحكم التّحكيمي في التّحكيم الدّولي. و ذلك على خلاف التّحكيم الدّاخلي. ذلك أنّ الفصل 39م.ت، و لئن أقرّ مبدأ عدم جواز الاستئناف فإنّه أورد عليه استثناءا يتمثّل في اتّفاق الأطراف على اعتماده صلب اتّفاقيّة التّحكيم.

و يتطابق خيار المشرّع التونسي مع ما هو مقرّر في أغلب التّشريعات في العالم. حيث جاء بالفصل 1704 من قانون الإجراءات المدنيّة البلجيكي أنّ « القرار التّحكيمي لا يمكن الطعن فيه أمام قضاء الدرجة الأولى إلاّ بطريق الإبطال و لا يمكن إبطاله إلاّ في الحالات المنصوص عليها بهذا الفصل...».

و هو شأن الفصل 947 من مجلّة الإجراءات المدنيّة للكيبيك –كندا- الذي ينصّ على أنّ : « طلب إبطال القرار التّحكيمي هو الطعن الوحيد الممكن ضدّه».

و لقد اعتبر جانب من الفقه الحديث أنّ تخصيص المشرّع لفصل وحيد – الفصل 78م.ت – للطعن في حكم التّحكيم الدّولي، هو خيار ربّما كانت وراءه اعتبارات " بسيكولوجيّة " تتمثّل في الرّغبة في إظهار أنّ الطعن هو أمر استثنائي و أنّه ليس الأصل في الأمور .

بالإضافة إلى ذلك، أجاز المشرّع التّنازل عن الطعن بالإبطال، إذ جاء بالفصل 78-6م.ت أنّه : « يجوز للأطراف الذين ليس لهم بتونس مقرّ أو محلّ إقامة أصليّ أو محلّ عمل أن يتّفقوا صراحة على استبعاد الطعن كليّا أو جزئيّا فيما تصدره هيئة التّحكيم». و هذا ما يجعل الرقابة الخارجيّة عليه شبه معدومة.

فقرة ثانية : طبيعة الرقابة


إنّ اختيار أطراف النّزاع التّجاري الدّولي الالتجاء إلى التّحكيم يعبّر عن رغبتهم في تفادي التّقاضي على درجتين المعمول به في إطار قضاء الدّولة. كما يعبّر هذا الاختيار عن ثقة في اجتهاد المحكّم و عمله على حلّ النّزاع.

و قد عملت التّشريعات الحديثة المتعلّقة بالتّحكيم على تحصين الحكم التّحكيمي خاصّة في إطار التّحكيم الدّولي. و يكاد يكون هناك إجماع فقهي و فقه قضائي حول الطّابع الشكلي و الظّاهري للرّقابة القضائيّة على الحكم التّحكيمي.

و لقد درج فقه القضاء التّونسي منذ صدور مجلّة التّحكيم على اعتبار رقابة الإبطال التي كرّسها المشرّع صلب الفصل 78م.ت في خصوص التّحكيم الدّولي، إنّما هي طريقة خاصّة بنظام القضاء التّحكيمي و لا تتلاءم مع التّقاضي على درجتين و الطعن بالاستئناف. كما تخرج عن نظام الرّقابة القانونيّة للطعن بالتّعقيب باعتبارها رقابة على حكم التّحكيم و ليست رقابة على قضاء المحكمة التّحكيميّة كما أنّها رقابة مقيّدة بأسباب حصريّة. إذ يتبيّن من الفصل 78م.ت أنّ أسباب طلب إبطال القرار التّحكيمي و على غرار ما ثبت من خلال استقراء القانون الوضعي الدّولي و الدّاخلي المقارن تنحصر في مسائل شكليّة إجرائيّة قوامها  :

  - سلامة انعقاد ولاية المحكّم على موضوع التّحكيم.
  - سلامة تكوين هيئة التّحكيم.
  - حرمة الإجراءات الضامنة لحقّ الدّفاع.
  - حرمة النّظام العام.

تأكيدا لهذا الموقف، اعتبر جانب من الفقه أنّ المراقبة المعمّقة للقرار التّحكيمي لا تتلاءم و منع المراجعة من حيث الأصل، التي أصبحت تعتبر خاصيّة أساسيّة في مجال مراقبة الأحكام التّحكيميّة في طور الإبطال أو الاعتراف و التّنفيذ. و قد أكّد الفقيه Philippe Fouchard أنّ المراجعة من حيث الأصل ممنوعة في التّحكيم الدّولي منذ 1914. من جانب آخر، يرى البعض أنّ السّماح بمراقبة معمّقة للحكم التّحكيمي يوفّر للطرف المحكوم ضدّه سلاحا قويّا و فعّالا لنسف النّتيجة المتوصّل إليها. و بالتّالي فإنّ الأطراف سيجدون أنفسهم إذا في نفس النّقطة التي انطلقوا منها قبل الالتجاء إلى التّحكيم. و ذلك بالإضافة إلى ما سيترتّب عن ذلك من تحمّل لتكاليف التّحكيم.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّه سينتج عن السّماح بالمراقبة المعمّقة للحكم التّحكيمي أنّ الدّولة ستنتهي إلى استرجاع بيد ( المراقبة المعمّقة ) ما أعطته باليد الأخرى ( الاعتراف بالتّحكيميّة ). ذلك أنّ تقليص الدّور الرّقابي لقضاء الدّولة على الحكم التّحكيمي هو نتيجة لتوسّع مجال التّحكيميّة. فالرّقابة المعمّقة تتعارض و الإعتراف بالتّحكيميّة.

ترتيبا على ما سبق بيانه، فإنّه لن يكون مسموحا لقاضي الدّولة بتقييم الطريقة التي عالج بها المحكّم مختلف نقاط النّزاع و لا ما استخلصه من تطبيقه لقواعد القانون. و قد اعتبر فقه القضاء الفرنسي، في قضيّة (socopad c/ champagne céréales) أنّ هيئة التّحكيم ليست ملزمة باتّباع الأطراف في تفاصيل استدلالهم و لا أن تخصّص تعليلا لكلّ حجّة أو لكلّ وثيقة تمّ تقديمها و أنّ ما انتقدته شركة سوكوباد على الحكم التّحكيمي يمسّ بأصل النّزاع بينما تعدّ هذه المراجعة من حيث الأصل ممنوعة على قاضي الإبطال الذي ليس من سلطاته التّثبّت من صحّة أو عدم صحّة الحكم التّحكيمي من حيث الأصل و لا التّأكّد من سلامة الاستدلال و الاستنتاج المنطقيّ للمحكّم و لا صحّة تعليله.

و قد أكّدت محكمة الاستئناف بتونس هذا الطابع الشكلي للرّقابة كمبدأ عام منذ قرارها عدد 25 الصادر بتاريخ 10 فيفري 1998. فقد جاء في هذا القرار : « إنّ محكمة الاستئناف عند انتصابها للنّظر في دعوى إبطال القرارات التّحكيميّة، لا تنتصب كمحكمة استئناف تعيد النّظر في الجوانب الواقعيّة للقضيّة و لا تنظر، كمحكمة التّعقيب في أصل النّزاع و مدى سلامة تأويل هيئة التّحكيم للقانون و تطبيقه، و إنّما تسلّط رقابة شكليّة على القرار الصّادر عن هيئة التّحكيم، فتراقب سلامة تركيب هيئة التّحكيم و مدى احترام قواعد النّظام العام».

و قد واصلت محكمة الاستئناف في نفس هذا المسار و رسّخت الطّابع الشكلي و الظّاهري لرقابة الإبطال. حيث جاء بالقرار الاستئنافي عدد 39 المؤرّخ في 15 جوان 1999 أنّ « نطاق رقابة محكمة الاستئناف على القرارات التّحكيميّة المطعون فيها بالإبطال لا يتعدّى الجوانب الشكليّة و خاصّة منها الإجرائيّة المتعلّقة بتكوين هيئة التّحكيم و بسير الإجراءات... ».

و تأكيدا لهذا الاتّجاه جاء بقرار محكمة الاستئناف بتونس عدد 51 بتاريخ 15 فيفري 2000 أنّه : « و حيث تشير المحكمة بصفة أوّليّة إلى أنّ طلب الإبطال يمنح المحكمة سلطات محدودة بحكم القانون، و لا تتجاوز هذه السلطات حقّها في تسليط رقابة على الجوانب الشكليّة و الإجرائيّة التي سبقت صدوره، و أنّ محكمة الإبطال ليست بمحكمة درجة ثانية، فلا رقابة لها على اجتهاد هيئة التّحكيم في فهم الوقائع و تكييفها و تقديرها و تقدير مدى كفاية وسائل الإثبات أو وجاهتها و كيفيّة تطبيق قواعد العدل و الإنصاف عليها أي أنّ محكمة الإبطال لا تعيد النّظر في الأصل و لا تسلّط رقابتها على اجتهاد محكمة التّحكيم في شأنه و تستثني من ذلك صورة خرق القرار التّحكيمي قواعد النّظام العام، و انطلاقا ممّا تقدّم فإنّ محكمة الاستئناف مطالبة بأن تتأكّد من أنّ هيئة التّحكيم علّلت قرارها باعتبار أنّ وجود التّعليل هو علامة على احترام هيئة التّحكيم لحقّ الدّفاع و لا عبرة بكون التّعليل مقنعا أم لا».

أمّا في القرار الاستئنافي عدد 69 المؤرّخ في 30 جانفي 2001 فقد أكّدت فيه المحكمة أنّ : « المطاعن التي تهمّ الموضوع خارجة عن نطاق المراقبة الشكليّة التي يقوم بها القضاء في إطار الفصل 78 من مجلّة التحكيم. فالأخذ بالمطاعن الموضوعيّة يجعل المحكمة محكمة مراجعة و الحال أنّها محكمة مراقبة ». و هو ما أكّدته ذات المحكمة في قرارها عدد 101 المؤرّخ في 23 أكتوبر 2001.

و لقد دعّمت محكمة التّعقيب هذا النّهج التّحرّري الذي انتهجته محكمة الاستئناف و يتجلّى ذلك خاصّة من خلال قرارها عدد 5139 الصادر بتاريخ 20 فيفري 2001 و قرارها عدد 9534 الصادر في 15 جانفي 2002.

أمّا فيما يخصّ الرّقابة في مرحلة تنفيذ الحكم التّحكيمي فإنّها تعرف أكثر تحرّرا بالنّسبة للمحكّم. إذ أورد المشرّع ضمن الفصل 81م.ت مبدأ مفاده عدم جواز رفض الاعتراف بأيّ حكم تحكيم أو رفض تنفيذه، بقطع النّظر عن البلد الذي صدر فيه إلاّ بالحالات المبيّنة حصرا بنفس الفصل.

و تكون الرّقابة في هذه المرحلة مخفّفة جدّا و أضعف أثرا من رقابة الإبطال. إذ يعبّر عنها جانب من الفقه ب « رقابة مقبوليّة ظاهريّة». أي أن يكون الحلّ الذي توصّل إليه المحكّم غير متعارض مع النّظام العام الدّولي للدّولة. كما أنّ هذه الرّقابة ستنصبّ على الحلّ لا على اجتهاد المحكّم. و هو ما دفع جانبا من الفقه إلى اعتبار قاضي الاكساء بالصّيغة التّنفيذيّة مجرّد " آلة عبور" أو "قاضيا شبحا".

الفرع الثاني : نطاق الرقابة

يمارس قضاء الدّولة رقابته على الحكم التّحكيمي حسب أحكام مجلّة التّحكيم في إحدى مناسبتين : أمّا الأولى فهي عند الطّعن فيه بالإبطال طبق الفصل 78م.ت و أمّا الثانية، فهي عند إجراءات الاعتراف و التّنفيذ طبق الفصل 81م.ت. و في كلتا المناسبتين فإنّ نطاق هاته الرّقابة محدّد و لا يتعدّى الرّقابة المتعلّقة بالنّظام العام ( فقرة أولى ) و الرّقابة المتعلّقة باحترام اتّفاقيّة التّحكيم ( فقرة ثانية ) و الرّقابة على صحّة الإجراءات ( فقرة ثالثة ).


فقرة1: الرقابة المتعلقة باحترام النظام العام

سمح المشرّع لقضاء الدّولة بمراقبة احترام المحكّم للنّظام العامّ سواء عند الطّعن في الحكم التّحكيمي بالإبطال أو بمناسبة إجراءات الاعتراف و الاكساء بالصّيغة التّنفيذيّة. و ذلك في إطار الفصلين 78 و 81 م.ت.

غير أنّ مسألة الرّقابة المتعلّقة بالنّظام العامّ تثير عدّة إشكالات نظريّة و عمليّة. و قد يعود ذلك لغموض مفهوم و طبيعة النّظام العامّ.

و يجوز لمحكمة الاستئناف بتونس إبطال الحكم التّحكيمي الدّولي أو رفض الاعتراف أو رفض الاكساء بالنّسبة لحكم التّحكيم الأجنبي إذا كان الحكم مخالفا للنّظام العامّ " في مفهوم القانون الدّولي الخاصّ".

فما هو النّظام العامّ المقصود بالفصلين 78 و 81 م.ت ؟ هل هو النّظام العامّ الدّاخلي، أي مجموع القواعد القانونيّة الآمرة ؟ أم هو النّظام العامّ الدّولي الحقيقي، الذي يمكن اعتباره، بصفة عامّة، جملة القيم و المبادئ الإنسانيّة المشتركة بين الشّعوب تضاف إليها مبادئ القانون الدّولي الإنساني و بصفة عامّة مبادئ القانون الدّولي و قواعده الماديّة فوق الدّوليّة العابرة ؟ أم المقصود هو النّظام العامّ الدّولي للدّولة ذاتها و الذي يمثّل انعكاسا لمعايير النّظام العامّ الدّاخلي على العلاقات الخاصّة الدّوليّة ؟

في هذا الخصوص، يرى جانب من الفقه أنّه يجب ربط الفصلين 78 و 81 م.ت بالفصل 36 م.ق.د.خ. و ذلك لأنّ المشرّع أوجب احترام النّظام العامّ في مفهوم القانون الدّولي الخاص.

يمكن أن نستنتج من عمليّة الرّبط هذه أنّ المقصود بالنّظام العامّ حسب الفصلين 78 و 81 م.ت ليس النّظام العامّ الدّولي الحقيقي و إنّما هو النّظام العامّ الدّولي للدّولة. أي مجموع الاختيارات الأساسيّة للنّظام القانوني التّونسي.

و يمكن تبرير هذا الحلّ باعتبار و أنّ القاضي الوطني هو حارس النّظام القانوني لدولته. و هو مبدئيّا، ليس معنيّا بالقوانين الأجنبيّة إلاّ في حدود ضيّقة. من جانب آخر، نجد أنّ الهدف الأساسي و الجوهري لرقابة قضاء الدّولة على الحكم التّحكيمي هو التّثبّت من مطابقته للنّظام العامّ للدّولة ( أو عدم التّعارض ) حتّى يتسنّى قبوله و إدماجه في هذا النّظام القانوني. و يمكن القول، بصفة عامّة، أنّ النّظام العامّ هو وسيلة تضمن احترام القواعد و المبادئ الأساسيّة لنظام قانوني معيّن. و لا يمكن للقاضي الوطني مراقبة مدى تطابق حكم التّحكيم الدّولي مع النّظام العامّ لقانون أجنبي إلاّ في حالة مراقبة صحّة اتّفاقيّة التّحكيم طبقا للقانون المختار من قبل الأطراف أو طبقا للقانون الذي تعيّنه قاعدة التّنازع.

إنّ إعمال قاضي الرّقابة للنّظام العامّ الدّولي للدّولة المتميّز بضيق نطاقه مقارنة بالنّظام العامّ الدّاخلي يتلاءم و متطلّبات التّجارة الدّوليّة.

من جهة أخرى، تثير الرّقابة المتعلّقة بالنّظام العامّ مسألة جواز المساس بالأصل. إذ أنّه قد أصبح من المسلّم به أنّ الرّقابة القضائيّة على التّحكيم تتّسم بطابعها الشّكلي، الظّاهريّ و الحيادي.

في هذا الخصوص، أكّدت محكمة الاستئناف بتونس في قرارها عدد101 المؤرّخ في 23 أكتوبر 2001 " أنّ نطاق رقابة محكمة الاستئناف على القرارات التّحكيميّة ينحصر في الجوانب الشّكليّة و خاصّة منها الإجرائيّة المتعلّقة بتكوين هيئة التّحكيم و بسير الإجراءات أمامها إلاّ أنّ المشرّع فتح بابا ضيّقا للرّقابة على أصل الموضوع من خلال حرصه على حماية النّظام العامّ ".

و لقد أكّد جانب من الفقه التّونسي أنّ رّقابة قضاء الدّولة على التّحكيم الدّولي هي رقابة شكليّة صرفة و أنّ القانون و المنطق يقتضيان معا أن يمارس القاضي رقابة تهمّ الأصل في بعض الجوانب.

أمّا في القانون المقارن، فقد ظهر اتجاهان مختلفان من حيث تحديد مضمون الرّقابة المتعلّقة باحترام النّظام العام : بالنّسبة للاتّجاه الأوّل، و هو اتّجاه تضييقي، يحدّ من نطاق الرّقابة القضائيّة على المحكّم فيما يخصّ احترام هذا الأخير للنّظام العامّ. ذلك أنّ هذا الاتّجاه يرفض التّثبّت من صحّة تأويل و تفسير المحكّم للعقد رغم أهميّة و ضرورة ذلك لمعرفة إمكانيّة تطبيق قاعدة النّظام العام من عدمها. و هو بذلك يقرّ رقابة شكليّة ظاهريّة و حياديّة على الحكم التّحكيمي.

أمّا بالنّسبة للاتّجاه الثّاني، فهو اتّجاه توسّعي يعتبر أنّ رقابة احترام هيئة التّحكيم لقواعد النّظام العامّ تفرض على محكمة الاستئناف مراقبة كلّ العناصر و العوامل التي أدّت إلى إعمال قاعدة النّظام العام. بمعنى أنّ قاضي الإبطال يمكنه أن يراقب تأويل و تفسير المحكّم للعقد و تكييفه و فهمه للوقائع.

و يؤكّد جانب هامّ من الفقه أنّ توسّع الرّقابة على احترام المحكّم للنّظام العام هو الفدية التي يجب على التّحكيم تحمّلها مقابل التّحوّل التّحرّريّ للقانون و الذي أدّى إلى توسّع التّحكيميّة.

من جهة أخرى، يرى الفقيه فوشار أنّ « مجال تدخّل النّظام العامّ يمكن أن يمتدّ في الواقع إلى كامل التّحكيم، كما يشمل خرقه مسألة صحّة اتّفاقيّة التّحكيم من حيث شرط الأهليّة و بالخصوص من حيث تحكيميّة النّزاع، كما ينال الإجراءات التّحكيميّة و يطال القرار التّحكيمي ذاته في تعليله و في منطوقه، ثمّ يمتدّ إلى تنفيذه ».

و قد لاحظ جانب من الفقه الفرنسي الحديث أنّ قضاة محكمة الاستئناف بباريس يجدون صعوبة عند محاولتهم التّوفيق بين متضادّين: مراقبة احترام المحكّم للنّظام العامّ و منع المراجعة من حيث الأصل.

فقرة2: الرقابة المتعلقة باحترام اتفاقية التحكيم

إنّ الرّقابة على وجود و صحّة الاتّفاقيّة (أ) و الرّقابة على احترام شروطها (ب) يمثّلان أهمّ محاور رقابة قضاء الدّولة على احترام اتّفاقيّة التّحكيم.

أ/ الرقابة على وجود و صحّة الاتفاقية

إنّ للتّحكيم أساس اتّفاقي تنعدم بدون توافره صحّة و نفاذ الحكم. فلا مجال في القانون التّونسي لما يعرف ب" التّحكيم الإلزامي". ذلك أنّه كلّما انتهى القاضي إلى انعدام اتّفاقيّة التّحكيم سواء كان هذا الانعدام فعليّا، حقيقيّا أو حكميّا ( بطلان)، فعليه أن يقضي ببطلان حكم التّحكيم.

و يستنتج من أحكام الفصلين 78 و 81م.ت أنّ حكم التّحكيم الصّادر عن اتّفاقيّة تحكيم " غير صحيحة " يكون باطلا و لا يجوز الاعتراف به و تنفيذه.

و تعتبر اتّفاقيّة التّحكيم باطلة إذا لم تتوفّر فيها بعض الشّروط. و يمكن تقسيم هاته الشّروط إلى شروط أصليّة يجب أن تتوفّر في كلّ عقد إلى جانب شرط خاصّ باتّفاقيّة التّحكيم.

بالنّسبة للشّروط الأصليّة، تستوجب اتّفاقيّة التّحكيم الأهليّة في أطرافها. و إنّ انعدام الأهليّة المشار إليه بالفصلين 78 و 81م.ت هو عامّ و يشمل الأشخاص الطّبيعيّين و المعنويّين على حدّ سواء. إذ أنّ أشخاص القانون العامّ ليست لهم أهليّة الاتّفاق على التّحكيم إلاّ إذا كانوا يتصرّفون كتجّار. أمّا بالنّسبة للأشخاص الطّبيعيّين فيعتبرون فاقدين للأهليّة إذا لم تتوفّر فيهم أهليّة التصرّف في حقوقهم.

إلى جانب ذلك، يجب أن تتوفّر في اتّفاقيّة التحكيم الشّروط المتعلّقة بوجود الرّضا و التّصريح به تصريحا معتبرا. و أن يكون للاتّفاقيّة موضوع مشروع و سبب جائز.

إلى جانب الشّروط الكلاسيكيّة لصحّة الاتّفاقات، فإنّ اتّفاقيّة التّحكيم تخضع لشرط التّحكيميّة. إذ أنّ موضوع الاتّفاقيّة لا يجب أن يكون متعلّقا بإحدى المسائل المذكورة ضمن الفصل 8م.ت و التي لا يجوز فيها التّحكيم.

ب/ الرقابة على احترام شروط الاتفاقية

يستنتج من أحكام الفصلين 78 و 81م.ت أنّه يمكن إبطال الحكم التّحكيمي أو عدم الاعتراف به أو عدم الإذن بتنفيذه و ذلك لانعدام الأساس الاتّفاقي لاختصاص المحكّم أو إذا اشتمل الحكم على مسائل لم تحتويها اتّفاقيّة التّحكيم.

بالنّسبة لانعدام الأساس الاتّفاقي لاختصاص المحكّم، فإنّ الفصل 61م.ت منح المحكّم أولويّة النظر في مسألة اختصاصه و ذلك من خلال حكم تحكيمي جزئي يكون قابلا للطّعن فيه بالإبطال طبق الفصل 78م.ت و ذلك في بحر ثلاثين يوما من تاريخ إعلامه به.

و لقد ألزم المشرّع ضمن الفقرة الثّالثة من الفصل 61م.ت محكمة الاستئناف بتونس عند نظرها في الحكم الجزئي المتعلّق بالاختصاص أن تبتّ في الموضوع في ظرف لا يتجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم المطلب.

أمّا بالنّسبة لتجاوز المحكّم نطاق نظره فقد لاحظ جانب من الفقه أنّ هذه الصّورة كثيرا ما تطرح في التّطبيق. و هي لا تتعلّق بانتفاء اتّفاقيّة التّحكيم أصلا و إنّما تتعلّق بالمنازعة في نطاقها و مداها. و تتمثّل هذه الفرضيّة في وجود اتّفاق على التّحكيم يشمل عدّة مسائل يطلب الأطراف من المحكّم الفصل فيها. غير أنّ المحكّم يبتّ بحكم في مسألة أو مسائل غير تلك التي تمّ ضبطها و تحديدها في الاتّفاقيّة. أي أنّ الأطراف لم يطلبوا منه البتّ فيها.

و لقد نصّ الفصل 61م.ت في فقرته الثّانية على أنّ: « الدّفع بتجاوز هيئة التّحكيم نطاق نظرها فيجب التّمسّك به بمجرّد أن تثار – أثناء إجراءات التّحكيم – المسألة التي يدّعي بأنّها خارجة عن نظرها...» فإذا لم يقتنع المحكّم بأنّ المسألة المثارة لا تشملها اتّفاقيّة التّحكيم و أصرّ على عكس ذلك، فيجوز عندئذ التّمسّك من جديد بخروج هذه المسألة عن اتّفاقيّة التّحكيم و بالتّالي خروجها عن اختصاص المحكّم و ذلك أمام قاضي الإبطال.

و لقد تعرّضت محكمة الاستئناف بتونس لهاته المسألة في عديد المناسبات التي عملت خلالها على دفع الطّعون غير الجديّة. فقد جاء على سبيل المثال بقرارها عدد 69 المؤرّخ في 30 جانفي 2001 أنّه " في خصوص المطعن الثّالث المتعلّق بعدم اختصاص هيئة التّحكيم للنّظر في النّزاع القائم بين الطّرفين فإنّه يتّجه ردّه كما يلي : أوّلا : حيث أنّ موقف الطّاعنة من أنّ هيئة التّحكيم توسّعت في نطاق التّحكيم و ذلك باعتمادها على العقود الخارجة عن نطاق محضر جلسة 10/9/1997 المتضمّن لاتّفاقيّة التّحكيم، و هو أمر يوجب بطلان القرار التّحكيمي، هو موقف غير سليم من الوجهة القانونيّة. ذلك أنّه و لئن وردت اتّفاقيّة التّحكيم صلب محضر جلسة 10/9/1997 فإنّ نطاقها لا ينحصر في تأويل أو تنفيذ بنود هذا المحضر بل يتعدّاه إلى بقيّة الكتائب الممضاة بين الطّرفين. ذلك أنّ جملة هذه الكتائب لم تكن معزولة عن بعضها بل وردت في إطار علاقة تعاقديّة مركّبة من عدّة كتائب مترابطة بصرف النّظر عن طبيعتها، و بالتّالي، فإنّ هيئة التّحكيم لم تتجاوز نطاق البند التّحكيمي ". كما اعتبرت محكمة الاستئناف بتونس في خصوص دفع يتعلّق بتناول القرار التحكيمي نزاعا لا يقصده الاتّفاق التحكيمي و صدوره عن هيئة غير مختصّة أنّه " و حيث ينصّ بند التحكيم الوارد بالعقد الرابط بين طرفي النزاع أنّ كلّ إشكال ناتج عن هذا العقد يقع فضّه بواسطة تحكيم مطابق لقوانين التحكيم رقم 125 من مؤسّسة تجارة القمح و المنتوجات الغذائيّة في شكلها الحالي. و حيث تبيّن ممّا تقدّم أنّ مطالبة العارضة بالتعويض لها عن الخسائر اللاّحقة بها بسبب التأخير في تفريغ البضاعة من طرف المطلوبة كان مؤسّسا على عقد البيع الرابط بينهما و الذي تضمّن في الفصل 22 بندا يمنح البائعة الطالبة الآن الحقّ في طلب التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم احترام المطلوبة (المشترية) للعقد في فصله المتعلّق بتفريغ البضاعة في وقت محدّد و تأسيسا على ذلك فإنّ النزاع المعروض أمام هيئة التحكيم يتعلّق بتنفيذ العقد و يدخل في مجال تطبيق الشرط التحكيمي الذي نصّ صراحة على أنّ كلّ نزاع ناتج عن العقد يقع فضّه بواسطة التحكيم لذا يتّجه ردّ الدفع المحتجّ به من قبل المطلوبة لعدم جدّيته. و حيث و باعتبار أنّ النزاع المعروض أمام الهيئة التحكيميّة مشمول بالشرط التحكيمي و أنّ الطالبة استندت في قيامها إلى عقد البيع و لم تستند إلى عقد النقل فإنّ الهيئة التحكيميّة هي المختصّة بالنظر في النزاع التحكيمي ممّا يتّجه معه ردّ الدفع المتمسّك به من طرف المطلوبة و المتعلّق بعدم اختصاص الهيئة التحكيميّة بالنظر".

فقرة3: الرقابة على صحة الإجراءات

إنّ ما يمكن استنتاجه من أحكام الفصلين 78 و 81م.ت هو أنّ رقابة قضاء الدّولة على صحّة الإجراءات التّحكيميّة تتمحور أساسا حول مسألتين : أمّا الأولى، فهي تلك المتعلّقة بتشكيل هيئة التّحكيم. و أمّا الثّانية، فتتعلّق باحترام حقوق الدّفاع.

بالنّسبة للرّقابة المسلّطة على تشكيل هيئة التّحكيم، فقد لاحظ جانب من الفقه أنّ التّنظيم القانوني لتشكيل هيئة التّحكيم يهدف إلى ضمان احترام مبدأ التّوازن و المساواة بين الأطراف. و بما أنّ إجراءات تعيين المحكّم يضبطها القانون و نظرا لخطورتها على مآل النّزاع التّحكيمي، فقد رتّب عنها المشرّع نتائج خطيرة تتمثّل في إبطال الحكم التّحكيمي أو رفض الاعتراف به و رفض تنفيذه.

و قد جاءت هذه النتائج بالفقرة "د" من الفصلين 78 و 81م.ت. حيث تنصّ كلّ منهما و بصيغة موحّدة على أنّه يبطل حكم التّحكيم و يتمّ رفض الاعتراف به أو رفض تنفيذه إذا ثبت « أنّ تشكيل هيئة التّحكيم أو ما وقع إتّباعه في إجراءات التّحكيم كان مخالفا لمقتضيات اتّفاقيّة تحكيم بصفة عامّة أو لنظام تحكيم مختار أو لقانون دولة وقع اعتماده أو لقواعد أحكام هذا الباب المتعلّقة بتشكيل هيئة التّحكيم».

و يتبيّن من هذه الأحكام أنّ اختلال تركيبة هيئة التّحكيم يمكن أن يترتّب عن وجود خلل في الإجراءات المتّبعة في تكوينها أو اختلال في شروط اختيار المحكّم.

إذ قد لا يلتزم أحد أطراف النّزاع التّحكيمي أو كليهما بالطّريقة المتّفق عليها في تعيين المحكّمين. فيترك الإجراءات المتّفق عليها في التّعيين جانبا و يستقلّ بتعيين المحكّم الفرد أو يعيّن المحكّم الواجب عليه تعيينه عندما تكون هيئة جماعيّة للتّحكيم لكن دون الالتزام و التّقيّد بالشّروط المتّفق عليها مع الطّرف الآخر. إذ قد يتّفق الطرفان على أنّ كلّ أعضاء هيئة التّحكيم يجب أن يكونوا من الخبراء في ميدان النّزاع أو أن ينتسب المحكّم إلى مؤسّسة أو جمعيّة ما.

من جهة أخرى، أوجب القانون جملة من الشروط الموضوعيّة التي يجب أن تتوفّر في شخص المحكّم. فقد نصّ الفصل 10م.ت على أنّه : « يجب أن يكون المحكّم شخصا طبيعيّا رشيدا كفئا و متمتّعا بكامل حقوقه المدنيّة و بالاستقلاليّة و الحياد إزاء الأطراف».

و قد اعتبرت محكمة الاستئناف بتونس أنّ الإخلال بشرطي الاستقلاليّة و الحياد، الواجب توفّرهما في المحكّم، من مبطلات عقد الاتّفاق على تشكيل هيئة التّحكيم بما يوجب إبطال القرار المؤسّس عليه لتعلّق الخرق بقواعد النّظام العامّ في نظر المحكمة.

و قد استبعد القضاء التّونسي كلّ دفع يستند إلى أمور لا علاقة لها بهذه الاعتبارات. فاعتبر على سبيل المثال أنّ " عدم حصول العون العمومي على رخصة مسبقة للقيام بمهمّة التّحكيم ليس من أسباب بطلان قرار التّحكيم ".

من جانب آخر، قد يحصل أن يتمّ تعيين المحكّم من قبل قضاء الدّولة طبقا لأحكام الفصل 56م.ت بقرار لا يقبل حسب الفقرة الخامسة من نفس الفصل " أيّ وجه من أوجه الطّعن ". غير أنّ هذا التّعيين القضائي للمحكّم لا يحصّنه من القدح في صحّة تسميته عند طلب الإبطال و ذلك باعتباره إجراءا وقتيّا مساعدا و استعجاليّا.

أمّا بالنّسبة للرّقابة المتعلّقة باحترام حقوق الدّفاع، فقد أوجب المشرّع في حالة ثبوت الإخلال بحقوق الدّفاع بطلان القرار التّحكيمي حسب أحكام الفصل 78م.ت أو عدم الاعتراف أو رفض التّنفيذ حسب أحكام الفصل 81م.ت.

ذلك أنّ مبدأ احترام حقّ الدّفاع لا محيد عنه لتحقيق محاكمة تحكيميّة عادلة. لذى فهو يمثّل مبدأ أساسيّا من واجب كلّ محكّم احترامه، سواء كان تحكيمه طبق القانون أو طبق قواعد العدل و الإنصاف.

و يرتكز مبدأ احترام حقوق الدّفاع بالنّسبة للمشرّع التّونسي على مبدأين آخرين و هما: مبدأ المواجهة بين الخصوم و مبدأ المساواة بينهم. و يكون بذلك خرق حقّ الدّفاع هو المعيار الجامع للإجراءات الأساسيّة.

و يرى جانب من الفقه أنّ القانون التّونسي، شأنه شأن معظم القوانين المقارنة للتّحكيم، يعتمد مدلولا مضيّقا لقواعد الإجراءات الضّامنة لحقّ الدّفاع، إذ يحصرها في المبادئ الأساسيّة للمرافعات.

هذه المبادئ الأساسيّة للإجراءات لا غنى للأطراف و المحكّم عنها و ينتج عن الإخلال بها إبطال الحكم التّحكيمي. إذ يخوّل الفصل 78م.ت إبطال الحكم التّحكيمي الدّولي إذا أثبت الطّالب أنّه لم يقع إعلامه على وجه صحيح بتعيين أحد المحكّمين أو بإجراءات التّحكيم أو أنّه تعذر عليه لأيّ سبب آخر الدّفاع عن حقوقه.

و يحمّل الفصلان 78 و 81م.ت بوضوح عبء الإثبات في كلّ ما يتعلّق بعدم احترام هيئة التّحكيم لحقوق الدّفاع للطّرف طالب الإبطال أو المعترض على الاعتراف و التّنفيذ. فالمحكّم ليس مطالبا بأن يثبت احترامه لحقّ الدّفاع.

و لقد أبطلت محكمة الاستئناف بتونس قرارا تحكيميّا لخرقه أحكام الفصلين 13 و 78م.ت و ذلك لامتناع هيئة التّحكيم عن تعليق نظرها في النّزاع التّحكيمي بالرّغم من إشعار أحد الخصوم لها بانطلاق قضيّة جزائيّة حول تعمّد الخصم الآخر افتكاك حوز العقار بالقوّة بالإضافة إلى صعوبات تنفيذ قرار وقتي صادر عن هيئة التّحكيم. و قد برّرت المحكمة قرارها بأنّه " طالما كان النّزاع التّحكيمي يشمل التّحكيم حول مسؤوليّة الطّرفين في الوفاء بالتزاماته من عدمه فإنّ الإسراع بالنّظر في الخلاف دون انتظار نتيجة النّزاع الجزائي و ترتيب النّتائج الواقعيّة و القانونيّة عنه يمثّل خرقا لحقّ الدّفاع خاصّة أنّ العلاقة تبدو مباشرة بين النّزاع الجزائي و تحديد مسؤوليّة الأطراف في حسن تنفيذ التزاماتهم مثلما ورد باتّفاقيّة التّحكيم في صفحتها الرّابعة و تعيّن حينئذ قبول هذا المطعن ".


الخاتمة

يمثّل التحكيم التجاري الدولي ضمانة أساسيّة للتجّار لما يتميّز به من تحرّر يكاد يكون مطلقا. إذ يمكّن التّحكيم الأطراف من تنظيم الإجراءات بكلّ حريّة، فيسمح لهم باختيار شكل هيئة التحكيم: فرديّة أم جماعيّة و اختيار أعضاءها و ذلك بالإضافة إلى حريّة اختيار لغة و مكان و آجال و تكلفة التحكيم. كما يوفّر التحكيم لأطراف النزاع و بصفة ثانويّة للمحكّمين إمكانيّة التحرّر من قانون الدولة الإجرائي و الموضوعي و تطبيق مبادئ العدل و الإنصاف أو قانون التجار الدولي و حتّى الذهاب إلى أبعد من ذلك من خلال تمكين الأطراف من خلق و إنشاء قانون خاصّ بهم لحلّ النزاع القائم أو تطبيق عدّة قوانين مختلفة. و هو الأمر الذي لا يمكن تواجده في إطار قضاء الدولة الذي يكون ملزما بتطبيق قانونها (الدولة). لكنّ هذا التحرر من قانون الدولة الإجرائي و الموضوعي لا يمكن أن يكون مطلقا، إذ يجب على المحكّم و المحتكمين احترام قواعد الإجراءات الأساسيّة إلى جانب ما يمكن أن يحدّ من حريّة اختيار القانون المنطبق على الأصل لما يعتري القانون المختار من نقائص أو لمخالفته للقانون العام.

من جانب آخر، يزيد مبدأ عدم تدخّل قضاء الدولة من تدعيم التحرّريّة المميّزة للتّحكيم الدولي. إذ أنّ قضاء الدّولة أصبح له دور داعم للتحكيم من خلال ما يقدّمه من مساعدة يكون الهدف الأوّل منها ضمان نجاعة التحكيم. من ذلك المساعدة على تشكيل هيئة التحكيم و اتّخاذ الإجراءات الوقتيّة و التحفّظيّة. و هو ما يعكس علاقة التكامل الجديدة بين القضائين الرسمي و الخاصّ. لكن ذلك لا يمنع قضاء الدولة من التدخّل الرّقابي ضمانا لاحترام قواعد النظام العام و مبادئ الإجراءات الأساسيّة.

حواشي وهوامش

  1. ^ محمد المهدي الفازع
أدوات شخصية

المتغيرات
النطاقات
أفعال
تصفح
حركة (ح .ا. ق)
المشاركة والمساعدة
أدوات