Welcome1.png
موسوعة القانون المشارك الجامعية ترحب بكم.
حساب جديد ( أو دخول مشترك) ولا تتردد في طلب مساعدة إدارية ..وانضم لنا على فيس بووك Facebook logo 1.png

عند الاشتراك - يرجي تفعيل بريد الكتروني سليم لاسترجاع كلمة السر عند فقدها ومراقبة التغييرات .دائما استخدم اسم الاشتراك لحماية الخصوصية ، ومتابعة الموسوعة

حاليا لدينا٤٬١٦٢ مقالة اطلع على فهرس كل المقالات

محركات بحث دول عربية


الامارات العربيةالجزائرجمهورية مصر العربيةلبنانتونسالمملكة المغربيةالسعوديةالكويت

Edit-icon.png إذا كنت لا تعرف طريقك بعد ..ندعوك للمساهمة في ← إرسال مقالة إلى بريد المقالات السريع
Edit-icon.png وإذا كان قد سبق لك البحث عن موضوع ولم تجده ولديك معلومات عنه إبدأ بوضع عنوان المقال أدناه (برجاء اختصار وتحديد العنوان قدر الامكان) ثم ضغط الزر:


المحتوى أ • إ • آ • ا • ب • ت • ث • ج • ح • خ • د • ذ • ر • ز • س • ش • ص • ض • ط • ظ • ع • غ • ف • ق • ك • ل • لا • م • ن • و • ي • # •

اختلاف الدين في الميراث (tn)

من جوريسبيديا, الموسوعة الحره
اذهب إلى: تصفح, بحث

اختلاف الدين في الميراث " دَّلْوٌ في بئر الجدل" --الحق لا يمحوه الباطل (نقاش) ٢٣:٥٩، ٦ مارس ٢٠١٣ (CET)

فهرست

المقدمة "البئر":

يعمد المشرّع أحيانا إلى تنظيم وضعيات معيّنة ويسكت عن وضعيات أخرى رغم أنّه متيقن من وقوعها، بل هو يعلم أنها سبق و أن وقعت فعلا طالما أن النص القديم الملغى ضبطها و نظمها و عايش حالات واقعية منها، في حين أن النص الجديد تجاهلها و سكت عنها، ولعلّ مادّة الأحوال الشخصيّة من أبرز الميادين التي نهج فيها المشرع أسلوب الصمت عن حالات كانت منظمة سابقا. فلقد كان التزام الصّمت خيارا اتبعه المشرع في المادة المذكورة نتيجة الظروف السياسية التي عاصرت وضع مجلة الأحوال الشخصية وضيق الوقت والصعوبات التي واجهت لجنة إعدادها في التّوفيق خاصة بين مختلف الآراء والتوجهات الإيديولوجية لأعضائها، فجاءت النتيجة على غير ما هو مأمول إذ ظهر المشرّع مترّددا في تضمين بعض الخيارات، و متأرجحا بين الصّمت حينا، والغموض أحيانا، مما فتح باب الاجتهاد، الذي سرعان ما انقلب جدلا. ومن المؤكد أن الفصل 88 هو من أبرز فصول مجلة الأحوال الشخصية التي صيغت بأسلوب مثير للجدل[1] نتيجة استعمال المشرع لـ "من" التبعيضية التي جعلت موقفه من موانع الإرث مشوبا بالغموض وعدم الوضوح.

فالفصل لم يتعرض صراحة إلا لمانع وحيد وهو "القتل أو التسبب فيه عمدا"، إذ نص على أن: "القتل العمد من موانع الإرث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا أو كان شاهد زور أدت شهادته الى الحكم بالإعدام وتنفيذه". فلماذا أشار المشرع إلى أن "القتل العمد من موانع الإرث" ولم يقل "إن القتل العمد مانع للإرث"؟ و الفارق بين الصيغتين كبير و عميق. فحرف "من" الوارد في النص يتضمن إشارة إلى وجود موانع أخرى لم يذكرها النص صراحة وهو ما فتح باب التأويل على مصراعيه، وأثار إشكالا كبيرا في التطبيق، و بدأ الجدل: هل يتعلق الأمر بغياب أم بغموض نص؟ وهل يجوز البحث عن تأويل للنص بالرجوع إلى الفقه الإسلامي باعتباره من المصادر المادية لمجلة الأحوال الشخصية ؟ أم أن التشريع الوضعي التونسي يمتلك كفاية ذاتية تسمح بتأويل أحكام الفصل 88 م ا ش دون الرجوع إلى مصادره المادية ؟ وما هو دور الأحكام الدستورية والاتفاقيات الدولية في تحديد موقف المشرع؟ كل هذه الأسئلة المثارة إذا تتعلق بمانع اختلاف الدين في الميراث. والمقصود باختلاف الدين في الميراث هو كل حالة لا يكون فيها دين المورث و دين الوارث واحدا[2]، سواء تعلق الأمر بميراث بين مسلم وغير مسلم، أو بميراث بين أتباع بقية الديانات، أو مع من لا دين لهم. فقد كان و لازال مانع اختلاف الدين دون سواه من بقية موانع الإرث مثار جدل لا لشيء إلا لأن بقية الموانع مكرسة في مجلة الأحوال الشخصية بطريقة أو بأخرى. فمن المعروف أن الممنوع من الإرث هو الشخص الذي توفر له سبب الإرث ولكنه اتصف بصفة سلبت عنه أهلية الإرث[3] نتيجة وجود أحد موانع الإرث المختصرة في الفقه الإسلامي عادة في عبارة (عش لك رزق)[4] وهي: - العين = عدم استهلال الجنين، مكرس في الفصل 150 م ا ش كشرط من شروط استحقاق الإرث[5]. - الشين = الشك في من مات قبل الأخر[6]، مكرس أيضا في الفصل 86 م ا ش كشرط من شروط استحقاق الإرث،[7] فالموت المتزامن لشخصين و لو في حادثين منفصلين يحول دون أن يرث أحدهما من الأخر. - اللام = اللعان، وهو ما يقع بين الزوجين بسبب نفي الحمل أو دعوى رؤية الزنا، وحكمه مكرس في الفصلين 75 و76 م ا ش[8]، كطريقة لزوال سبب من أسباب الإرث وهو النسب الشرعي[9]. - الكاف = الكفر... مدار الجدل. - الراء = الرق، لم يعد له وجود و الجدير بالذكر أن تونس ألغت العبودية في دولة حمودة باشا ابتداء من سنة 1841.[10] - الزاي= الزنا، و معناه أن ولد الزنا لا توارث بينه وبين من تخلق من مائه، و أما أمه فترثه و يرثها، وهو أيضا مكرس في الفصل 152 م ا ش[11] كطريقة لزوال سبب من أسباب الإرث بين الأب المزعوم و الولد فقط وهو النسب الشرعي في حين تبقى صلة القرابة قائمة بين الولد و أمه وقرابتها. - القاف= القتل[12]، الفصل 88 م ا ش[13]. وهو مانع مقرر في السنة النبوية:"ليس للقاتل من تركة المقتول شيء"[14] وفي رواية أخرى "القاتل لا يرث"[15]، ومنه استنتج الفقهاء قاعدة: "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". ويتضح مما سبق أنه لم يبق سوى "الكفر" أو مانع اختلاف الدين، لا وجود لنص يكرسه في التشريع الوضعي التونسي، رغم أنه من الموانع المعمول بها عندما كانت الشريعة الإسلامية تطبق على كافة العلاقات القانونية في مجال الحالة الشخصية بالنسبة للتونسيين المسلمين قبل الاستقلال ، فالأحكام المستمدة من كتب الفقه الإسلامي[16] كانت بصفة عامة هي المصدر الشكلي للقانون . وعند استقلال تونس كان أول عمل قامت به الحكومة هو سن مجلة للأحوال الشخصية، وقبل بروز تلك المجلة إلى حيز الوجود بعشرة أيام أصدرت وزارة العدل بيانا ورد فيه أنه :" وقع التفكير في تأليف مجلة الأحوال الشخصية منذ زمن طويل و لكن لم تخرج المسألة من حيزا لتفكير إلى حيز العمل إلا في سنة 1948 على يد صاحب الفضيلة العلامة سيدي محمد العزيز جعيط[17] و لأسباب شتى... لم يبرز المشروع لحيز الوجود، إلى أن جاء عهد الاستقلال... ففكرت وزارة العدل في إحياء المشروع من جديد فكلفت حكاما... أعدوا لائحة جديدة في قالب قانون عصري يتماشى مع الزمان و لا يتصادم مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف... ولا عجب أن توصلنا إلى تدوين مجلة ترضي الجميع و تنال استحسان العلماء، وتلاؤم في آن واحد روح العصر و التفكير العام.... ذلك لأننا أخذنا نصوصها من مناهل الشريعة الفياضة و مختلف مصادرها، بدون تقيد بمذهب دون أخر و برأي طائفة من الفقهاء دون أخرى..."[18]. إلا أن الشيخ جعيط كان له رأي أخر فقد أكد عند صدور المجلة أنها قدمت له فلاحظ أنه تم الاعتماد على مجلة لائحة الأحكام الشرعية، ووقع التخفيف في عدد أبوابها و موادها، وأدرجت فصولا لا تتماشى مع الفقه الإسلامي في نظره[19] وهي سبعة فصول: 14 – 18 – 19 – 21 – 30 – 35 – 88 – [20]. لكن هذه الفصول المختلف فيها، كان لها في نظر الشيخ محمد المهيري الصفاقسي سندا فقهيا، واعتبر أن مجلة الأحوال الشخصية لم تخالف أحكام الفقه الإسلامي[21]. أما أعضاء المحكمة الشرعية فقد أصدروا فتوى جماعية حول المجلة بتاريخ 11/9/1956 أفتى فيها ثلاثة عشر مفت بأن مجلة الأحوال الشخصية تضم فصولا لا تتفق مع الكتاب و السنة و الإجماع منها ما اقتضته من التوارث مع اختلاف الدين حيث اقتصرت في موانع الإرث على القتل مع أن الإجماع و الحديث على خلاف ذلك.[22] ومن هذه البسطة التاريخية يلاحظ وأن الخلاف حول الطابع الديني أو اللائيكي[23] للمجلة بدأ منذ الإعلان عنها، وتمحور هذا الخلاف حول عدة فصول، ما يهمنا منها هو الفصل 88 م ا ش الذي كان من بين الفصول المثيرة للجدل منذ وضع المجلة وحتى يوم الناس هذا، وهو جدل أقل ما يقال فيه أنه في تجدد متواصل[24] لارتباطه بمسألة حيوية وهي تداول الثروات بين الأجيال. فقد أثير النقاش حول هذا المانع بمناسبة عدة قضايا عرضت على أنظار المحاكم بمختلف درجاتها وتمسك فيها أحد الخصوم بضرورة اعتبار اختلاف الدين من موانع الإرث، وفتح موقف القضاة في تلك القضايا الباب أمام جدل فقهي يتجدد بمناسبة كل حكم أو قرار. فإذا كان أحد طرفي العلاقة الإرثية مسلما و الأخر غير المسلم فهل يرث أي منهما الأخر؟. وبصفة عامة هل يمكن اعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث في القانون التونسي ؟.

يبدو الجواب في الفقه الإسلامي التقليدي[25]واضحا وبسيطا وهو بالنفي، وذلك على أساس التأويل الفقهي للحديث النبوي :"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"[26]. و"لا توارث بين أهل ملتين"[27]. وهو الموقف الذي يميل إليه شق هام من الفقه والقضاء في تونس و يرى ضرورة العمل به. لكن شقا أخر منهم يرى خلاف ذلك مؤكدا أن الموقف الواجب اعتماده عند تأويل الفصل 88 من م.أ.ش. هو المساواة في المعاملة بين المسلم وغير المسلم سواء كان وارثا أو مورّثا[28]. فبأي من الرأيين يجب العمل عند تأويل أحكام الفصل 88 م أ ش؟ وهل يمكن نقل الحكم الشرعي بكل ما فيه من اختلاف في الاجتهادات بين المذاهب إلى القانون الوضعي التونسي انطلاقا من أن أحكام الفصل 88 م ا ش صيغت بأسلوب يسمح بذلك؟ إجابة عن هذه التساؤلات انقسم الفقه و القضاء إلى شقين متضاربين، ولكل منهما حججه الخاصة، وهو ما يستوجب عرض "الجدل" القائم فقها و قضاء(الجزء الأول)، قبل المرور إلى الإدلاء "بدلو" في هذا الجدل وذلك من خلال محاولة استجلاء حقيقة موقف المشرع (الجزء الثاني)

الجزء الأول: "الجدل" فقها و قضاءً:

بالرغم من تعدد الفصول الغامضة في م أ ش، إلا أن أيا منها لم يثر نفس الجدل العميق الذي أثاره الفصل 88 م ا ش، وذلك سواء على مستوى القضاء (الفقرة الأولى) أو على مستوى الفقه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الجدل القضائي:

يعتبر فقه القضاء مادة حيوية وضرورية لفهم القانون، فدراسة القانون لا تقتصر فقط على نصوصه و تحليلها و تأويلها بل تشمل ذلك دراسة فقه القضاء[29]، ذلك أن المشرع مهما كان حريصا على أن يكون واضحا فإن النص لا يفي بالحاجة التي أرادها منه وضعه ، كما أنه سيكون محلا لتأويلات وتفسيرات قد تذهب به أحيانا بعيدا عن المعنى القريب المراد منه[30]، فما بالك عندما يصاغ النص بأسلوب يفتح باب التأويل على مصراعيه، كما هو حال الفصل 88 م ا ش. ومن المعروف أن فقه القضاء التونسي في مادة الأحوال الشخصية عموما يتنازعه تياران: محافظ، ومتحرر. فالتيار المحافظ لا يرى أي حرج في الرجوع إلى الفقه الإسلامي كلما سنحت له الفرصة، بل إن محكمة التعقيب أعلنت في عديد المناسبات صراحة أنه:" تقتضي القاعدة بأنه عند غموض النص أو إجماله يتعين الرجوع إلى أهم المصادر التشريعية التي قام عليها ذلك النص وهو الفقه الإسلامي ليستنار به في استجلاء ما غمض و توضيح ما أجمل"[31]. أما التيار المتحرر فيمثله شق من القضاة اللذين اعتمدوا طريقة مغايرة في فهم و تأويل النصوص تنسجم وروح الآراء التي اعتمدها المشرّع التونسي عند تقنينه مادة الأحوال الشخصية، وذلك بالسعي إلى إيجاد حلول للنقائص وإصلاح عدم التطابق اعتمادا على أحكام القانون الوضعي دون سواها[32]. وقد أدل كل من الاتجاهين بدلوه في موضوع اختلاف الدين في الميراث، ومع حدة الخلاف بينهما فإنه لا يمكن الحديث عن اتجاه حقيقي، تحرري حديث ومغاير في موضوع اختلاف الدين يسمح بالقول أنه وقع تجاوز الاتجاه القديم تماما[33]. فالأمر دخل مرحلة الجدل و إن كان بصفة غير مباشرة، وهو جدل لم يعد محصورا في تباين الاجتهادات بين قضاة الأصل ومحكمة القانون، بل تجاوز ذلك ليصبح في السنوات الأخيرة جدلا بين دوائر محكمة التعقيب نفسها، التي دخلت -كما هو حال بقية المحاكم بدرجتيها- متاهة الانقسام بين اتجاه مؤيد لاعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث (أ)، و اتجاه أخر يعارض ذلك (ب)[34].

أ- الاتجاه القضائي المؤيد لاعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث:

هو الاتجاه الأقدم و الأسبق في الزمن، تزعمته محكمة التعقيب منذ سنة 1966 و لا تزال إحدى دوائرها وفية له في سنة 2007 مع ما بين القرارين من أحكام ابتدائية وقرارت استئنافية تنطلق من ذات القراءة لأحكام الفصل 88 م ا ش وهي إمكانية تأويل "من" التبعيضية بالرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية و بالتالي اعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الارث وفيما يلي جملة تلك الاجتهادات:

1- القرار التعقيبي المدني عدد 3384 صادر في 31/1/1966(قرار حورية).[35] تتلخص وقائع القضية في أن حورية تزوّجت سنة 1945مواطنا فرنسيا وبعد وفاة أمها سنة 1964 طالبت حورية بميراثها من أمها فنازعها أحد أشقائها في حقها لأنها تجنست بجنسية زوجها وحكم المتجنس بجنسية دولة غير مسلمة هو الردة التي توجب الحرمان من الميراث بالرّجوع إلى التشريع الإسلامي. ويلاحظ في هذه القضية أن النقاش تمحور حول تأويل أحكام الفصل 88 م أش و لكن انطلاقا من وجهتي نظر هما: وجهة النظر الأولى مثلها السيد وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب، والذي اعتبر ان زواج حورية بغير مسلم يجعلها مرتدة، والردة واختلاف الدين هما من موانع الإرث ولو أن الفصل 88 لم يتعرض لهما صراحة لكن استخدام "من" التبعيضية يدل على أن المشرع لم يلغ الموانع الشرعية الأخرى. لكن محكمة التعقيب لم تجار النيابة العامة في موقفها مؤكدة أن :"تزوج المسلمة بغير مسلم هي من المعاصي العظمى، كما لا جدال أن الشريعة الإسلامية تعتبر الزواج باطلا من أساسه لكن مع ذلك لا تراه ردة إلا إذا ثبت أن الزوجة اعتنقت دين زوجها غير المسلم وهو ما لم يثبت حتى يصح القول بأن حورية مرتدة". أما وجهة النظر الثانية فقد مثلها دفاع الطاعن الذي اعتبر ان تجنس حورية بالجنسية الفرنسية باختيارها يدل على نبذها البقاء تحت الأحكام الإسلامية ويجعلها مرتدة بالإجماع، وهو موقف جارته محكمة التعقيب من حيث المبدأ لكنه ردته باعتباره دفعا موضوعيا كان يجب التمسك به أمام قضاة الأصل. ويتضح مما سبق أن محكمة التعقيب تعاملت مع مسألة اعتبار الردة من موانع الإرث تطبيقا لأحكام الفصل 88 كأمر مفروغ منه لا يحتاج إلى جهد تأويلي، كما أنها وقعت في خلط خطير بين الجنسية والدين مع أن النيابة العامة في ملاحظاتها بينت أن الدين غير الجنسية، ومع كل ذلك فإن محكمة التعقيب برفضها مطلب التعقيب أصلا تكون قد أبقت على حق حورية في الإرث طبقا لما قضى به قضاة الأصل من أن مجلة الأحوال الشخصية لم تبن قواعد الميراث على اختلاف الأديان[36].

2- القرار التعقيبي المدني عدد10160 صادر في13/2/1985(قرار لويز شارلوت).[37]

تتلخص وقائع القضية في أن أشقاء الهالك وبعد 20 سنة من وفاة شقيقهم زوج المرأة "لويز شارلوت" عمدوا إلى إقامة حجة وفاة ثانية أغفلوا فيها ذكر أسم الزوجة وسارعوا بإدراجها بالسجل العقاري فقامت الزوجة بقضية لدى المحكمة الابتدائية طالبت الحكم بإبطال حجة الوفاة الثانية وبصحة حجة الوفاة الأولى. لكن محكمتي البداية والاستئناف أيدتا ما تمسك به المدعى عليهم وهم أشقاء المتوفى من أن المدعية وهي زوجة المتوفى غير مسلمة في حين أن الزوج المورث مسلما واختلاف الدين مانع من الإرث بينهما وأن اعتناق الزوجة الدين الإسلامي وقع بعد وفاة الزوج اعتمادا على أن تاريخ الشهادة المسلمة لها في ذلك من مفتي الجمهورية هو 2 أكتوبر 1979 في حين أن المورث مات قبل ذلك التاريخ. إلا أن محكمة التعقيب[38] نقضت القرار الاستئنافي ولكن ليس على أساس عدم الأخذ باختلاف الدين، بل على العكس من ذلك يفهم من حيثيات هذا القرار أنها اعتبرت أن اختلاف الدين مانع من الميراث طالما أنها ركزت تحليلها على بيان القرائن المثبتة لإسلام الزوجة إذ اعتبرت محكمة التعقيب أن:"الطاعنة تمسكت بأنها عاشرت زوجها المسلم على دين الإسلام وكان على محكمة الموضوع التحقق من ذلك بجميع الوسائل و لاسيما أن قرينة تحرير حجة الوفاة الأولى بناء على طلب الطاعنة في شهر فيفري 1959 بمقتضى إذن من رئيس المحكمة الابتدائية و بواسطة عدلين عالمين بأحكام المواريث الشرعية وشهادة شاهدين مسلمين لا تخفى عنهما هذه الأحكام أيضا، كل ذلك يدل على أن الزوجة كانت مسلمة في تاريخ الوفاة، بالإضافة إلى أن بقية الورثة لم يعارضوا في إسلام الطاعنة واستحقاقها الميراث عند إقامة حجة الوفاة الأولى وسكتوا عن ذلك عشرين عاما، وطول مدة سكوتهم تثير الاسترابة في جدية أقوالهم الآن لأنها ترمي لمجرد جلب النفع لأصحابها". فمحكمة التعقيب في هذا القرار أعادت التأكيد بوضوح أن اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث، مع أنها لم تشر إطلاقا لأحكام الفصل 88 م.أش، وغاية ما في الأمر أنها تجاهلت مطعن الطاعنة الذي تمسكت فيه بأن الفصل المذكور لم يذكر اختلاف الدين كمانع.

3- القرار الاستئنافي المدني الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس تحت عدد 8488 بتاريخ 14/7/1993. (قرار كلثوم "روزاريا")[39].

تمحور النزاع في هذه القضية حول إثبات الانتماء الديني و بالرغم من أن الفصل 88 م.أ.ش. لم يذكر صورة اختلاف الدين كمانع للإرث بوجه صريح، فقد سايرت المحكمة موقف أحد الأطراف في إدعاءاته مؤيدة طلبه استبعاد المرأة "روزاريا" من الإرث لأنها غير مسلمة في نظره.

ولتعليل موقفها بينت المحكمة في الحيثية الأولى أن النزاع يتمحور حول مسألتين:"أولهما: ما إذا كانت المستأنف ضدها قد سبق لها أن اعتنقت الدين الإسلامي قبل وفاة زوجها فتعتبر حينئذ من ورثته الشرعيين و يتعين إدراج اسمها في حجة وفاته... أم أنها بقيت على دين أبائها إلى أن أعلنت إسلامها أمام فضيلة المفتي بعد وفاة زوجها فلا تعتبر وارثة له لاختلاف ديانتها، وثانيتهما: ما إذا كان اعتناق الدين الإسلامي لا يحصل ولا يثبت إلا بطريقة مخصوصة ضبطها القانون... ". لتنتهي المحكمة في أخر تعليلها إلى أنه:"وحيث ثبت بالشهادة اليقينية و بالحجة القاطعة و بالقرائن المتضافرة أن المستأنف ضدها معتنقة للدين الإسلامي قبل وفاة زوجها... مما يستلزم تأييد الحكم الابتدائي فيما انتهى إليه و اعتبارها من ضمن ورثة الهالك". ويستخلص من هذا التحليل أن محكمة الاستئناف بتونس اعتمدت نفس نهج محكمة التعقيب في القرارين السابقين وهو الانطلاق من بديهية أن القانون التونسي يكرس مانع اختلاف الدين وأن من واجبها التثبت في ديانة الورثة دون أي إشارة إلى حقيقة الفصل 88 وما يتطلبه إقحام مانع اختلاف الدين ضمنه من جهد تأويلي، على الأقل احتراما للمنطق القانوني السليم و ضمانا للتعليل المستساغ.

4- الحكم الابتدائي المدني الصادر عن المحكمة الابتدائية بصفاقس تحت عدد 5470 مؤرخ في 11/10/1996(قضية " قراس لكوز ")[40]. انطلقت هذه القضية بموجب دعوى قام به المدعو منير طالبا فيها إخراج والدته من حجة وفاة أبيه على اعتبار أنها ليست تونسية ولا هي مسلمة حسب إقرار خطي صادر عنها، مؤسسا دعواه على الحديث النبوي "لا توارث بين ملتين".[41] وقد استجابت المحكمة لطلبه وقضت بحرمان أم المدعي و أرملة الهالك "قراس لكوز" معللة قضاءها بما يلي:"وحيث سايرت نائبة المدعى عليه طلب المدعي و وافقت على شطب اسمها من حجة وفاة زوجها و إخراجها بالتالي من بين ورثته باعتبارها فرنسية الجنسية وأنها لم تسع لاعتناق الدين الإسلامي. وحيث نص الفصل 88 م ا ش على البعض من حالات موانع الإرث وهو ما يستشف منه وجود موانع أخرى يمكن الأخذ بها. وحيث اعتبارا لكون م ا ش و ما تضمنته من أحكام و لئن اتسمت بالنزعة العصرية تماشيا مع الزمان إلا أنها لا تتصادم مع مبادئ الدين الإسلامي ومقاصده". وما يلفت الانتباه في هذا الحكم أن المحكمة لم تجد عناء كبيرا في استبعاد أرملة الهالك لأنه حسب ما يبدو هناك توافق بينها و بين ولدها حول الموضوع و مع ذلك فقد حاولت المحكمة أن تقدم تعليلا قانونيا لموقفها، إلا أنها وكالعادة تعاملت مع مسألة الرجوع إلى الفقه الإسلامي كما هي العادة بمنطق المسلمات، إذ قامت بإقحام اختلاف الدين كمانع للميراث في الفصل 88 م ا ش بتعليل قابل للنقاش.

5- القرار التعقيبي المدني عدد 68443 مؤرخ في 6/7 /1999(قرار "ورثة الجمل")[42]. تتلخص وقائع القضية في أن المدعو "ح. الجمل" ادعى أن زوجة ابنه المتوفى لا ترث زوجها لأنها ليست على دينه فهي لم تعتنق الإسلام قبل تاريخ وفاته، لكن المحكمة الابتدائية بصفاقس لم تؤيده في موقفه وقضت بخلافه، وهو ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف في قرارها عدد28377 المؤرخ في 12/1/1998 فعلى الرغم من أنها كانت قد نقضت الحكم الابتدائي إلا أنها قضت من جديد بقسمة المخلف بين الأب و الزوجة، فطعن السيد "ح. الجمل" في هذا القرار بالتعقيب ناسبا له الضعف في التعليل وخرق القانون باعتبار ان اختلاف الدين من موانع الإرث، فالقانون التونسي نص على بعضها تاركا تقدير البقية للقضاء باعتماد طرق التفسير والرجوع إلى الشريعة الإسلامية التي تمثل المصدر الرئيسي لمجلة الأحوال الشخصية خاصة في الميراث وقد جاء بالحديث النبوي:"لا توارث بين أهل ملتين" وهذه مسألة أولية يتعين على المحكمة البت فيها قبل القسمة. و كان رد محكمة التعقيب ضبابيا نوعا ما، فمن جهة أولى بينت ان: "القرار المطعون فيه استند في قضاءه الى أن اسم المعقب ضدها (الزوجة) ورد في حجة الوفاة التي رفض مطلب إصلاحها الرامي إلى التشطيب على اسمها و حينئذ تعتبر والحالة تلك وارثة". ومن خلال هذه الحيثية يبدو أن محكمة التعقيب اكتفت بالحجية الشكلية لحجة الوفاة و لم تناقش حقيقة وضعية الزوجة، فطالما انها مذكورة في حجة الوفاة ولم يقبل مطلب التشطيب على اسمها فهي وارثة دون حاجة للنقاش. إلا أن هذا الموقف الأولي لمحكمة التعقيب لا يتوافق مع ما جاء في الحيثية الموالية التي اعتبرت فيها:" ان التعليل الذي انتهجته محكمة الدرجة الثانية كان قانونيا و مستساغا مما يجعل النقاش يحوم حول مدى كفاية الدليل الذي اعتمدته المحكمة أساسا لقضائها بالقسمة لفائدة المعقب ضدها وهي مناقشة موضوعية لا جدوى من وراءها طالما انه لا شيء بالأوراق يعارض حجة الوفاة المعتمدة من المحكمة وعل ان المعقب ضدها لم تعتنق الدين الإسلامي قبل تاريخها و ما ينافي صفتها كوارثة". من الواضح أن أخر الكلام يلغي أوله، فبعد التمسك بالحجية الشكلية لحجة الوفاة عادت محكمة التعقيب لتؤكد أن الزوجة مسلمة ولم يأت الطاعن بما يفيد خلافه، وهذا يفهم منه أن الأب لو أفلح في بيان ان الزوجة غير مسلمة لكان طعنه وجيها، ولكن فشله في ذلك جعل محكمة التعقيب تؤيد موقف قضاة الأصل المؤسس على ظاهر الأمور، ربما عملا بقاعدة الفصل559 م ا ع:"الأصل في الأمور الصحة والمطابقة للقانون حتى يثبت خلافه". مما يعني أن فشل الأب في إثبات اختلاف الدين هو السبب في عدم قبول طعنه، لا جواز التوارث مع اختلاف الدين.

6- القرار التعقيبي المدني عدد 76621 مؤرخ في 28 أفريل 2000 (قرار "جانين")[43]. كانت المدعوة "جانين" قد سعت بنفسها إلى إخراج حجة وفاة زوجها التي ضمنتها أسمها، وأقرّت فيها بأنها غير مسلمة ولما تفطنت إلى وجود المانع في الإرث سعت إلى الحصول على شهادة مبايعة في الإسلام وبعدها عادت وتحصلت على حجة وفاة ثانية تحمل نفس تاريخ الأولى تضمنت أنها مسلمة.وبناء على ذلك فإن قضاة الأصل في الطورين الابتدائي والاستئنافي اعتبرا أن "جانين" مسلمة وتستحقت الميراث اعتمادا على جملة من الأدلة كتلقيها دروس دينية وشهادة الشهود وشهادة المفتي وحجة الوفاة الثانية. وكان المدّعون قد استندوا في طلباتهم في الطور الابتدائي إلى حديث نبوي لا يكرسه نص قانوني صريح في القانون الوضعي مفاده أن "لا توارث بين ملتين". وسايرتهم المحكمة الابتدائية في ذلك المنطق نسبيا، لأنها اعتبرت الإسلام اللاحق لوفاة المورث سببا لاستحقاق الإرث. مما جعل المدعين يعيبون عليها لا حقا أنها لم تأخذ بالرأي السائد عند الفقهاء بل أخذت برأي فقهي منفرد يقول بأن الوارث الذي يسلم قبل قسمة التركة يرث من تركة مورثه المسلم ناسبة هذا الموقف إلى المذهب الحنفي والحال أنه منسوب للحنابلة. فالمدّعون لم يستندوا إلى نص قانوني وضعي وإنما استندوا إلى الفقه الإسلامي. وهو الموقف الذي جارتهم فيه محكمة التعقيب كليا حين اعتبرت " أن المحكمة خالفت إجماع الفقهاء المبني على قاعدة أن غير المسلم لا يرث المسلم حتى إن أسلم قبل قسمة التركة وسايرت رأي الأقلية فخالفت بذلك ما دأب عليه فقه القضاء في هذا الصدد استئناسا في ذلك بأحكام الفصلين 85 و 88 م.أ.ش... وعليه فإن المحكمة خالفت القانون لأنها لم تراع شروط الاستحقاق و موانعه على ضوء الأحكام المنظمة لقواعده و الواردة في م ا ش". إن من يقراء هذه الحيثية لا بد أن يتساءل: هل هذه حيثية قرار تعقيبي صادر في سنة 2000 أم أنه حيثية حكم صادر عن إحدى المحاكم الشرعية قبل إصدار مجلة الأحوال الشخصية؟ فالمحكمة أعطت الأولوية لإجماع الفقهاء و ما حكم القانون إلا على سبيل الاستئناس فقط، كما أنه و كالعادة فإن ما يلفت الانتباه أن محكمة التعقيب لم تجهد نفسها في تعليل و تبرير موقفها بخصوص مانع اختلاف الدين في الميراث، فالأمر بديهي و الفصل 88 م ا ش لا يحتاج إلى تأويل. كما أن محكمة التعقيب رأت أن المعقبة "جانين" غير مسلمة اعتمادا على إقرارها في حجة الوفاة الأولى وأقرت أن شهادة المفتي اللاحقة لحجة الوفاة الأولى لا تصلح للفترة السابقة،معتبرة أن: "تلقي "جانين" دروسا دينية في الإسلام قبل وفاة زوجها مجرد قرينة ضعيفة لا تصلح سندا للحكم... وحتى شهادة المبايعة على الإسلام... لا تصلح هي الأخرى للفترة السابقة عنها لأنه حتى و إن كان المعتقد شأنا داخليا و ذاتيا فإن الوثيقة الإدارية ... تبقى المؤيد الأساسي للوقوف على دين المرأة و معتقدها الرسمي..." أي أن محكمة التعقيب خالفت في هذا القرار اجتهادها السابق الذي أكدته في قرار "لويز شارلوت" سنة 1985 من أن شهادة المفتي لا تنفي الإسلام عمن حررت لفائدته بالنسبة للفترة السابقة عن تحريرها. وهو الموقف الذي سترجع إليه محكمة التعقيب في قرار "هانز" سنة 2001.، و في قرار "روني ف." سنة 2004.

7- القرار التعقيبي المدني عدد 3396 المؤرخ في 2 جانفي 2001، (قرار "هانز ")[44]: أدعى إخوة الهالكة أن "هانز ج." زوج شقيقتهم غير مسلم وبالتالي لا يرثها، و تمسكوا بحجة وفاة مورثتهم، إلا أن زوج الهالكة اعترض على تلك الحجة و قضي لصالحه و أدرج اسمه بحجة الوفاة، فقام الإخوة بقضية لدى المحكمة الابتدائية طالبين التشطيب على أسم المطلوب، فرفضت دعواهم لعدم الاختصاص الحكمي، إلا أن محكمة الاستئناف نقضت ذلك الحكم وقضت بالتشطيب وعلى الرغم من أن محكمة الاستئناف رأت أن الإسلام يمكن إثباته بجميع الوسائل فإنها لم تقبل وسيلة إثبات إسلامه وانتهت إلى أن "هانز ج." غير مسلم ولا يرث زوجته . إلا أن محكمة التعقيب نعت عليها التناقض في تعليل حكمها واعتبرت أن الإسلام يمكن إثباته بجميع الوسائل "أن اعتناق الإسلام واقعة قانونية يمكن إثباتها بجميع الوسائل" مبرّرة ذلك بأن الشريعة الإسلامية تعتمد بالأساس على التيسير في اعتناق الدين الإسلامي لذلك اعتبرت أن الحكم المطعون فيه جاء مخالفا لمبادئ الشريعة الإسلامية علاوة على ما اشتمل عليه من تناقض مما يجعله عرضة للنقض" ومن ثم قبلت الشهادة في الإسلام المستخرجة من مركز إسلامي بالخارج وانتهت إلى نتيجة معاكسة وهي أن "هانز جورج" مسلما ويرث، و يستفاد من هذه النتيجة أنه لولا ثبوت إسلام الزوج لقام في حقه مانع من موانع الإرث هو اختلاف الدين، و مجددا يفرض هذا المانع نفسه كبديهية لا تحتاج إلى جهد في تأويل النص. لكن ما يلفت الانتباه مرة أخرى أن محكمة التعقيب وسعت نطاق رقابتها لتتجاوز سلامة وحسن تطبيق القانون (بمفهومه الوضعي/ الشكلي)، لتشمل سلامة تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، فمن أين جاءت لنفسها بهذا الدور؟ وهل تخول لها الأحكام القانونية الضابطة لوظائفها ذلك؟

8- القرار الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس تحت عدد 96332 بتاريخ: 9/6/2003. (قرار "رحيمة– نورة ")[45] تتلخص وقائع هذه القضية في أن أرملة أحد الأشخاص تبين لها أن والدة زوجها المتوفى و هو على دين الإسلام لم يسبق لها أن أسلمت حسب ما هو ثابت من الرسالة الصادرة عن فضيلة المفتي، وبناء على ذلك فالأم لا ترث ابنها المتوفى لاختلاف الدين بينهما طبق الشرع الإسلامي و قانون الأحوال الشخصية التونسي، لهذا فقد قامت بقضية لدى المحكمة الابتدائية بتونس طالبة التشطيب على اسم والدة الميت المسماة "رحيمة" و المعروفة "بنورة" من حجة الوفاة، لكن هذه الأخيرة ردت على ذلك ببيان أنها مسلمة منذ ما يزيد عن نصف قرن ولها حجج في ذلك منها شهادة مبايعة على الإسلام يرجع تاريخها الى سنة 1947 و أمر رئاسي صادر في 31/3/1973 يقضي بإبدال اسمها من "رحيمة" إلى "نورة" كما انها تحصلت في 21/9/2001 على شهادة أخرى في الإسلام تؤكد اعتناقها الدين الإسلامي. فصدر الحكم الابتدائي بعدم سماع الدعوى لثبوت اعتناق المدعى عليها للإسلام، فاستأنفت الأرملة ذلك الحكم متمسكة بما ورد في شهادة السيد المفتي من ذكر لاسم الأم القديم "كليمانو" والجديد "رحيمة" و أنها لم يسبق لها الإسلام، فأجابت الأم بأن اسمها القديم هو فعلا "Clémente" وهو ما ترجمته بالعربية "رحيمة" كما أن شهادة المفتي تثبت دون شك اعتناقها الإسلام. فالنزاع إذن بين تونسيتان مختلفتان في الدين، أرادت الأولى وهي زوجة الابن المتوفى أن تمنع الثانية وهي أم المتوفى من الميراث في تركة ابنها. فركزت إدعاءاتها على أن الأم غير مسلمة بل هي يهودية حسب ما يستفاد من اسمها القديم وهو "كليمانو". إلا أن قضاة الأصل سعوا إلى التثبت في ديانة الأم، مما يعني عمليا أنهم أيدوا وجهة النظر القائلة أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث في القانون التونسي. وهو ما يستشف صراحة من حيثيات القرار الاستئنافي الذي ورد فيه:"حيث خلافا لما تمسكت به المستأنفة فقد ثبت من شهادة المفتي المؤرخة في 21/9/2001 ان المدعوة "نورة" مسلمة منذ 9/12/1947 وتم إبدال اسمها آنذاك إلى "نورة"... فالمستأنف ضدها معتنقة للدين الإسلامي منذ أمد قبل تاريخ الوفاة... ". و يتبين مما سبق أنه يكفي أن يتمسك طرف بوجود تباين في الدين بين الوارث و المورث حتى يغرق القضاة في متاهات البحث في معتقدات الأفراد دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الإشارة إلى كيفية تكريس المشرع لهذا المانع، وهل هو موجود أصلا من عدمه؟ رغم أن تأويل القانون من أول واجبات القاضي فأيهما أسهل البحث في القانون أم إثبات الوقائع؟ يبدو أن بعض القضاة يستسهلون الثانية فهي من واجبات الخصوم.

9- القرار التعقيبي المدني عدد 3843 مؤرخ في 20/12/2004 (قرار "روني") [46]. تقدّم السيد "روني ف." بدعوى إلى المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 3/3/2001 طالبا اعتباره وارثا شرعيا في تركة أرملته شاذلية واثبت إسلامه بشهادة في اعتناق الإسلام صادرة عن مفتي الجمهورية فحكمت المحكمة الابتدائية بإبطال حجة الوفاة واعتباره وارثا. إلا أن بقية الورثة استأنفوا الحكم وطلبوا نقضه متمسكين بعدم أحقية "روني ف." في تركة زوجته لاختلافهما في العقيدة و لبطلان زواجهما إذ أنه تزوج بأختهم قبل أن يعتنق الإسلام لذا يعتبر زواج المسلمة بغير المسلم باطلا و لا يعتبر زوجا لأختهم من أصله وبالتالي لا يعتبر وارثا، لكن محكمة الاستئناف لم تؤيدهم في طعنهم و أيدت حكم البداية[47]، فطعن بقية الورثة في هذا القرار بالتعقيب. لكن المفاجأة كانت أن محكمة التعقيب ستؤيد في الحيثية الأخيرة من المطعن الثاني موقف قضاة الأصل وتقرر أن: "الحق في الميراث يتحدد بالحالة الشخصية يوم الوفاة و ليس يوم الزواج، و تأويل محكمة الموضوع لأحكام الفصول 5 و88 من م.أ.ش. واستنادا لأحكام الدستور جاء مؤسسا ونابعا من اجتهاد في فهم النصوص لم تتوصل المطاعن القائمة بدورها إلى الظهور عليها والنيل من وجاهتها فتعيّن لذلك ردها" وهو ما يوحي بأن محكمة التعقيب أيدت تأويل قضاة الأصل القاضي بعدم جواز الأخذ بمانع اختلاف الدين. لكن هذه الحيثية كانت مسبوقة ببيان أن الزوجية الصحيحة كسبب للميراث طبق الفصل 90م ا ش متوفرة عملا بالفقرة الثانية من الفصل 31 من قانون الحالة المدنية، وبما أن الزوجة المتوفاة تونسية فإن ميراثها يخضع للقانون التونسي عملا بالفصل 54 م ق د خ. "وحيث أكد القرار المنتقد حقيقة ثابتة بناء على أوراق الملف تتمثل في أن المعقب ضده كان أشهر إسلامه وجاهر بذلك بعد إبرام زواجه مع المورثة وأحرز على شهادة مكتوبة من المفتي. وحيث من المسلم به فقها و قضاء أن شهادة المبايعة على الإسلام ليست الوسيلة الوحيدة للدلالة على الإسلام باعتبار ان اعتناق الدين الإسلامي واقعة قانونية يجوز إثباتها بكل الوسائل أخذا بقاعدة التيسير سيما في المسائل عقائدية روحية تأبى التعقيد وتنبذ المستصعبات. وحيث متى سلمنا بهذه البديهيات فإن إسلام المعقب ضده في تاريخ إبرام الزواج لم يثبت خلافه ضمن أوراق الملف". وهنا يمكن التساؤل هل أن تأييد محكمة التعقيب للقرار الاستئنافي جاء تتويجا للجهد الذي بذلته محكمة الاستئناف في حسن تعليل قضاءها و تأسيسه على معطيات قانونية وجيهة مستمدة مما له أصل دستوري و تشريعي؟ أم أنه جاء نتيجة ثبوت اتحاد الدين بين الوارث و المورث؟. حسب حيثيات القرار التعقيبي يمكن الإجابة عن كلا السؤالين بنعم، لأن محكمة التعقيب بعد فراغها من إثبات إسلام الوارث عادت لتثني على حسن تأويل محكمة الاستئناف للفصلين 5 و88 م ا ش استنادا إلى إحكام الدستور، وهو التأويل القائم على استبعاد مانع اختلاف الدين. و إذا أردنا الترجيح بين الأمرين فيبدو أن كفة عدم النقض لثبوت اتحاد الدين هي الأرجح.

10-القرار التعقيبي المدني عدد صادر في 17/1/2007. (قرار ورثة "جورج")[48] بعد وفاة "جورج أو جابر س." آلت تركته إلى إخوته "جان ك. وجان إ. وأونج روجي إ." الذين قاموا بقضية لمطالبة المكتري بأداء معلوم الكراء إلا أن المتدخلتان في القضية وهما ورثة محمد حبيب المتمثلتين في وزوجته وابنته طعنتا بأن هؤلاء الأجانب ليس لهم الحق في المطالبة بالكراء باعتبارهم غير مسلمين لا يمكنهم أن يرثوا من تركة أخيهم المسلم وأنهما هما الوريثتين الشرعيتين لتلك التركة ، وبالتالي فإن الكراء يجب أن يؤول إليهما، وهو موقف لم يجاريهما فيه قضاة الأصل. فها هي محكمة الاستئناف تقضي بأن " الفصل 88 م ا ش لم يكن صريحا في اختلاف الدين باعتباره مانعا من موانع الإرث". مما دفع بالمتداخلتين إلى الطعن بالتعقيب على أساس" أن هذا التعليل مخالف لمقتضيات الفصل 88 م ا ش و ما أراده المشرع من سنه لهذا الفصل الذي و إن تعرض لصورة واحدة من موانع الإرث فإن تلك الصورة لم تكن واحدة حسب مقصد المشرع إذ لم يأت النص بصورة محصورة وإنما بالإشارة إلى التبعيض... وأحال الفقهاء على المصادر التكميلية ويكون من الضروري الرجوع إلى مصادر الفصل و أهمها التشريع الإسلامي و خاصة المذهب المالكي و اعتمادا على القاعدة الفقهية المالكية في أنه لا توارث بين ملتين[49] وقول الرسول (ص) لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم فإن اختلاف الديانة يصبح من موانع الإرث". وما كان من محكمة التعقيب إلا أن أيدت موقف الطاعنتين ونقضت القرار المذكور على أساس أنه: " خلافا لما ذهبت إليه محكمة القرار المنتقد فإن اختلاف الدين يشكل مانعا من موانع الإرث فلا توارث بين ملتين حسبما استقر عليه الفقه والقضاء وما يتماشى وأحكام الفصل 88 م.أ.ش. وحيث كان على محكمة القرار المطعون فيه أن تبحث في ضوء ما أثير لديها فيما إذا كان المعقب ضدهم الآن وشقيقهم المتوفى "جورج / جابر س." ينتميان إلى ملة واحدة حتى يصح التوارث بينهما. وحيث أن الحسم في تلك المسألة له تأثير على وجه فصل القضية إذا لو ثبت أن المدعين المعقب ضدهم لا يرثون شقيقهم المذكور فإنهم يكونون غير ذوي صفة في القيام بهذه الدعوى الرامية على طلب قبض معينات كراء المحل الذي كان سوغه شقيقهم في قائم حياته".

و من الواضح أن محكمة التعقيب في قرارها هذا كانت على درجة عالية من الحسم جعلتها تتجاهل الواقع القانوني، وتعتبر أن إعمال مانع اختلاف الدين في الميراث يتماشى و أحكام الفصل 88 م ا ش دون أدنى تعليل لتتوج بموقفها الحاسم هذا ما جرت عليه في قراراتها السابقة الصادرة في نفس الاتجاه، و لكن عن أي فقه و فقه قضاء مستقرين تتحدث محكمة التعقيب و الكل يعلم مدى الجدل القائم حول هذا الموضوع، فقها و قضاء، وهو جدل يؤكده وجود جملة من القرارات والأحكام التي لا ترى أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث.

ب- الاتجاه القضائي المعارض لاعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث:

خلافا للتوجه السابق الذي أظهرت فيه محكمة التعقيب موقفها من خلال عدة قرارات، فإن الاتجاه القضائ الرافض للاخذ بمانع اختلاف الدين تسيطر عليه محاكم الأصل مع بروز موقف محتشم لمحكمة التعقيب من حين لأخر. 1- حكم إبتدائي مدني عدد 5701 صادر عن المحكمة الإبتدائية بالمهدية في 31 أكتوبر 1988 (قضية "ورثة م. كاكيّة")[50] تتلخص وقائع القضية في نشوب خلاف بين المدّعي وهو تونسي الجنسية ومسلم الذي طالب بتوريثه في ميراث أخته "م. كاكيّة" الفرنسية الجنسية وغير المسلمة مناصفة مع زوجها الفرنسي الجنسية وغير المسلم إلا أن الزوج واسمه "جورج أو جابر س." قدم للمحكمة وصيّة بينت أن زوجته أوصت له بكل ما تملك من جهة ومن جهة أخرى فقد دفع بالحديث النبوي "لا توارث بين ملتين" الذي دأب فقه القضاء التونسي على العمل به مؤكدا أن زوجته "م. كاكيّة" غير مسلمة وأن أخوها مسلم لذا لا يحق له المطالبة بميراثه من غير مسلمة. وهذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها مشكل ميراث مسلم من مورث غير مسلم[51]. وقد لخصت المحكمة المشكل المطروح عليها قائلة : "إن السؤال المطروح في هذه القضية هو معرفة ما إذا كان المدعي وهو تونسي مسلم يرث شقيقته الفرنسية الجنسية التي توفيت بالمهدية سنة 1986 عن غير عقب و أوصت قبل وفاتها بجميع أملاكها عقارا و منقولا لفائدة زوجها المدعى عليه الفرنسي الجنسية". و إجابة عن هذا المشكل لم تأخذ المحكمة الابتدائية بالمهدية بدفوع المدعى عليه بل خالفته معتبرة أنه لا مجال للأخذ باختلاف الدين كمانع من موانع الإرث وتأتي شهرة هذا الحكم باعتبار أنها المرة الأولى التي تقوم فيها محكمة بتحليل معمق للمسألة إذ أنها عللت حكمها بما يلي: "وحيث أن المحكمة وعلى فرض مجاراتها لفكرة لسان الدفاع الرامية إلى حرمان المدّعى من الميراث تطبيقا لأحكام الفصل 88 من م.أ.ش. الذي يتضمن في طياته حسب رأيه أن لا توارث بين ملتين – باعتبار أن المشرع قد نصّ في الفصل المذكور على مانع واحد هو القتل وترك الاجتهاد في التعرف على بقية الموانع انطلاقا من التشريع الإسلامي الذي يعتبر المرجع الوحيد في تأويل نصوص مجلة الأحوال الشخصية . وحيث أن وجوب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية في تأويل م ا ش لم يأت به نص وضعي مثلما تقر به بعض الأنظمة العربية الأخرى ولكنه إجراء عملت به المحاكم التونسية لما فيه من مصلحة واضحة في تقرير الحكم والوصول إلى الحل. وحيث أن موانع الميراث محصورة بالعد وهي عدم الاستهلال والشك فيمن مات قبل الآخر واللعان والكفر والرق والزنا والقتل والمعبر عنه بالحروف الأولية لكل مانع "عش لك رزق" فعدم الاستهلال كمانع للميراث نصت عليه مجلة الأحوال الشخصية كذلك الشك فيمن مات قبل الآخر والزنا أو اللعان فقد أصبح في حكم العدم بعد أن وقع التخلي عن هذه المؤسسة في التشريع التونسي وكذلك الرق قد وقع إلغاؤه عالميا ولم يبق إلا القتل المنصوص على أحكامه بالفصل 88 وهكذا يتبين أنه لم يبق من تلك الموانع بدون تنصيص إلا الكفر وقد اعتبر بعض الفقهاء أن كلمة "من" في ذلك النص تعني "البعض" أي "من" التبعيضية وأنه من العسير أن يحمل النص معنى لا يطيقه إذ أن الشارع لو أراد التعريج ضمنيا على اختلاف الدين كمانع للميراث لنص عليه صراحة إذ لم يبق من الموانع غيره في التنظيم فضلا على أن الشارع قد وضع بعد كلمة "من" موانع الإرث المفهوم الذي أراده للفصل 88 من م.أ.ش. وهو القتل العمد لا غير وهل يعقل أن يكون القتل العمد أشد من الكفر حتى ينتبه الشارع إلى الأول وينسى الثاني ؟". ومن الواضح أن المحكمة الابتدائية في المهدية بموقفها هذا تكون قد أسست لتوجه قضائي مبني على تحليل النص و البحث عن إرادة واضعه من خلال جمله وعباراته[52]، وهو أسلوب ما يلبث أن ينمو ويتطور نحو أسانيد أخرى و ينتشر بين عديد المحاكم على مختلف درجاتها. 2- حكم ابتدائي مدني عدد 180 صادر عن المحكمة الابتدائية بصفاقس في 30/11/ 1992. (قضية "ورثة الجمل").[53] تتلخص وقائع القضية في أن المدعو ح. الجمل. ادعى أن زوجة ابنه المتوفى لا ترث زوجها لأنها ليست على دينه فهي لم تعتنق الإسلام، لكن المحكمة الابتدائية بصفاقس لم تؤيده في موقفه عندما قضت بأن اختلاف الدين ليس مانعا من موانع الإرث على أساس أن القانون التونسي لا يأخذ بعامل الدّين وإنما يرث الشخص إذا توفرت فيه سبب من سببي الإرث و هو الزوجية[54]. و عللت المحكمة موقفها بما يلي: "وحيث وبقطع النظر عما إذا كانت المدّعى عليها قد اعتنقت الدين الإسلامي أم لا ومن باب أولى وأحرى بقطع النظر عما إذا كانت أسلمت قبل وفاة مفارقها أم بعده فإن اتفاقية نيويورك الموقع عليها من قبل الجمهورية التونسية في 10/12/1962 قد نصت صراحة صلب التوطئة "أن الرّجل والمرأة لهما الحق في الزواج وفي تكوين عائلة ولهما حقوق متساوية لقاء الزواج وفي خلاله وعند فكه". وحيث صادقت الدولة التونسية على هذه الاتفاقية دون أي احتراز... وحيث أن الاتفاقيات المصادق عليها تعتبر حسب الدستور في أعلى هرم القوانين و التراتيب بعد الدستور و الاتفاقية المشار إليها جعلت الزوجين بمجرد الزواج وفي خلاله و عند فكه متساويين في الحقوق المكتسبة لأحدهما من الأخر و في مادة الميراث و دون ميز بينهما من حيث العنصر و الجنس و الدين. وإن هذه الاتفاقية أصبحت واجبة التطبيق منذ المصادقة عليها. وحيث يتضح مما تقدم أن المدّعى عليها وبمجرّد كونها أرملة الهالك يحق لها أن ترث فيه وبالتالي فإن حجة وفاة هذا الأخير، صحيحة قانونا لما نصت على أرملته المطلوبة كوريثة له... دون الالتفات الى ما أثاره المدعي من مخالفة للمبدأ الشرعي بأن لا توارث بين ملتين إذ أن هذه القاعدة الشرعية على فرض التسليم بها فإنه لم يقع التنصيص عليها لا تلميحا ولا تصريحا بـ م.أ.ش. وحتى إن كان كذلك فإنها تعتبر متعارضة مع المبادئ التي أقرتها اتفاقية نيويورك وهي مبادئ أنزلها المشرع منزلة مفضلة تجعلها في سلم ترتيب القوانين أعلى من القانون الداخلي وإن عدم الأخذ بها يعد خرقا للقانون والنظام العام".[55] هذا هو الحكم الابتدائي الثاني الذي يخالف صراحة نهج محكمة التعقيب في قراري حورية ولويز شارلوت، وما يلفت الانتباه ان المحكمة الابتدائية بصفاقس لم تنهج نهج مثيلتها في المهدية بل قدمت تعليلا مستمدا من الترتيب الهرمي للنصوص وعلوية الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على القوانين الداخلية عدا الدستور، ولتستخلص من ذلك انه حتى لو تضمنت مجلة الأحوال الشخصية قاعدة "لا توارث بين ملتين" فإنها لا عمل عليها لوجود نص أعلى درجة يتعارض معها، مما يعني أن قضاة الأصل خطو خطوة ثانية بحجة جديدة، مما سيشجع محاكم أخرى. 3- قرار تعقيبي مدني عدد 28151 مؤرخ في 23/3/1993.(قرار "ورثة م. كاكية")[56]. صدر هذا القرار في إطار قضية (م. كاكية) السابق التعرض لها، ورغم أهمية ما ورد في رد محكمة التعقيب من مسألة اختلاف الدين في الميراث إلا أنه لم تسبق الإشارة إليه من قبل. انطلقت محكمة التعقيب من تساؤل هو: هل يرث الشقيق في إرث شقيقته أم أن ذلك يتنافى مع المبدأ الشرعي الإسلامي المعروف بأن لا توارث بين ملتين شأنه شأن القتل الوارد في الفصل 88 م ا ش؟ وأجابت محكمة القانون عن ذلك بما يلي:"لا بد من التفريق بين الجنسية والدين فالنزاع في قضية الحال لا دخل له بالدين فالقانون الدولي الخاص يعتمد على الجنسية كقاعدة ارتباط و التي لا تعنى في جوهرها إلا بالارتباط القانوني لشخص بدولة معينة بصرف النظر عن كل المؤثرات الأخرى كالدين واللغة والجنس واللون وبالتالي لا يمكن تأويل النصوص القانونية إلا في إطار القوانين الوضعية وهي حاجة ملحة تدعو إليها الفلسفة العامة للقانون الدولي الخاص و تتهيأ معها الأنسجة الضرورية لتكوين نظم قانونية مترابطة منسجمة، وإن كل إعراض عن العمل بهذا الاتجاه قد ينجر عنه تطاحن الأنظمة القانونية فتتعطل الحلول المرجوة وتصبح كل دولة محقة في اللجوء إلى استثناءات واهية تفصيا من تطبيق القانون الوضعي الأمر الذي يتنافى مع مفهوم القانون الدولي الخاص الذي يقتضي المعاملة بالمثل و يسعى في إعطاء الأحكام صبغتها التنفيذية حتى لا تكون مدعاة للتشكك لا سيما و أن لا وجود لنص وضعي ينص على وجوب الرجوع الى الشريعة الإسلامية في تأويل م ا ش رغم أن جل المحاكم التونسية عملت بذلك، إضافة إلى أن موانع الإرث محصورة و معروفة وهي عدم الاستهلال والشك فيمن مات قبل الآخر واللعان والكفر والرق والزنا والقتل والمعبر عنه بالحروف الأولية "عش لك رزق"...". و يتبين مما سبق أن محكمة التعقيب و رغم تسترها وراء متطلبات القانون الدولي الخاص أقرت بما لا يدع مجالا للشك بأنه لا وجود لنص وضعي ينص على وجوب الرجوع إلى الشريعة الإسلامية في تأويل م ا ش. وهو موقف غير مسبوق بل إنه يتعارض مع موقفها الغالب بخصوص دور ومكانة الشريعة الإسلامية في تأويل وإتمام مجلة الأحوال الشخصية. 4- حكم ابتدائي مدني عدد 8179 صادر عن المحكمة الابتدائية بالمنستير بتاريخ 1/11/1994 (قضية "جاكلين")[57]. قامت المدّعيات وهن بنات الهالك الثلاثة بقضية لدى المحكمة الابتدائية بالمنستير تطلبن فيها إبطال حجة وفاة والدهم المرحوم سالم باعتبارها شملت بصفة غير شرعية المطلوبة جاكلين كوارثة لزوجها المسلم، على أساس أن اختلاف الدين من موانع الارث حسب التأويل القضائي للفصل 88 م ا ش، إلا أن المحكمة لم تؤيدهن و اعتبرت أن النزاع بين الطرفين تمثل فيما إذا كانت المطلوبة الثانية وريثة شرعية للمرحوم سالم زوجها أم لا باعتبارها غير مسلمة؟ و اجابة عن ذلك قضت المحكمة بما يلي: "وحيث للرد عن هذا السؤال يتجه معرفة الموانع القانونية للإرث. وحيث جاء بالفصل 88 م ا ش :(أن القتل العمد من موانع الإرث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا أصليا أم شريكا أو كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه). وحيث يفهم من الفصل المتقدم أن المانع القانوني الوحيد للإرث هو القتل العمد أو المشاركة فيه أو التسبب فيه لا غير. وحيث على سبيل الجدل لا غير فإن اعتناق دين معين يهم سرائر الأشخاص ومعتقداتهم وهي أمور غير مادية و لا هي محسوسة و لا مقدرة ولا يعلمها إلا الله عز وجل و يصعب على أي شخص أن ينعت أخر باعتناقه لدين معين أو عدم اعتناقه له". و يتضح من الحيثيات السابقة أن المحكمة حصرت مفهوم النص في صريح عباراته و لم تلتفت إلى حرف "من" المثير للجدل، بل إنه عمليا لم تر في الدعوى أي سند قانوني يدعم طلبات الطرف المدعي إذ ترأت لها الدعوى خالية من أي سند قانوني أو مادي يؤيدها، و مع ذلك فهي لم تترك الأمر دون أن تعلن أن الدين أمرا ذاتيا معنويا وهي معطيات لا يمكن معها معرفة ما إذ كان شخص ما يدين بديانة دون أخرى. 5- القرار الاستئنافي المدني عدد 82861 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 14/6/ 2002.(قضية "جاكلين")[58]. من الواضح أن بنات الهالك سالم و بعد أن فشلن في كسب القضية التي سبق لهن القيام بها أمام المحكمة الابتدائية بالمنستير وطلبن فيها إبطال حجة وفاة والدهم باعتبارها شملت بصفة غير شرعية المطلوبة جاكلين كوارثة لزوجها المسلم، فإنهن لم ييئسن من القيام مجددا بقضية ثانية مع تغيير سند الدعوى إذ أن القضية الثانية كانت مؤسسة على طلب حرمان أرملة أبيهم من الإرث بسبب وجود مانع اختلاف الدين، لكن جهودهم باءت بالفشل للمرة الثاني، فمحكمة الاستئناف بتونس لم تشاطرهم الرأي و اعتبرت أنه: "وحيث أنبنى موقف المحكمة الابتدائية المطعون في حكمها الآن على اعتبار انه طالما أن أسم زوجة الهالك مدرج في حجة وفاته ولم يقع التشطيب عليه فإنه لا مجال لحرمانها من الإرث. وحيث أن هذا التعليل لا يجيب على السؤال المطروح على المحكمة وهو إمكانية قبول حرمان شخص من الإرث على أساس معتقده الديني فمجرد النظر في حجة الوفاة للقول بأن من أدرج أسمه فيها له صفة الوارث ومن لم يذكر أسمه فليس بوارث يعتبر أكساء لحجة الوفاة بنفوذ لم يعطه لها المشرع[59]. وحيث أن حجة الوفاة هي عمل قضائي ولائي يلاحظ بالاعتماد على تصريحات مدعمة بوثائق واقعة الوفاة قصد إثباتها مع ترتيب النتائج المترتبة على صعيد استحقاق التركة بناء على ظاهر الأمور بالتالي فإن حجة الوفاة لا تكسب و لا أيضا تحرم من صفة الوارث إذ أن هذه الصفة تستمد من القانون و لا يمكن المنازعة فيها إلا أمام قضاء الأصل في إطار إجراءات تكفل حق الدفاع. وحيث من الثابت من أوراق الملف أن مورث أطراف النزاع توفي في 17/1/1994 وأن أرملته المطلوب حرمانها من إرثه هي تونسية الجنسية. وحيث أن منح صفة الوارث أو الحرمان منها هي مسألة تمس في ذات الحين بالحالة الشخصية وبالحقوق المالية للأشخاص فهي بذلك من صميم عمل المشرع و لا يمكن أن تكون محل تدخل من غيره، والقضاء هو الضامن لاحترام موقف المشرع بالتصدي لكل تأويل من شأنه الابتعاد بالنص عن حقيقة معناه. وحيث بناء على ذلك فإن الفصل 88 م ا ش لما قضى بأن القتل العمد من موانع الإرث يكون قد حصر أسباب الحرمان من الإرث في القتل العمد فقط فقد خصه المشرع بالذكر بعينه مما يعني إقصاء غيره من الموانع. وحيث أن تأويل الفصل 88 م ا ش المتمسك به من نائب المستأنفين و الذي يريد اعتبار اختلاف الدين كمانع من الإرث هو تأويل يقحم إقحاما في القانون مانعا لم يذكره المشرع لا تلميحا و لا تصريحا وهو ما لا تحتمله عبارات الفصل 88 م ا ش إلى جانب ما يحمله من تجاوز لمراد واضع القانون وهو ما لا يمكن إتباعه عملا بالفصل 532 م ا ع. وحيث أن من المبادئ التي يقوم عليها القانون التونسي مبدأي الحرية الدينية و المساواة فلا يمكن أن تنقلب قراءة النصوص إلى مطية لاختلاق بؤر لا مساواة في التشريع. وحيث أن ضمان الحرية الدينية بالفصل 5 من الدستور يتنافى مع تكريس الدين كمانع للإرث لأنه كلما علق حق مالي على إتباع شعور عقائدي أدى ذلك إلى التأثير على إرادة الشخص في اختيار دينه حتى لا يضيع نصيبه في التركة. وحيث أن القضاء منزه عن جعل الدين رهانا في المنازعات المالية وهو ينأى بالعقيدة أن تكون موضوع إثبات فيحاول أحد إقامة الحجة عليها و يسعى الأخر إلى دحضها إلى أن ينتهي الأمر بالقاضي إلى محاولة البحث فيما تخفي السرائر، ومتى كان قادرا و مخولا لذلك؟!. وحيث أن إقحام المانع الديني بالفصل 88 م ا ش يؤدي حتما إلى خرق الفصل 6 من الدستور وذلك بخلق صنفين من التونسيين صنف له أهلية الميراث لاعتناقه نفس ديانة مورثه وصنف أخر ممنوع من الميراث لمجرد ممارسته لحرية اختيار معتقده. وحيث لا مجال لإعطاء الفصل 88 م ا ش تأويلا ينقلب به من نص منسجم مع الدستور إلى نص يخرق الدستور. وحيث لا وجود بالتالي لأساس قانوني لحرمان المستأنف ضدها من الميراث في زوجها لذلك فإن الحكم الابتدائي كان وجيها و يتجه إقراره". واعتمادا على جملة ما سبق يمكن القول أن محكمة الاستئناف بتونس انضمت لقائمة المعارضين للعمل بمانع اختلاف الدين وذلك من خلال قرار معلل تعليلا مبنيا على خصوصية العنصر الديني لارتباطه بخفايا النفس، وعلى المبادئ الدستورية والقانونية التي يقوم عليها القانون التونسي. وهو الموقف الذي ستكرره نفس المحكمة عدة مرات لاحقا. 6- حكم ابتدائي مدني عدد 7602صادر عن المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 18/5/1999 (قضية "قرادار- نائلة")[60]. تتلخص وقائع القضيةفي أن السيدة "قرادار" شهرت "نائلة" ورثت عن زوجها المتوفي بالاشتراك مع إبن أخيه وشقيقات المرحوم بيتا ثم باعت نصيبها من التركة إلى إبن أخ الميت المذكور، و بعد 10 سنوات وبتاريخ 11 أكتوبر 1990 تقدمت أرملة الهالك بطلب إلى قاضي الناحية لإصلاح حجة وفاة زوجها وتجريدها من صفتها كوارثة لأنها وعلى خلاف ما ورد بحجة الوفاة الأولى لم تعتنق الديانة الإسلامية إلا في يوم 29 سبتمبر 1980 حسب شهادة مسلمة من المفتي وهي بذلك لم تكن مسلمة يوم افتتاح التركة ولا تستحق بالتالي الميراث من زوجها. فما كان من محكمة الناحية إلا أن استجابت لطلبها وفي يوم 21 ماي 1991 توفيت هذه المرأة واعتمادا على هذه الوقائع قامت شقيقتا الهالك بدعوى لدى المحكمة الابتدائية بتونس طالبتين إبطال عقد البيع الذي باعت فيه "نائلة قرادار" نصيبها في التركة إلى الوارث الأخر معهن وهو إبن أخ الهالك. إلا أن المحكمة الإبتدائية بتونس خالفت ما سبق و أن ذهبت إليه محكمة الناحية واعتبرت أن إقصاء أرملة مورث أطراف النزاع من زمرة الورثة بناء على معتقدها الديني زمن افتتاح التركة يتعارض مع الفصل 88 م.أ.ش.[61]، معللة موقفها بما يلي: "وحيث أن إقصاء أرملة مورث أطراف النّزاع من زمرة الورثة بناء على معتقدها الديني زمن افتتاح التركة يتعارض مع الفصل 88 م.أ.ش. الذي حدد موانع الإرث وحصرها في القتل العمد مما يلزم معه عدم التوسع في مجاله عملا بالفصل 540 مجلة التزامات وعقود ولو أراد المشرع وضع هذا المانع لنص عليه صراحة خاصّة وأن من محرري مجلة أ.ش. من سبق وأن تبنى هذا المانع في الفصل 789 من لائحة الأحكام الشرعية لكن لم يقع إتباعها بحيث لم يبق في م.أ.ش. إلا القتل العمد كمانع من الإرث. وحيث أن حكم الفصل 88 م ا ش يتعزز بالرجوع إلى المبادئ العامة للقانون التي يرجع إليها بالتأويل عملا بالفصل 535 م ا ع. وحيث أن منع التمييز لاعتبارات دينية هو من المبادئ التي تؤسس للنظام القانوني التونسي فهو من مستلزمات الحرية الدينية كما كرست بالفصل 5 من الدستور و كما وقع تضمينها بالمواد 2 و 16 و18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 وفي الفقرة 2 ومن المادة2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية وفي المادة 2 فقرة 1 من العهد الدولي للحقوق السياسية و التي انخرطت فيها تونس، كما أن عدم التمييز لاعتبارات دينية يستنتج بصفة ضمنية من كل النصوص التشريعية السارية المفعول مما يجعله من صنف المبادئ العامة المهيمنة على النظام القانوني. وحيث أن العمل بالدين كمانع من موانع الإرث يؤدّي لجعل هذا الحق معلقا على معتقدات الشخص مما قد يؤدي إلى الضغط على حريته في اختيار دينه سعيا وراء ضمان نصيبه في التركة" كما يؤدي العمل بهذا المانع بالمحكمة أن تجبر المتقاضين على التصريح بديانتهم وهو ما يتعارض مع واجب احترام الشعور الديني وضرورة إبقائه في إطار الإيمان الباطني للفرد". و هذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها محكمة إلى قراءة الفصل 88 م ا ش على ضوء الدستور و الاتفاقيات الدولية بهذا الإطناب و التفصيل، وتعلن أن عدم التمييز لاعتبارات دينية هو من المبادئ القانونية العامة التي تحكم النظام القانوني التونسي . 7- قرار إستئنافي مدني عدد 3351 صادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 4/5/2004. (قضية ورولوس وياسمين) [62]. طلبت إحدى شقيقات الهالك من المحكمة الابتدائية إبطال حجة الوفاة وإقصاء اثنتين من بين الورثة وهما المدّعى عليهم أرملة الهالك "ورولوس" وابنته "ياسمين" على اعتبار أنهما ليستا مسلمتين في حين أن المتوفى مسلم إلا أن محكمة البداية اعتمدت على شهادة الإسلام التي قدمتها المدّعى عليها لإثبات اعتناق الدين الإسلامي وقضت بعدم سماع الدّعوى.فاستأنفت المدعية ذلك الحكم وقدّمت نفس المستندات، إلا أن محكمة الاستئناف بتونس لم تكتف بموقف محكمة البداية معتبرة أن النزاع يتعلق بتحديد ما إذا كان للدين تأثير على استحقاق الإرث، و ذهبت نحو تبني موقف تحرّري يتماشى و موقفها في قضية جاكلين -الثانية-[63] حيث اعتبرت أن القانون لم ينص على اختلاف الدين كمانع من موانع الإرث بالتالي ليس للقاضي أن يتوسع في تأويل الفصل 88 ليحرم الورثة من حقهم المالي وبالتالي لم تحاول محكمة الاستئناف أن تجد شرعية التوريث كما هو المعتاد أي لم تحاول أن تناقش شهادة الإسلام وعن طريقها تورث المدعى عليها. بل رفضت تماما القبول باختلاف الدين كمانع من موانع الميراث وحكمت برفض الاستئناف في الأصل وأقرّت الحكم الابتدائي، وذلك انطلاقا من جملة حجج هي: 1- ان منح صفة الوارث أو الحرمان منها هي مسألة تمس في ذات الحين بالحالة الشخصية وبالحقوق المالية للأشخاص فهي بذلك من صميم عمل المشرع و لا يمكن أن تكون محل تدخل من غيره والقضاء هو الضامن لاحترام موقف المشرع بالتصدي لكل تأويل من شأنه أن يبتعد بالنص عن حقيقة معناه. 2- إن الفصل 88 لما قضى بأن "القتل العمد من موانع الإرث " يكون قد حصر أسباب الحرمان من الإرث في القتل العمد فقط الذي خصه المشرع بالذكر بعينه مما يعني إقصاء غيره من الموانع. 3- أن تأويل الفصل 88 م.أ.ش. المتمسك به... والذي يريد إقحام اختلاف الدين كمانع من الإرث هو تأويل يقحم في القانون مانع لم يذكره المشرع لا تصريحا ولا تلميحا وهو ما لا تتحمل عبارات الفصل 88 م.أ.ش. إلى جانب ما يحمله من تجاوز لمراد واضع القانون وهو ما لا يمكن إتباعه عملا بالفصل 532 م.أ.ع. 4- وحيث من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نظام القانون التونسي مبدأ الحرية الدينية والمساواة فلا يمكن أن تؤدي قراءة النصوص إلى الإخلال بهما وإنما يجتهد القضاء في حلّ النزاعات بشكل يتطابق معهما. حيث أن ضمان الحريّة الدينية بالفصل 5 م.أ.ش. يتنافى مع تكريس الدين كمانع للإرث لأنه كلما علق حق مالي على إتباع عقيدة معينة إلا وأدى ذلك إلى التأثير على إرادة الشخص في إختيار دينه حتى لا يضيع نصيبه من التركة. وحيث أن القضاء منزه عن جعل الدين رهانا في المنازعات المالية وهو ينأى بالعقيدة أن تكون موضوع إثبات فيحاول أحد إقامة الحجة عليها و يسعى الأخر إلى دحضها إلى أن ينتهي الأمر بالقاضي إلى محاولة البحث فيما تخفي السرائر، ومتى كان قادرا و مخولا لذلك؟!. حيث أن مبدأ المساواة المكرّس بالفصل 6 م.أ.ش. يمنع كذلك اعتبار الدين مانعا للإرث. 5- إن الميراث هو حق يجب أن يبقى محكوما بعناصر مؤسسة على درجة القرابة التي تربط بين الهالك وإرثه والعلاقة العاطفية والحميمية التي تربط بينهما والتي تشرع استحقاق الإرث. مؤكدة أنه لا مجال لتصنيف الورثة على أساس الدين و الحال ان درجة قرابتهم و عاطفتهم واحدة اتجاه الهالك. 6- إن التمشي الذي اعتمدته محكمة البداية غير سليم إذا ما كان لها أن تبحث في عقيدة المستأنف ضدهما ورولوس وياسمين احتراما لمعتقدهما الذي هو من أهم مقوّمات حياتهما الخاصة...". لتنتهي المحكمة إلى أنه "لا مجال بالتالي لإعطاء الفصل 88 م.أ.ش. تأويلا ينقلب به من منسجم مع الدستور إلى نص مخالف للدستور". كما أن "استحقاق الإرث لا يتأثر بديانة المورث". و من الواضح أن التيار القضائي المعارض لاعتماد مانع اختلاف الدين يجهد نفسه في تبرير و تأسيس موقفه على جملة من الحجج المنطقية والمبادئ الدستورية مثل مبدأ الحرية الدينية ومبدأ المساواة بين المواطنين و حرمة الحياة الخاصة. 8- قرار إستئنافي مدني عدد 120 صادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 6/1/2004(قضية "روني ف.") [64]. مرة أخرى تجد محكمة الاستئناف بتونس نفسها أمام سؤال ما هو تأثير العقيدة على حقوق الأشخاص وحرياتهم وبالأخص حرية الزواج والحق في الميراث؟ ومرة أخرى أيضا تؤكد المحكمة نفس التمشي الذي تبنته في القضايا السابقة وتبين في جميع حيثيات قرارها المطولة والمؤسسة أن مانع اختلاف الدّين لا يمكن الأخذ به. ففي هذه القضية أيضا أكدت محكمة الاستئناف أن "الزوجية هي من أسباب الميراث وبالتالي فإنه خلافا لما ذهبت إليه محكمة البداية فإن إثارة عدم صحة الزواج لرد تمسك المدعي بصفته وارثا كزوج هو من قبيل المسائل الأولية التي تدخل في اختصاص المحكمة الابتدائية التي بإمكانها ان تنظر أصلا في دعاوى صحة الزواج". ثم بينت أن المشرع لم يذكر أي شرط متعلق بالدين لا ضمن موانع الزواج (الفصلين 5 و14 م ا ش) و لا ضمن موانع الإرث (الفصل 88 م ا ش). وتضيف المحكمة: " وحيث مادام المبدأ هو حرية الإنسان فإن كل تقييد لها يجب أن يوضع بنص خاص و صريح، وتأسيسا على ذلك فإن خلو م ا ش من كل قاعدة مكرسة للدين كمانع للزواج أو للإرث يدل بوضوح على إرادة المشرع في إقصاء هذه الموانع. و حيث أن تأويل الفصلين 5 و 88 من م.أ.ش. باعتبارهما يكرسان الدّين كشرط للزواج والميراث هو تأويل يقحم في القانون مانعا لم يذكره المشرع لا تصريحا ولا تلميحا وهو ما لا تتحمله عبارات النص إلى جانب ما فيه من تجاوز لمراد واضع القانون ومن توسيع في الاستثناءات مما يتجه معه عدم مجاراته عملا بالفصلين 532-540 من م.إ.ع. وحيث أن من المبادئ التي يقوم عليها القانون التونسي مبدأي الحرية الدينية و المساواة فلا يمكن أن تنقلب قراءة النصوص إلى وسيلة للتضييق من الحرية و لاختلاق بؤر لا مساواة في التشريع". لتمر بعد ذلك الى تكرار الحيثيات المتعلقة بالفصلين 5 و6 من الدستور. يلاحظ مما سبق أن المحكمة أجهدت نفسها بتعليل مستمد من المبادئ العامة للقانون (الفصلين 532-540م.إ.ع) والقواعد الدستورية (الفصلين 5 و6 من الدستور) التي تحول دون إمكانية التوسع في الاستثناء أو التمييز على أساس المعتقد بما يؤدي للخروج عن إرادة المشرع. ولهذا السبب ربما لم تجد محكمة التعقيب بدا من تأييد هذا القرار ولو بحيثيات متضاربة الدلالة[65]. 9- القرار التعقيبي عدد 4105 مؤرخ في 12/1/2006. "قرار صوفية"[66] تتلخص وقائع هذه القضية في قيام الطاعنين لدى المحكمة الابتدائية بتونس بقضية لدى التشطيب على اسم المطلوبة في حجة وفاة مورثهم على اعتبار أن هذا الأخير توفي في 06/07/1990 وأحاطوا بإرثه بمفردهم إلا أنه وبتاريخ لاحق أصدرت محكمة ناحية قرطاج قرارا يقضي بإتمام حجة الوفاة وإضافة اسم صوفية المطلوب التشطيب عليه إلى جملة الورثة. إلا أن المحكمة الابتدائية رفضت إصلاح حجة الوفاة بالرّغم من أن الطاعنين أكدوا وقدموا ما يثبت أن صوفية ليست على دين أبيها الهالك بل هي منذ ولادتها مسيحية الدّيانة وعلى ملة والدتها الألمانية وهي جملة أدلة منها : إشهاد لدى عدلين لأرملة جد المطلوبة، ورسالة خطية صادرة عن المطلوبة وموجهة إلى عمها المنصف تؤكد عدم إسلامها والشهادة الإدارية الصادرة عن بلدية إديفين الألمانية والتي تفيد أن المطلوبة مسحية. وكذلك اسم المطلوبة المسيحي وهو ألكسندرا وزواجها من شخص ألماني ورفضها المجيء إلى تونس. إلا أن المطلوبة ردت على ذلك بأنها مسلمة وعلى دين والدها علاوة وأن القانون التونسي لا تختلف أحكامه حسب ديانات الأفراد. وقدمت أدلة وهي شهادة مسلمة من كنيسة المنطقة بأن المطلوبة لا تمارس شعائر المسيحية. فقضت محكمة البداية بعدم سماع الدعوى و تأييد حكمها في الطور الاستئنافي، فتعقبه المدعون في الأصل ناسبين له جملة من المطاعن التي تمحورت حول الحجج المثبتة لإسلام بنت الهالك صوفية من عدمه و الغريب أن أيا من المطاعن الثمانية لم يتطرق لخرق الفصل 88 م ا ش أو سوء تطبيقه لا من قريب و لا من بعيد.

وكان رد محكمة التعقيب بأن انطلقت من قرينة مفادها:"أن بنت المسلم هي مسلمة إلى أن يثبت ما يخالف ذلك" أي أنها اعتبرت و أن إسلام الأولاد ثابت بمجرد انتسابهم لأب مسلم[67] لكنها لم تعتبر أن العقيدة الثابتة بالنسب هي قرينة مطلقة بل يمكن دحض قرينة الإسلام النسبي بالأفعال والأقوال. و مرت محكمة التعقيب بعد هذا الموقف المبدئي إلى الخوض في أمور واقعية تتعلق بمناقشة أدلة الطرفين حول إسلام صوفية من عدمه إذ جاء في بقية الحيثيات ما يلي: "حيث تمسك المعقبون بارتداد المعقب ضدها عن الدين لنشأتها بألمانيا وولادتها هناك وكونها لا تتكلم العربية فضلا عن محضر إشهاد لدى عدلين لأرملة جدّ المطلوبة والرسالة الخطية الصادرة عن المعقبة والموجهة إلى عملها والتي تفيد وأن المطلوبة مسيحية وكذلك اسمها المسيحي وزواجها من شخص ألماني والشهادة الإدارية الصادرة عن بلدية إيدنقن فضلا عن عدم حضورها التحرير عليها. وحيث بالإطلاع على القرار المنتقد يتّضح وأنه قد تناول في نطاق تقديره للوقائع والأدلة بالنقاش والدرس جميع هذه الأدلة وقد ردها بالقول بأن ولادة المستأنف ضدّها ببلاد غريبة ومن أم مسيحية ونشأتها هناك وعدم نطقها باللغة العربية لا ينهض مطلقا حجة على أنها غير مسلمة هذا فضلا عن تأكيده وأن الوثائق المدلى بها لا يمكن اعتمادها لكونها الرسالة الخطية هي مجرد صورة شمسية أما شهادة جدة المستأنف ضدها المعقب ضدها الآن فلا يمكن اعتمادها أيضا لعدم تلقيها طبق أحكام الفصول 92 وما بعده من م.م.م.ت. هذا بالإضافة إلى أن الشهادة الصادرة عن بلدية إيدنقن قد أنكرتها المعقب ضدها وقدمت ما يفندها بالشهادة الصادرة عن الدائرة الكنائسية الإنجليزية بالمنطقة والتي تؤكد عدم ممارستها الشعائر الدين المسيحي وعدم حضورها الصلوات التي تقيمها الكنيسة التابعة لها. وحيث ثبت أيضا من مظروفات الملف أن والد المعقب عليها كان مسلما وبالتالي فإن إبنته تعد مسلمة وهي قرينة واقعية لم يثبت من خلال أوراق الملف ما يدحضها سيما وأن المعقب ضدها كانت مصرة على كونها تدين بالديانة الإسلامية وتفريعا على ذلك فلا مجال للقول بالتبيان في الأديان هذا من جهة من أخرى فإن القانون التونسي لم تشر إلى هاته المسألة بصريح اللفظ وتعين لذلك رد جملة المطاعن المتقدم بها من طرف نائب المعقبين". ما يلفت الانتباه في هذا القرار هو أن موقف محكمة التعقيب من مسألة اختلاف الدين جاء على سبيل التزيد ودون أدنى حاجة له فمحكمة القانون بينت في كل الحيثيات السابقة أن حجج نفي إسلام بنت الهالك صوفية غير وجيهة و أنها لازالت تتمتع بقرينة الإسلام النسبي، فلماذا تكلف المحكمة نفسها مؤونة القول بأنه :" ... لا مجال للقول بالتبيان في الأديان هذا من جهة من أخرى فإن القانون التونسي لم يشر إلى هاته المسألة بصريح اللفظ ..." ربما أراد قضاة الدائرة التي أصدرت القرار أن لا يفوتوا الفرصة دون أن يعلنوا موقفا حرمتهم الوقائع من التصريح به مباشرة. [68] 10- حكم ابتدائي مدني عدد 29051 صادر عن المحكمة الابتدائية بقرمبالية بتاريخ 23/4/2007. (قضية "أنجلا")[69]. يمكن القول أن المحكمة الابتدائية بقرمبالية انضمت أخيرا الى قائمة المحاكم المعارضة لاعتبار اختلاف الدين مانعا من موانع الإرث ففي قضية تتلخص وقائعها في نشوب نزاع بين ورثة المرحوم "النوري" وهم زوجته الفرنسية غير المسلمة السيدة "أنجلا"و شقيقه و شقيقته قامت على إثره الزوجة بقضية في محاصصة المنقولات موضوع المخلف لإنهاء حالة الشيوع و فرز مناب كل من الورثة طالبة تمكينه من منابها المتمثل في ربع التركة لغياب الفرع الوارث للهالك، لكن دفاع الشقيقين تمسك بأن وجود اسم الزوجة في حجة الوفاة لا يخول لها الاستحقاق في مخلف الهالك لأن الدين الإسلامي يحجر التوارث بين المسلم والكافر و لما جرى العمل به فقها و قضاء.والغريب ان دفاع الشقيقين تمسك بأحكام أمر 12/7/1956 المتعلق بالحالة الشخصية للأجانب (الملغى) ولم يتمسك حسب ما ورد في نسخة الحكم بأحكام الفصل 88 م ا ش. وكان رد المحكمة مخالفا لموقف الشقيقين وذلك حين اعتبرت أنه: "وحيث تمسك نائب المطلوبين بعدم استحقاق المدعية في إرث زوجها باعتبار وأنها على غير دين الإسلام و قد بقيت على غير دين الإسلام إلى أن توفي زوجها. وحيث اقتضى الفصل 88 من م ا ش أن "القتل العمد من موانع الإرث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا أو كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه". و حيث خلافا لما تمسك به نائب المطلوبان فإنه لا يمكن اعتبار اختلاف الدين كمانع من موانع الإرث عملا بأحكام اتفاقية نيويورك الموقع عليها بتاريخ 10/12/1962 و المتعلقة بالرضا في الزواج و بالسن الأدنى له و تسجيل عقوده و المصادقة عليها من طرف الدولة التونسية بمقتضى الأمر عدد 114 المؤرخ في 4/5/1967 و التي جاء بتوطئتها:" للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي ميز من حيث العنصر أو الجنسية أو الدين, ولهما الحق في الزواج وفي تكوين عائلة ولهما حقوق متساوية تلقاء الزواج ومن خلاله وعند فكه".[70] وحيث أنه من الثابت قانونا أن المعاهدات الدولية أقوى نفوذا من القوانين استنادا إلى أحكام الفصل 32 من الدستور الذي نص على أنه "لا تعد المعاهدات نافذة المفعول إلا بعد المصادقة عليها و شريطة تطبيقها من الطرف الأخر. والمعاهدات المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية والموافق عليها من قبل مجلس النواب أقوى نفوذا من القوانين". وحيث يتجه و استنادا لما ذكر استبعاد اختلاف الدين كمانع من موانع الإرث تطبيقا للمعاهدة المذكورة ولمبدأ المساواة و حرية المعتقد الواردين بأحكام الدستور التونسي. وحيث علاوة عن ذلك فإنه و طالما لم ينص المشرع صراحة على ان الاختلاف في الدين من موانع الإرث فإن إضافة موانع أخرى للقتل العمد الوارد به الفصل 88 من م ا ش المشار إليه أعلاه يبقى خاضعا لمطلق اجتهاد القضاة وذلك مع مراعاة المبادئ التي تقوم عليها جميع النصوص التشريعية السائدة و التي تمنع التمييز لاعتبارات دينية." يستخلص مما سبق بسطه من أحكام وقرارات أن القضاء بما فيه محكمة التعقيب غير متفق على رأي واحد، بل هو منشق بين رأيين، و رغم ما في هذا الجدل القضائي من مخاطر فإن هناك من رأى فيه وجها ايجابيا وهو أنه مدعاة للمشرّع كي يغيّر النّص القانوني على ضوء المفهوم الجديد الذي مالت إليه أحيانا محكمة التعقيب بعد ملاحظتها للتحوّلات في محاكم الأصل "والانتفاضة من الممكن أن تؤدي إلى نتائج إيجابية شريطة أن لا تكون انتفاضة مستمرة وأن تلحقها فترة استقرار وإلا فإنها تؤدّي إلى الفوضى ومهمة محكمة التعقيب تتمثل في تلافي الفوضى وتحقيق الاستقرار".[71] لكن هذا التفاؤل لم يلق أذن صاغية من المشرع، بل إن الجدل القضائي كان دائما بمثابة الوقود الذي يزيد من تأجج نار الجدل الفقهي فكلما صدر حكم أو قرار جديد إلا و انبر له باحث بالتعليق مؤيدا أو معارضا.

الفقرة الثانية: الجدل الفقهي:

جوهر الجدل و منطلقه هو تباين الآراء بين الشراح حول مدى إمكانية اعتبار التشريع الإسلامي مصدرا لتأويل و تكملة أحكام مجلة الأحوال الشخصية إذ يرى البعض أنه لا يمكن أن يعتبر التشريع الإسلامي مصدرا تفسيريا أوتكميليا للقواعد الناقصة أو الغامضة و[72]، في حين يذهب شق أخر من الفقه إلى خلاف ذلك متمسكين بضرورة الرجوع الى الشريعة الإسلامية لتفسير و إتمام نصوص المجلة. ومن هذا الجدل العام تولد جدل فرعي يتعلق بمدى إمكانية العمل باختلاف الدين كمانع للإرث، عند تأويل أحكام الفصل 88 م ا ش، بين مؤيد لاعتبار اختلاف الدين مانع من موانع الإرث (أ) ومعارض لذلك (ب).

أ- حجج من يرى في اختلاف الدين مانعا من موانع الميراث

يؤسس أنصار هذا التوجه موقفهم على خمس حجج [73] هي: الحجة الأولى: المصدر المادي للمجلة: إن جل الأحكام المتضمنة بمجلة الأحوال الشخصية استمدت مباشرة من الفقه الإسلامي[74] بل أكثر من ذلك فإن الأحكام التي تبدو جديدة في ظاهرها أو في مضمونها فهي أيضا مأخوذة غالبا من بعض المذاهب أو بعض الآراء الفقهية القديمة ونخص بالذكر مؤسسة الرد والوصية الواجبة فالرد مقبول في المذهب الحنفي والوصية الواجبة وردت بكتب الفقيه ابن حزم الظاهري. فالمشرع لم ينقطع مع القانون الإسلامي أو يتنكر له لإيمانه بأن الإسلام أحد و أهم دعائم هذا المجتمع[75]، فمجلة الأحوال الشخصية أول تشريع تقدمي في قوانين الحالة الشخصية في العالم الإسلامي[76] وكانت مستمدة برمتها يوم صدورها من قواعد الفقه الإسلامي وذلك عبر لائحة الشيخ جعيط عدا بعض الفصول [77]، ومن مجلات الأحوال الشخصية المتأثرة بالإسلام والتي صدرت في بعض الدول العربية قبل المجلة التونسية وهي المجلة المصرية والمجلة السورية[78]، بحيث لا توجد في المجلة مخالفة صريحة للقرآن أو السنة النبوية الصحيحة، ولا إضافة اجتهادية لا يمكن تبريرها فقهيا، ولا يمكن تأويلها بالرجوع إلى تراث الإسلام ذاته.[79] وقواعد الميراث في المجلة هي ابرز دليل على صلتها بالتشريع الإسلامي، فهي لا تكاد تختلف في شيء عما أقره الفقه التقليدي،[80] و طالما أن تلك الأحكام مستمدة من الشريعة فإن أي غموض أو نقص فيها يقع تلافيه بالرجوع إلى تلك الشريعة. الحجة الثانية: نية المشرع: المشرّع التونسي وعلى خلاف العديد من التشاريع العربية لم يجعل الفقه الإسلامي مصدرا من مصادر التشريع، لكن عدم التنصيص على ذلك لا يمنع من القول إنّ الفقه الإسلامي هو آليّة يمكن للقاضي اعتمادها في صورة غياب النصّ[81] فمجلة الأحوال الشخصية من صميم الإسلام، ولا تعارض بينهما، فقد وضع الإسلام الكليات، وفصلت القوانين الوضعية الجزئيات[82]. فكتب الشريعة هي العمدة في تحرير نصوص المجلة و لا مانع من محاولة فهم تلك النصوص و تأويلها على ضوء الأصول المقررة في الشريعة ما دامت هذه النصوص مجملة في البعض و غامضة ومشوشة في البعض الأخر.[83] وهو ما يتأكد من تقديم السيد وزير العدل للمجلة سنة 1956 و الذي يعد بمثابة الأعمال التحضيرية قائلا: "إن تشريعنا الذي يستمد روحه من التشريع الإسلامي سوف يقيم الدليل الواضح على أنه لا يشكل فقط مادة صالحة الا للجدال النظري، بل يقيم الدليل على أنه مادة قانونية حية، تنسجم مبادئها مع تطور المجتمع".[84] كما أن البيان الصادر عن الوزارة في 3/8/1956 أشار صراحة إلى أنه :"أهملنا ذكر الفروع و الجزئيات، و تركناها لاجتهاد القاضي يأخذها من المراجع و الأمهات عند الاقتضاء... " وفي ذلك إحالة صريحة الى المصدر المكمل ليأخذ القاضي من المراجع والأمهات. [85] فأمر التشريع بعد الاستقلال أصبح موكولا للمشرع الوضعي بدون أن ينقطع هذا المشرع مع القانون الإسلامي أو يتنكر له لإيمانه بأن الإسلام أحد وأهم دعائم هذا المجتمع، وبأن الاجتهاد في الانتفاع بأحكام قانونية وتنزيلها على الواقع والأحوال أحسن تنزيل أفضل بكثير من الركون للركود و التقليد. [86] فالعامل الديني يلعب دورا كبيرا في تأويل القواعد القانونية المتعلقة بالأحوال الشخصية، فهو المرجع في التأويل من الناحية الفنية البحتة، ومحكمة التعقيب لم تتحرج في بعض الحالات من الإشارة الى النظام العام في مقوماته الدينية.[87] الحجة الثالثة: مقتضيات الفصل الأول من الدستور: الذي ينص على أن دين الجمهورية التونسية هو الإسلام وحسب أنصار هذا الرأي فهذا الفصل له قوة إلزامية خاصة وأن الدستور يأتي في أعلى مرتبة من درجات القوانين الأساسية التي تخضع إليها كل دولة منظمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا. الحجة الرابعة: قواعد تأويل النص الغامض: حسب مقتضيات الفصل 532 م.إ.ع الوارد ضمن المبادئ العامة للقانون المدني فإنه لا بد عند تأويل الأحكام والمسائل القانونية الغامضة أن يتمكن الباحث ورجل القانون من البحث عن مقصد المشرّع انطلاقا من عبارات النص ومعانيه اللغوية والنحوية وأصحاب هذا الرأي يعتبرون أن مقصد المشرّع في جميع القضايا المتعلقة بمادة الأحوال الشخصية هو احترام الفقه الإسلامي واحترام كل المبادئ المتضمنة خاصة في المذهبين المالكي والحنفي.

ولكل هذه الأسباب فإن أنصار هذا الاتجاه يعتبرون أنه من الضروري الرجوع إلى القانون الإسلامي لتأويل الفصل 88 م.أ.ش وجعل اختلاف الدين مانعا من موانع الميراث سيما وأن عبارة "من" تدل دلالة جازمة وقاطعة على رغبة واضع النص في احترام الموانع الجاري بها العمل قديما. الحجة الخامسة: الاحترازات على الاتفاقيات الدولية و الاستثناءات الواردة في الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بتنفيذ الأحكام: من الثابت أن الحكومة التونسية كلما صادقت على اتفاقية دولية ذات صلة بالأحوال الشخصية إلا و قدمت احترازات تتعلق بأحكام المواريث، كما أنها تميل دائما الى وضع استثناء في الاتفاقية الثنائية المتعلقة بتنفيذ الاحكام يهم المواريث و الوصية، وبالنسبة للاحتراز يمكن الاشارة إلى حالتين على الأقل هما: 1- البيانات و الاحترازات المقدمة على اتفاقية حقوق الطفل:

قدمت الحكومة التونسية عند مصادقتها على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل[88] ثلاث بيانات و ثلاث احترازات يهمنا منها كل من البيان و الاحتراز الأولين، إذ جاء في البيان الأول :"تعلن الحكومة التونسية أنها لن تتخذ في تطبيق هذه الاتفاقية أي قرار تشريعي أو تنظيمي من شأنه أن يخالف الدستور التونسي". أما الاحتراز الأول فقد تعلق بالمادة 2 من الاتفاقية وخاصة فيما يتصل بالزواج و الارث، و بالاطلاع على نص تلك المادة يلاحظ أنها تنص على ما يلي:"1-تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز، بغض النظر عن عنصر الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو رأيهم السياسي أو غيره أو أصلهم القومي أو الإثني والاجتماعي أو ثروتهم أو عجزهم أو مولدهم أو أي وضع آخر. 2- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب القائمة على أساس مركز والدي الطفل أو الأوصياء القانونيين عليه أو أعضاء الأسرة، أو أنشطتهم أو آرائهم المعبر عنها أو معتقداتهم". 2- الاحترازات والإعلان الحكومي المتزامن مع المصادقة على اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة:

كما قدمت الحكومة التونسية عند مصادقتها على الاتفاقية الأممية لمناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة[89] بيانا عاما أعلنت فيه :"تعلن الحكومة التونسية أنها لن تتخذ في تطبيق هذه الاتفاقية أي قرار تشريعي أو تنظيمي من شأنه أن يخالف أحكام الفصل الأول من الدستور التونسي". و إلى جانب هذا البيان كانت هناك جملة من الاحترازات ما يهمنا منها هو الاحتراز المقدم على البند "ج" من الفقرة 1 من المادة 16 الذي ينص على:" -1 تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة:...(ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه؛"، و بموجب الاحتراز أعلنت الحكومة التونسية أن هذا البند غير ملزم لها. و يستخلص مما سبق أن الحكومة التونسية تعطي لأحكام الفصل الأول من الدستور مكانة في التشريع، وتلزم نفسها بعدم اتخاذ أي تراتيب مخالفة له، كما أنها لا ترغب في أن يكون للاتفاقيات الدولية أي انعكاس على قواعد الميراث. وطالما أن هذه الاتفاقيات هي أخر ما وقعت المصادقة عليه فيما يتعلق بحقوق العائلة فإنها تبرز الإرادة الواضحة للمشرع في الحفاظ على الأحكام الوطنية الخاصة بالميراث دون تغيير. وهو ما يتأكد من خلال الاتفاقيات الثنائية المتعلقة بتنفيذ الأحكام. 3- الاستثناءات المدرجة في اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية الخاصة بالاعتراف بالأحكام وتنفيذها: بالرجوع إلى أغلب الاتفاقيات الثنائية الخاصة بالاعتراف بالأحكام وتنفيذها و التي أبرمتها الدولة التونسية مع الدول الشقيقة و الصديقة يلاحظ أنها تتضمن ذات الاستثناء و هو:"لا تطبق هذه الاتفاقية على الأحكام الصادرة في مادة الوصايا و المواريث"[90]. و من الواضح أن الغاية من هذا الاستثناء هو تجنب تنفيذ أحكام تتعارض مع النظام القانوني التونسي للميراث. إلا أن جميع هذه الحجج لم تكن مقنعة لشق أخر من الفقه الذي بقي على موقفه الرافض لاعتبار اختلاف الدين من موانع الإرث اعتمادا على عدة حجج أخرى.

ب- حجج من لا يرى في اختلاف الدين مانعا من موانع الميراث:

يقدم أصحاب هذا الرأي جملة من الحجج المعاكسة لما تمسك به دعاة الرأي السابق والمستمدة من نصوص وفلسفة التشريع الوضعي التونسي و هي تتمثل فيمايلي[91]: الحجة الأولى: سكوت النص:

نص الفصل 88 م.أ.ش لم يتطرق إطلاقا لمانع اختلاف الدين لا في صيغته العربية، ولا في ترجمته الفرنسية. وطالما أن الأصل في الأشياء و الأفعال الإباحة[92]، فكل مالم يمنعه المشرع صراحة يعتبر مباحا. وذلك خاصة عندما يكون المشرع على علم بهذا الإشكال ولم يرد النطق والإفصاح بل اختار الصمت الذي "يتقن فنه "[93]عمدا[94]، وهو ما سمح باستنتاج أن مانع اختلاف الدين حذف بصفة غير مباشرة من المجلة.[95] الحجة الثانية: القياس على الوصية: المشرع التونسي وفيما يتعلق بالوصية نص صراحة على أنه لا عبرة باختلاف الدين بين الموصي والموصى له[96] وطالما أن كلا من الميراث والوصية هو تمليك مضاف إلى ما بعد الموت فيفترض أنه لا فرق بينهما[97]. الحجة الثالثة: التوجه العام للمشرع:

لا جدال أن المشرع التونسي اتخذ أحيانا قواعد مخالفة تماما للقانون الإسلامي مثل مؤسسة التبني المتضمنة بقانون 6 مارس 1958 وقبل فيه التوارث بين المتبني و المتبنى.[98] وعموما فإن المشرّع التونسي لم يتبع التشريع الإسلامي في كل فصول م.أ.ش. والقول بأن كل أحكام المجلة متطابقة مع التشريع الإسلامي هو قول غير ثابت ذلك إنها لم تكن مطابقة للتشريع الإسلامي عند صدورها في 1956"[99]. ولذلك وجب التفريق بين المرجع التأويلي والمرجع التشريعي، فقد يكون الفصل 88 م.أ.ش. أخذ من التشريع الإسلامي كمرجع تشريعي ولكن يجب التثبت هل كان فعلا من الواجب الرجوع إليه كمرجع تأويلي. وعلى كل حال فإن هذا التأويل لا يتماشى وسياسة المشرع التي تهدف إلى توحيد القوانين وتوحيد القضاء واستبعاد الاعتداد بالدين فكيف يناقض المشرع نفسه ويعود إلى الأخذ باختلاف الدين بين المواطنين ؟. فالمشرّع أراد إيجاد حلول لمشاكل خاصة دون ربطها بالقانون الإسلامي الكلاسيكي[100]. والمنطق القانوني يقتضي أنه مادام القاضي يبحث، عند ضرورة الاجتهاد عن حقيقة نية المشرع، فلابد له أن يتبع نفس منهجية التشريع، أي عليه أن ينهل من نفس ينابيعه، وأن يضع نفسه في نفس اتجاه سبيله.[101] وعلى هذا الأساس فاعتماد الحجج القانونية لتأويل الفصل 88 يؤدّ إلى أن العمل باختلاف الدين غير وارد بالنسبة لرجل القانون فيجب بناء على اختيارات خارجة عن القانون – التوجه نحو فكرة تفاضلية الإسلام أو نحو النظرية اللائكية للتشريع[102]. الحجة الرابعة: الفصل الأول من الدستور لا ينص على أن تونس دولة إسلامية: ينص الفصل الأول من الدستور على أن " تونس دولة حرة ، مستقلة ، ذات سيادة ، الإسلام دينها" ولكن قضية الدين في عصرنا قضية شخصية بحتة تهم علاقة الشخص بربه فالمنطق يفرض إذن أن لا يتأثر القانون بهذه العلاقة الثنائية ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينطلق المشرّع بصفة عامة من معطيات دينية بحتة لوضع قواعد قانونية تخص وتطبق على المتقاضين بصفة عامة. خاصة وأن الفصل الأول لم ينص على أن تونس دولة إسلامية، أو أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي أو الوحيد للتشريع[103]، فعلى سبيل المثال لم تكتف المادة الثانية من الدستور المصري بالنص على أن الإسلام دين الدولة كما كان الحال في الدساتير السابقة بل اعتبرت الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع[104] و مع وضوح وصراحة تلك المادة من الدستور المصري فإن المحكمة الدستورية العليا المصرية تمكنت في العديد من أقضيتها من إقرار مبادئ حالت بين أن يؤدى النص في الدستور على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع إلى أن تتحول الدولة إلى دولة دينية. وأهم هذه المبادئ التي قررتها هو: أن خطاب هذه المادة موجه إلى المشرع وليس موجها إلى القاضي، وبالتالي لا يجوز للقاضي أن يتجاهل القانون الوضعي وأن يذهب إلى تطبيق الشريعة مباشرة حتى ولو تراءى له أن نص القانون الوضعي مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، وأن المقصود بالشريعة التي هي مصدر التشريع الأحكام الكلية العامة التي اتفقت عليها مختلف المذاهب الفقهية دون الدخول في تفصيلات اختلافات المذاهب، وخاصة تلك المرتبطة بثقافات نسبية تجاوزها العصر، وأن القوانين الصادرة قبل دستور 1971 لا يسرى عليها نص المادة الثانية من الدستور من اعتبار الشريعة مصدر التشريع، وأن المقصود بصفة عامة من كون الشريعة مصدرا رئيسيا لتشريع هو ألا تكون التشريعات متعارضة مع الأحكام الكلية للشريعة دون أن يعنى ذلك اشتراط أن تكون التشريعات مستمدة مباشرة من أقوال الفقه القديم، ففي مبدأ المصلحة مجال فسيح لسلطة المشرع في الدولة الحديثة[105] ويستخلص من هذا القرار أن خطاب الدستور موجه للمشرع لا للقاضي الذي لا يمكنه بحجة تطبيق الشريعة تجاوز أحكام القانون الوضعية، كما ان المقصود بالشريعة ليس تفاصيل الكتب الفقهية وما فيها من فتاوى ذات طابع نسبي زمانيا و مكانيا و لا الخلافات المذهبية و إنما الأحكام الكلية مع مراعاة مبدأ المصلحة في سن الأحكام المناسبة لخصوصية الزمان و المكان.[106] فهناك حقيقة لا مجال لنكرانها و لا بد من الإقرار بها وهي أن الفقه الإسلامي بعد أن تألق وبلغ أوجه حتى أوائل القرن الرابع الهجري، ابتدأ، كما قيل بحق، بالركود فالانحطاط، وانتهى بالجمود المطبق، فالتقليد الأعمى لما قاله السلف، حيث انحصر العمل الفقهي المعاصر غالبا في ترديد ما سبق، ودراسة ألفاظ بعينها وحفظها[107]. متجاهلين بذلك القاعدة الشرعية:" لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"[108]. وبناء على ذلك فإن المادة الثانية من الدستور المصري أصبحت تفهم وتفسر على أساس أن الشريعة الإسلامية التي هي مصدر التشريع أو القانون ليست مجرد شريعة دينية يدين بها المسلمون وإنما هي نظام قانون ناضج يعتبر مكونا جوهريا في التراث القانوني للأمة بكل مواطنيها، وأن المقصود بالشريعة في كلا الأمرين هو المبادئ العامة التي يتقبلها الضمير القانوني المعاصر[109]. و بالعودة إلى ما نص عليه الدستور التونسي في فصله الأول من أن الإسلام دين الدولة فإن ذلك لا يعني أن الدين الإسلامي هو عقيدة كل التونسيين خاصة وأن الدستور التونسي لم يتضمن أي إشارة لجعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع.[110] وغاية ما في الأمر أن الفصل الأول من الدستور يحمل الدولة واجبات اتجاه الدين الإسلامي باعتباره دين غالبية الشعب دون أن يمس ذلك بمبدأي الحرية الدينية و المساواة أمام القانون المكرسين بالفصلين 5 و6 منه.[111] فكون الدولة لها دين لا يعني أبدا أنه الدين الوحيد للمواطنين والدليل على ذلك أن الدستور يضمن حرية التدين بأديان أخرى[112] إذ تحتل حرية المعتقد مكانة متميزة في قائمة الحريات المضمونة دستوريا وهو ما يحول دون قبول فكرة التمييز على أساس الدين. و يعتبر الانتقال من الدولة القائمة على أسس دينية و عرقية إلى الدولة القائمة على أساس المواطنة،من أبرز الانتصارات التي تحققت في مسيرة الإنسانية، وقد تجسد ذلك في عـدد من الوثـائـق التي صدرت عن الثورات الإنجليزية والفرنسية والأمريكية ، حيث صدر " إعلان الحقوق " فـي بريـطانـيا عـام 1689م ووثيقة " حقوق الإنسان والمواطن " في فرنسا عام 1789م ووثيقة الإعلان عن استقلال الولايـات المتحدة الأمريكية عام 1776م ثم دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787م وإعلان الحقوق الأمريكية عام 1791م .ليتوج ذلك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948. الحجة الخامسة: تطوّر البنى الاجتماعية: يستند الفقه الرافض للأخذ باختلاف الدين في الميراث فإنه يستند لكون البنى الاجتماعية تطوّرت في تونس منذ ما يزيد عن القرن وتركيبة هذا المجتمع أصبحت تركيبة من نوع خاص وقانون أحكام الأسرة في الإسلام أصبح إبان الاستقلال غير ملائم تماما للبنى الاقتصادية و الاجتماعية و ذلك خلافا لبقية القوانين التونسية [113]. لهذا فقد شكلت مجلة الاحوال الشخصية منذ البداية مشروع تغيير جذري للمجتمع.[114] وسكوت المشرع عن تحديد مرجع تأويل أحكام مجلة الأحوال الشخصية كان عن قصد و روية حتى يترك لتطور المجتمع مجالا للتأثير في ذلك حسب الاتجاه الذي يرتضيه، وكان المشرع في ذلك الوقت ينتظر أن يعطي الاتجاه التحديثي و التجديد مفعوله دون غيره مما يجعل ذلك النقص أو السكوت انتصارا للحداثة[115]، وبالتالي لا يمكن تفعيل قواعد التشريع الإسلامي فيها ومن بينها قاعدة لا توارث بين ملتين فالدولة التونسية استقرت قواعدها القانونية على عدم التفريق بين المسلمين وغيرهم ولا يمكن إجراء هذه القاعدة بين المواطنين، كما أن الالتزامات العالمية للدولة تجعلها عاجزة عن تطبيق هاته القاعدة في أحيان أخرى[116]. فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار روح القانون التعددية واتجاهه نحو فصل كل رابطة بين مفهوم المواطنة والمعتقد وبالتالي نحو توحيد التشريع لإخضاع كل التونسيين لأحكامه. فالظاهرة الاجتماعية المعتمدة على اختلاف الدّين لقبول أو عدم قبول بعض الأشخاص في الميراث إن دلّت على شيء فهي تدّل على أن التونسي لا يقبل أحيانا العنصر الخارجي مهما طال الزمن وأن الأجنبي يبقى دائما أجنبيا عن ملته مهما أجتهد في الاندماج في العائلات التونسية مما يعني أن الأخذ بهذه القاعدة لا يؤدّي إلى أي إيجابية بل إلى عديد السلبيات منها أن الأمور الدينية والعقائدية أصبحت تنشر في المحاكم وكأنها جرائم يعاقب عليها القانون ولا تزيد العلاقات العائلية إلا تعقيدا[117]. و يذهب البعض الأخر أبعد من ذلك مناديا بالفصل بين الدين و القانون، على اعتبار أن وظيفة الدين الإسلامي أن يدفع المواطنين إلى الرقي الروحي و يركز القيم الأخلاقية في المجتمع، و لكنه في ذات الآن يترك القانون و شأنه الخاص به، فالمجتمع التونسي ينبغي أن يكون فيه القانون الوضعي سائدا دون سواه. [118] والتأويل الآخذ باختلاف الدين في الميراث لم يعد له مكانة في المجتمع التونسي وذلك لأن بعض القواعد التشريع الإسلامي أصبحت غير ملائمة لمقتضيات العصر[119]. وهو ما دفع بالأستاذ محمد الشرفي إلى أن يحذّر القضاة من أسلوب التراجع عن الإصلاحات التشريعية أو أن يقف القضاء مانعا وكابحا للإصلاحات التي قام بها المشرّع منذ الاستقلال[120]. فبعض اجتهادات القضاة وعلى رأسها قرار حورية أحدثت هوّة كبيرة بين المشرع ومفسريه[121]. فرجوع القاضي التونسي إلى التشريع والفقه الإسلامي و إن كان لا مانعا منه مادام الإسلام مصدرا ماديا للتشريع الوضعي، فإنه لا يجب أن يكون ذلك الرجوع آليا من قبيل الحلول السهلة، كما لا يجب أن يعوق حركة التجديد والابتكار ويمنع الفكر من اعتماد قراءات جديدة وحلول عصرية[122]. والمشرّع التونسي لم يترك القاضي حرّا في بحثه عن سدّ الفراغ التشريعي[123] من حيث شاء، بل وضع له حواجز تمنعه من إيجاد الحل خارج النظام القانوني التونسي. فالقاضي لا يستلهم قواعد النظام العائلي إلا من القانون الوضعي سواء كان متمثلا في م.أ.ش. أو في غيرها من القوانين الخاصة أو غيرها فاعتماد المشرع على الفقه الإسلامي عن سنه لعديد القواعد القانونية (م.أ.ع.، م.ح.ع...) لا يمكن بأي وجه أن يكون مبرر للقاضي للرجوع الآلي للفقه الإسلامي وكأنه المصدر التأويلي الوحيد وذلك بغاية دفع القاضي على الاجتهاد والابتكار وحتى لا يحول الرجوع على الفقه الإسلامي دون التجديد البناء[124]. وهو التوجه الغالب لدى القضاة "الشبان" الذين بدأو يجتهدون ويبتكرون في اتجاه ما اقتضاه المشرع في مقاصده وسياسته التشريعية العامة[125].

الجزء الثاني : "الدّلو"- حقيقة موقف المشرع-:

هل يوجد فعلا فراغ أو غموض نص؟ أم أن المشرع حسم هذه المشكلة عند مصادقته على الاتفاقيات الدولية؟ إن الإجابة عن هذين التساؤلين ستكون من خلال تساؤلين آخرين يتعلقان بحقيقة موقف المشرع، فهل هو غياب أم غموض نص؟ وهو ما يطرح إشكالية التأويل (الفقرة الأولى). أم هل هو تجاهل للنص أو جهل به؟ وهو ما يطرح إشكالية التطبيق (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: إشكالية التأويل:

من القواعد الأصولية في مجال القانون أن القاضي يطبق القانون ولا يصنعه[126]، فوظيفة القاضي الأساسية هي إعمال حكم القانون وليس إنشاؤه[127]. لكن من المتفق عليه أيضا أن تفسير النّصوص القانونية هو من صميم و جوهرعمل القاضي الذي يعمد لتأويل النصوص حتى في صورة وضوحها إذ بالتّأويل وحده نحكم على وضوح النّص من عدمه[128]، وبه نتأكد إن كان هناك فراغ تشريعي. فغموض النّصّ القانوني هو الحالة التي يوجد فيها نص لكن تحديد مفهومه و ضبط معناه يستعصي على القاضي أو رجل القانون عموما سواء من الناحية اللغوية أو القصدية أو كلاهما معا. أما الفراغ التشريعي فهو الحالة التي يتعذر فيها على القاضي أو رجل القانون بعد أن يبحث في المجلاّت والقوانين النّافذة أن يعثر على حكم ينطبق على الواقعة المعروضة عليه أي أنه حالة سكوت النص. و لا يمكن القول إن غموض القاعدة القانونية يمثل حالة من حالات الفراغ التشريعي، فتأويل القانون لسد ثغراته أو رفع الغموض عنه عمليتان مختلفتان تماما. ففي حالة الغموض يبحث المؤول عن الإرادة الحقيقية للمشرع بعد أن عجزت عبارات النص ومفرداته عن الإعلان عنها صراحة، فالمشرع ضبط عنصري القاعدة القانونية (أي الفرض و الحكم) ولكن بأسلوب يستوجب إعمال تقنيات اللغة والاستنتاج المنطقي لجلاء حقيقة مقصده برفع غموض أو على الأقل التباس مفردات النص. فنقطة الانطلاق بالنسبة إلى المؤول في حالة الغموض النص هي نص موجود بين يديه، فيبحث عن مدلول عباراته و مفرداته، بإتباع قواعد التأويل اللغوي و القصدي، حسب ما ورد بالفصل 532 م ا ع. بينما في حالة غياب النص، فمنطلق البحث هو المحيط القانوني الذي يوجد فيه المؤول، سعيا وراء قاعدة متحدة في العلة مع القاعدة المعروضة عليه للقياس عليها، وإن بقي لديه شك بحث عن قاعدة عامة يستخلص منها الحكم المناسب لمعالجة الفرض الذي غفل عنه المشرع فلم يورد حكم له. أي أن المؤول في صورة غياب النص يبحث عن الإرادة المفترضة للمشرع، وذلك من خلال الإجابة عن السؤال التالي: لو عرض هذا الفرض على المشرع فما هو الحكم الذي كان سيقرره؟ و يأتي الجواب من خلال عملية القياس و"إن بقي شك" من خلال اعتماد القواعد العامة للقانون، حسب ما ورد بالفصل 535 م ا ع. فأي الأسلوبين سيقع اعتماده عند تأويل الفصل 88 م ا ش، فهل هو نص غامض ؟ أم أنه نص ناقص سكت فيه المشرع عن بيان حكم اختلاف الدين في الميراث؟. تجنبا للخوض في الجدل الذي برز من خلال ميل بعض المحاكم إلى التعامل مع المسألة على أنها حالة غياب نص، في حين ذهبت أخرى إلى كونها حالة غموض نص، فإنه لابد من بيان أن النتيجة النهائية لكل الطريقين واحدة، وهو ما سيتبين من خلال تحليل فرضيتي غياب النص(أ)، وغموض النص(ب).

أ- فرضية غياب أو سكوت النص:

عالج المشرع هذه الفرضية في الفصل 535 م ا ع والذي ينص على أنه:" إذا تعـذر الحكم بنـص صريـح مـن القـانون اعتبر القياس فإن بقي شك جرى الحكم على مقتضى القواعد العامة للقانون". فهذا الفصل وضع الترتيب الذي يجب أن يتبعه القاضي في اللجوء إلى سد الفراغ التشريعي فالقياس أولا(1) ثم القواعد العامة للقانون ثانيا(2).

1- القياس:

عملا بأحكام الفصل 535 م ا ع فإن الحل الأصلي لسد الفراغ هو القياس وهو تطبيق قاعدة منصوص عليها تنّظم حالة معيّنة على حالة جديدة لم تضمن صراحة بنصّ قانوني وذلك عندما تكون علة كل من الحالتين واحدة أي بينهما تماثل. و التماثل ينبغي أن يسّلط على العنصرين الأساسيّن للحالتين الخاضعتين للقياس دون عناصرهما الثانوية(2) . فالقياس له أربعة أركان هي: الواقعة الوارد فيها حكم ثابت و هي الأصل الذي يطلق عليه أسم "المقيس عليه"، ثم الواقعة الجديدة التي ليس لها حكم شرعي و تسمى "المقيس"، و بعد ذلك العلة و هي سبب إقرار الحكم بالنسبة للأصل و التي يجب أن تتوفر في الواقعة الجديدة، و أخيرا الحكم المقرر للأصل والمراد تنزيله على الفرع بطريق القياس[129]. وفيما يتعلق بمانع اختلاف الدين في الميراث فما هو الحكم الذي يمكن القياس عليه؟ رأى المعارضون للعمل بمانع اختلاف الدين انه طالما جازت الوصية مع اختلاف الدين فلماذا لا يجوز الميراث و كلاهما تمليك مضاف إلى ما بعد الموت؟ فهل يمكن قياس الميراث على الوصية فعلا؟ قد يبدو لأول وهلة أن هناك اتحادا ظاهريا في العلة، ولكن الحقيقة أن هناك تباين في علة إقرار كل من الميراث والوصية، فالميراث حق مقرر لجملة من الأشخاص مذكورين على سبيل الحصر و مرتبين ترتيبا تفاضليا حسب جهة ودرجة و قوة القرابة ووفق فلسفة تشريعية آلهية روعي فيها حاجة كل منهم، لهذا فهو يتخذ صفة القاعدة الآمرة التي لا تحتمل التعديل أو التغيير، ولا يكون فيه للناس أي مجال للنقاش، يقول سبحانه: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}[130] كما قال تعالى:{آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا}[131] وبذلك يقطع الطريق على أي نقاش في مجال الأسهم في الإِرث. أما الوصية فهي الجزء المتروك لإرادة الإنسان يتصرف فيه تبرعا كما يرغب و لمن يرغب على أن لا تتجاوز الثلث منعا لإضرار بالورثة، وان لا تكون لوارث[132] تجنبا لمحاباة أحدهم على حساب البقية. فعلة الميراث الخلافة الآلية التداولية للثروة دون تدخل إرادة من كان صاحبا للمال. وعلة الوصية الخلافة الإرادية التبرعية من خلال تحديد مقدارها ومستحقها وفق شروط معينة وبإرادة من كان صاحبا للمال. واعتمادا على ما سبق فإباحة الوصية مع اختلاف الدين حكم له علة لا توجد في الميراث مما يحول دون إمكانية القياس[133]، وطالما استحال القياس فلابد من الانتقال إلى الحل الاحتياطي في سد الفراغ وهو القواعد العامة للقانون قطعا لكل شك.

2- القواعد العامة للقانون:

إن البحث عن القواعد العامة للقانون التي هي قوام عملية سد الفراغ لا تتم بالنظر إلى القواعد التي تحكم الحالات المتشابهة فحسب, ولكنها تأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات الموجودة صلب النظام القانوني. وهذا ما يجعل هاته القواعد نابعة من النظام القانوني بأكمله وليست مقتصرة على التشريع فحسب، فالقاضي لا يقتصر في بحثه على مجرد مقارنة بين القواعد القانونية التي تحكم الحالات المشابهة للحالة التي لم يرد فيها نص (فهذا أسلوب القياس), بل يضيف إليها كل العوامل التي من شأنها توجيه الحكم الذي سيقرره للحالة غير المقننة. ومن هذا المنطلق تصبح عملية سد الفراغ بمثابة الرؤية الشاملة للمنظومة القانونية، تأخذ بعين الاعتبار كل الاتجاهات التي تحكم النظام القانوني برمته. ومرد هذا إلى وفرة هذه النصوص وإلى ضرورة تحقيق التناسق داخل المنظومة القانونية باستنباط حلول نابعة منها ومتماشية مع روح التشريع العام الذي ينظم المجتمع ممثلا في ظروفه السياسة والاقتصادية والاجتماعية بل الفكرية، الروحية، أي يمكن استلهامها من فلسفة القانون ذاته وغاياته وأهدافه كمبدأ حريّة التعامل في الأنظمة الرأسماليّة اللّيبراليّة وكحريّة ممارسة التجارة وحريّة الإرادة والحرّيات الفرديّة والسيّاسية ومبدأ المساواة إلى غير ذلك[134]، فهي تختزل جملة القيم التي تسعى المنظومة القانونية إلى ترسيخها وحمايتها، فأغلبية القواعد العامة للقانون ليست قواعد مدونة تحت عنوان "قواعد عامة"، بل يقع استقراؤها من مختلف المصادر التي تغذي المنظومة القانونية. وهو ما بينته محكمة التعقيب صراحة حين أقرت أن للمحكمة: "أن تستهدي بروح التشريع ومقاصده وأن تتلافى ما قد يظهر من ثغرات في أحكامه عن طريق القياس أو قواعد القانون العمومية"[135] ولهذا فإن اللجوء إلى القواعد العامة لا يعتبر تطبيقا لقاعدة قانونية ناشئة عن مصدر بعينه من مصادر القانون، ولكنه استلهام للأفكار الأساسية الموجودة في جميع أجزاء المنظومة القانونية[136]. فإذا ما رجع القاضي إلى هاته القواعد، فإن ذلك يكون على سبيل الاسترشاد والاستئناس فحسب، فهو لا يستطيع تطبيق هذه القواعد العامة في حد ذاتها، بل يستطيع على ضوئها استنباط حل للنزاع المعروض عليه، فالمبدأ يحتوي عادة على فكرة موجهة ومن هنا يمكن القول أن القاضي لا يقوم بتطبيق القاعدة العامة مباشرة، بل هو ينطلق من الفكرة التوجيهة التي تحتويها القاعدة ويصوغ من خلالها قاعدة خاصة يكون فيها كل من الفرض والحل واضحين ومتماشيين مع هذه الفكرة الموجهة.[137] و تنقسم القواعد العامة إلى قواعد عامة مدونة في مجلة الالتزامات و العقود تحت عنوان "في بعض قواعد عامة تتعلــق بالقانون"(2-1). وقواعد عامة غير مدونة[138] تحت ذلك العنوان تستنج خاصة من المبادئ الدستورية العامة(2-2).

2-1- القواعد العامة في مجلة الالتزامات والعقود:

وهي القواعد الواردة في مجلة الالتزامات والعقود في نهاية الكتاب الأول تحت عنوان: " في بعض قواعد عامة تتعلــق بالقانون "، و فيما يتعلق بتأويل الفصل 88 م ا ش فإن ما يعنينا منها أربعة فصول هي:"534 و538 و540 و541".

  • - الفصل 534 م ا ع :" إذا خص القانون صورة معينة بقي إطلاقه في جميع الصور الأخرى".

و بتطبيق حكم هذه القاعدة على الفصل 88 م ا ش يمكن القول أنه طالما خص المشرع القتل بالذكر و سكت عن غيره من الموانع مثل اختلاف الدين و اختلاف الدارين، فإنه لا مجال لأن يشمل النص تلك الحالات.

  • - الفصل 540 م ا ع: "ما به قيد أو استثناء من القوانين العمومية أو غيرها لا يتجاوز القدر المحصور مدة وصورة".

يستفاد من هذه القاعدة أنه ليس للمفسر أن يوسع في ميدان الاستثناء[139]، فطالما أن الأصل في الأمور الإباحة[140]، فإن أي خروج عن هذا الأصل يجب فهمه في أضيق نطاق دون التوسع فيه احتراما لمقتضيات مبدأ الشرعية الذي يحكم جميع فروع القانون فلا يجوز حرمان شخص من حق إلا بموجب نص صريح وواضح لا لبس فيه. وبالتالي فإن سكوت المشرع عن ذكر مانع اختلاف الدين في الفصل 88 م ا ش الذي هو حالة من حالات الحرمان من حق وهو الميراث لا يسمح للقاضي عملا بقاعدة الفصل 540 م ا ع أن يؤول النص باتجاه إقرار هذا المانع.

  • - الفصل 541 م ا ع: "إذا أحوجت الضرورة لتأويل القانون جاز التيسير في شدته ولا يكون التأويل داعيا لزيادة التضييق أبدا".

ضبطت قاعدة هذا الفصل الوجهة التي يتوجب على القاضي أن يتجهها عند التأويل سدا لفراغ تشريعي، وهي وجهة التيسيير والابتعاد عن التضييق على الحقوق، وبالتالي لا يجوز للمؤول ان يتشدد في فهم نص من النصوص بما يؤدي الى الحرمان من حق أو تقييده، بل عليه بذل كل الجهد في اتجاه الليونة والمرونة دونما إفراط ولا تفريط، وبإعمال حكم هذه القاعدة على الفصل 88 م ا ش فإنه لا مجال لتأويل الفصل المذكور باتجاه الأخذ بمانع اختلاف الدين لما في ذلك من تشدد و تضييق.

  • - الفصل 538 م ا ع:"الممنوع قانونا لسبب معلوم يصير جائزا بزوال السبب".

قاعدة هذا الفصل يمكن التمسك بها في مرحلة ثانية من التحليل، فعلى فرض مجاراة أصحاب الرأي القائل بوجود مانع اختلاف الدين في الفصل 88 م ا ش، فإنه وعملا بأحكام هذا الفصل يجب عند تطبيق هذا المانع عدم اعتماد الرأي الفقهي المتشدد القائل بان إسلام الوارث اللاحق لوفاة المورث لا يصلح أساسا للميراث، وهو رأي عملت به محكمة التعقيب وبعض محاكم الأصل كما سبق بيانه في موضعه، فطالما أن علة المنع حسب أصحاب هذا الرأي هي الاختلاف في الدين، وهذه العلة أو "السبب" زالت قبل قسمة التركة، فالحق في الميراث قائم، ويتجه بالتالي العمل بالرأي الفقهي المرن الذي يقبل توريث من إسلام قبل قسمة التركة ترغيبا للدخول في الإسلام[141]. ويستخلص من جملة القواعد العامة السابقة المدونة في م ا ع أنه لا يمكن تأويل الفصل 88 م ا ش باتجاه تكريس مانع اختلاف الدين، وهو ما ستؤكده أيضا القواعد العامة الدستورية.

2-2- القواعد العامة الدستورية:

وهي مجموعة من القواعد التي لم ترد بصفة صريحة ومباشرة تحت مسمى قواعد عامة للقانون، وإنما تستنتج من مجمل المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني للدولة وبخاصة من خلال الأحكام العامة الواردة الباب الأول من الدستور و خاصة الفصول الأول والخامس والسادس والسابع.

  • - الفصل الأول من الدستور:

استنتج أنصار العمل بمانع اختلاف الدين من أحكام هذا الفصل[142] مبدأ عاما مفاده أن أي قاعدة تتعارض مع الشريعة الإسلامية هي قاعدة غير دستورية، وأن تأويل النصوص يجب ان يراعى فيه دين الدولة أي الإسلام. ولكن هل يملك الجزء المتعلق بأن "تونس دولة... الإسلام دينها " من الفصل الأول من الدستور مثل هذه القيمة في تأويل النصوص رفعا للغموض أو سدا للفراغ التشريعي؟ يجيب أحد أعضاء المجلس القومي التأسيسي عن هذا السؤال بما يلي:"الفرق بين دين الدولة الإسلام وبين كونها دولة إسلامية، أن هذه الأخيرة تستلزم أن تكون القوانين كلها في المنهج الإسلامي بحيث يعرض كل قانون على المبادئ الإسلامية فما هو مطابق لها أقر وما لم يطابقها ألغي، بخلاف دينها الإسلام فإنه لا يضفي عليها هذا المعنى"[143]. أما المجلس الدستوري التونسي فلم يسبق له منذ نشأته أن أعطى لذلك الجزء من الفصل الأول أي دور في مراقبة مدى مطابقة أو ملائمة القوانين للدستور.[144] و من باب التذكير يمكن الإشارة إلى الموقف الذي سبق عرضه للمحكمة الدستورية المصرية والقائل بأن حكم الدستور موجه للمشرع ولا يجوز للقاضي العمل به من تلقاء نفسه، وهو موقف اتخذته المحكمة رغم ان نص المادة الثانية من الدستور المصري يقر صراحة ان الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للقوانين، فما بالك ونص الدستور التونسي لم يبلغ هذا الحد من الوضوح والمباشرة.

  • - الفصل الخامس من الدستور:

يتضمن هذا الفصل[145] مبادئ حرية المعتقد و التسامح وشمولية حقوق الإنسان وكونيتها وتكاملها وترابطها. وقد اعتبر المجلس الدستوري أن أحكام هذا الفصل عامة وتنطبق على الفرد مهما كانت جنسيته.[146] و عملا بمقتضيات القاعدة العامة المستنتجة من أحكام هذا الفصل فإنه لا يمكن للقاضي عند قيامه بعملية التأويل أن يستخلص حكما فيه مس بحرية المعتقد أو ينطوي على حالة لا تسامح بسبب الدين أو الجنس أو السن، وهو ما ذهبت إليه بعض المحاكم عن صواب عند رفضها إقحام مانع اختلاف الدين في الفصل 88 م ا ش. فمن الثابت أن ربط استحقاق الميراث باتباع ديانة معينة سيؤثر على حرية المعتقد، فيكون الشخص الطامع في نصيب من الإرث ملزما على تغيير دينه.

  • - الفصل السادس من الدستور:

يكرس هذا الفصل[147] مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، ويعتبر مبدأ المساواة الركيزة الأساسية للحقوق والحريات العامة ويقصد به أن يكون الأفراد جميعا متساوين في الحقوق و الواجبات أمام القانون دون اعتبار لعوامل الثروة أو الجنس أو اللون أو الدين، وقد أعطى المجلس الدستوري لهذا المبدأ مكانة متميزة.[148] و القاعدة العامة المستنتجة من أحكام هذا الفصل أنه لا مجال للتمييز بين مواطن وأخر بسبب دينه ومعتقداته، فأساس التمتع بالحقوق هو صفة المواطنة دون سواها، وهذه الصفة ترقى على بقية العناصر المكونة لشخصية الأفراد لتجعلهم جميعا سواء أمام القانون، مما يحول دون إمكانية ان يعطى أي فصل قانوني تأويلا فيه إهدار لمواطنة شخص من خلال تسليط تمييز عليه بسبب معتقداته الدينية، والفارق بين أحكام الفصل السادس و الفصل الخامس هو أن هذا الأخير مرتبط بالصفة الإنسانية في حين تقف أحكام الفصل السادس عند صفة المواطنة. وقد سبقت الإشارة إلى أن عديد المحاكم رفضت إقحام مانع اختلاف الدين في الفصل 88 م ا ش كلما كان النزاع بين مواطنين لتعارض ذلك مع مبدأ المساواة.

  • - الفصل السابع من الدستور:

بموجب أحكام هذا الفصل[149] فإنه لا يمكن الحد من حقوق المواطنين إلا بموجب قانون، وهو ما يستنتج منه قاعدة عامة مفادها أن الحرمان من الحقوق أو تقيدها غير ممكن إلا بنص قانوني يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي، فالمساس بالحقوق أمر تحتكره السلطة التشريعية دون سواها من السلط ، وحتى السلطة التشريعية لا يمكنها الحرمان من حق أو تقيده إلا بناء على معطيات واقعية و مبررات مقبولة. و بناء على ما سبق فإنه من غير المعقول ولا المقبول أن يعطي القضاء لنفسه سلطة الحرمان من حق دون نص صريح بحجة أن قواعد التأويل تفتح الباب أمام الرجوع إلى المصدر المادي الذي استمد منه التشريع أحكامه. ويستخلص من جملة القواعد السابقة أن سد الفراغ المتمثل في غياب حكم تشريعي وضعي ينظم مسألة اختلاف الميراث سيكون في اتجاه إباحة التوارث دون تمييز على أساس المعتقد الديني، فهل هي ذات النتيجة التي سينتهي إليها التحليل في صورة ما إذا وقع اعتبار الأمر من قبيل غموض النص؟.

ب- فرضية غموض النص:

وضع المشرع في الفصل 532 م ا ع الحل الواجب الإتباع عندما يعترض المؤول نصا غامضا، وهو: "نص القانون لا يحتمل إلا المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال ومراد واضع القانون". فعناصر تأويل النص الغامض ثلاث هي:"وضع اللغة"، "عرف الاستعمال" اللذان يمثلان تقنية الشرح اللفظي، و"مراد واضع القانون"، الذي يمثل تقنية الشرح القصدي[150]. و خلافا لحالة الفصل 535 م ا ع فلا يوجد تفاضل بين تقنيتي التأويل في حالة الغموض طالما أن المشرع استخدم العطف بحرف "و" وهو ما يسمح بالتسوية بينها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا إلى ماذا سيؤدي اعتماد أي من تقنيتي تأويل النص الغامض في حالة الفصل 88 م ا ش؟ هل سيسمح بتأييد الرأي المؤيد لاعتبار اختلاف الدين من موانع الإرث؟ أم العكس؟ للإجابة لا بد من البدء في الشرح اللفظي، وضع اللغة(1)، ثم المرور إلى الشرح القصدي، مراد واضع القانون(2).

1- وضع اللغة:

استخدم المشرع في النص حرف "من" التي باتت شهيرة بـ "من" التبعيضية، أي أنه ذكر بعض من كل موانع الإرث وهو القتل و التسبب فيه بشهادة الزور. وهو ما يسمح بالقول أن هناك موانع أخرى، فما هي؟ و من أين سيؤتى بها؟

إجابة عن السؤال الأول سبق بيان أن شقا من الفقه و القضاء أجاب بأنه مانع اختلاف الدين، وهو ما يستفاد منه جواب السؤال الثاني أي بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، فهل هذا صحيح؟ أجابت مقدمة هذه الدراسة عن سبب استخدام المشرع للحرف "من" وهو أن خمس من الموانع الأخرى التي تشكل حروفها الأولى عبارة "عش لك رزق" مكرسة في المجلة كشرط أو كسبب لاستحقاق الميراث، في حين بقي اختلاف الدين أو الكفر مسكوتا عنه فقط. و بالتالي فتأويل استخدام المشرع للحرف "من" قد يكون هذا هو مبرره الحقيقي. و على فرض أن تأويل استخدام الحرف "من" سيكون بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، فلماذا وقف أنصار هذا التأويل عند مانع اختلاف الدين ولم يواصلوا نقلهم لبقية الموانع المسكوت عنها؟ وهي اختلاف الدارين[151] والرق[152] فطالما أن "من" تسمح بالرجوع إلى الموانع المعتمدة في الفقه الإسلامي، فلا مجال بعد ذلك للانتقاء، فالسماح باعتماد المصدر المادي للنص بموجب تقنيات التأويل يجعله بمثابة المصدر الشكلي، وبالتالي فإن اعتماد مانع دون سواه أمر سيصير بحاجة إلى تعليل، ولابد بالضرورة أن يأخذ بعين الاعتبار عند تقديم التعليل جملة الحجج الأخرى لأنصار هذا الرأي، وإلا صار الأمر عبثيا، وأفعال العقلاء منزهة عن العبث. ان الاقتصار على مانع اختلاف الدين سواه من بقية الموانع المسكوت عنها يسمح بالقول ان أنصار الأخذ بهذا المانع تبنوا موقفا ثم بحثوا له عن تفسير فبدا لهم أن "من" أسعفتهم من الناحية اللغوية، رغم أن "من" هذه نفسها لم تلق نفس الفهم من مشايخ الزيتونة والمحاكم الشرعية اللذين عاصروا صدور المجلة واعترضوا على سكوتها عن مانع اختلاف الدين في الميراث[153]، وهو الموقف الذي يضفي ظلالا من الشك على الفهم الذي أعطاه الفقه و القضاء لاحقا، وكي يزول الشك لا بد من البحث عن مراد المشرع.

2- مراد واضع القانون:

هل يسمح استخدم حرف "من" بالقول أن إرادة المشرع اتجهت نحو ترك الباب مفتوحا أمام العمل بمانع اختلاف الدين في الميراث؟ قبل الإجابة لابد من التذكير بأمرين مبدئيين وهما: - خلافا لأغلب التشريعات المقارنة للدول ذات الأغلبية المسلمة لم يضع المشرع نصا يبين كيفية تأويل أحكام المجلة عند غموض أو غياب النص، في حين نصت تلك التشريعات على المذهب الفقهي الذي يقع الرجوع إليه[154]. - بل إن مجلة الأحوال الشخصية لم تذكر ولو لمرة واحدة الدين الإسلامي أو الإسلام[155]، واكتفت في مناسبتين[156] بالإشارة إلى "الدين" في المطلق و دون تمييز. ويستخلص من الأمرين سالفي الذكر أن المشرع اختار عند وضعه للمجلة أن يأخذ من الشريعة الإسلامية عبر لائحة جعيط، لكنه و في نفس الوقت اختار أن لا تبرز تلك الشريعة في النص لا مباشرة و لا عن طريق الإحالة التأويلية، وهو اختيار لم يلتفت إليه احد حين صدور المجلة لكن ما أن جاء قرار حورية حتى تبين الجميع آثاره وأبعاده، نتيجة بوابة الجدل التي فتحت منذ ذلك الحين ولم تقفل إلى يوم الناس هذا. و علاوة عما سبق فمن الثابت دون جدل أن المشرع نقل جل فصول المجلة حرفيا عن لائحة الشيخ جعيط[157]، التي كان من بين فصولها الفصل 789 من الكتاب الثاني المتعلق بالميراث حسب المذهب المالكي، والتي نصت على موانع الإرث و هي ثلاثة:" الرق – القتل العمد – و اختلاف الدين" ..."فالمسلم لا يرث الكافر و لا يرثه الكافر". وهو الفصل الذي لم يظهر منه في المجلة سوى جزئه المتعلق بمانع القتل والتسبب فيه في الفصل 88 م ا ش. فلو كانت إرادة المشرع متجهة إلى اعتماد مانع اختلاف الدين فلماذا لم ينقل حكمه مع جملة الأحكام التي نقلها من اللائحة؟ بل على العكس من ذلك فقد تجاوزها بسكوته عنه، والسكوت في موضع الحاجة بيان، وهو ما يبيح القول أن سكوت المشرع المقصود عن نقل ما هو معلوم لديه بالضرورة هو في حقيقته إعلان موقف، فالمشرع لم يرغب في تكريس هذا المانع عن علم ودراية تجنبا لأن يوصف أول تشريع في تونس الدولة المستقلة حديثا بأنه تمييزي لفائدة الأغلبية المسلمة، الأمر الذي سينعكس سلبا على مفاوضات الاستقلال التام. و يستخلص مما سبق أن سكوت المشرع عن ذكر مانع اختلاف الدين في الميراث صراحة نابع من إرادة استبعاده، وهو تحليل تدعمه الفلسفة التشريعية العامة التي سيطرت على مجمل أحكام المجلة، التي لم يرغب واضعوها في جعلها كما كان حال لائحة الشيخ جعيط مجرد صدا لأقوال الفقه التقليدي، بل كرسوا فيها روح تجديدية تعبر عن إرادة تشريعية لا جدال فيها قوامها التجديد والابتعاد عن أي حكم تمييزي سواء على أساس العرق أو الدين، بدأ من المساواة بين الزوجين في حقوقهما عند إبرام الزواج (الفصلين 3 و 18 مثلا) و أثناء الحياة الزوجية (الفصل 23 ) أو عند انفصامها (الفصل 31 مثلا) مرورا بالقضاء على ظواهر اجتماعية شاذة نسبت إلى الإسلام نتيجة آراء فقهية قائمة على التشدد والتحيل (مثل إلغاء زواج الأطفال وحق الجبر و القضاء على زواج التحليل بجعل التطليق ثلاثا مانعا مؤبدا)، وصولا إلى محاولاته الجادة في الحد من التمييز بين الجنسين في الميراث عن طريق مؤسستي الرد (الفصل 143 مكرر م ا ش) والوصية الواجبة (الفصل 191 و ما بعده م ا ش)[158]، وعدم تكريس أي مانع يحول دون ممارسة حق أو التمتع به نتيجة اختلاف الدين، فعدم التمييز بين المواطنين على أساس معتقدهم الديني هو من أبرز ملامح المجلة. و يتبين مما سلف انه لا مجال للقول أن "مراد واضع القانون" قد اتجه عند صياغة الفصل 88 م ا ش نحو ترك الباب مفتوحا أمام القضاة لتكريس مانع سكت عنه المشرع لا بل تجاوزه ولم يأخذ به عند وضع المجلة، ثم أكد تجاوزه له من خلال انخراطه في عدة اتفاقيات ومواثيق دولية تنبذ التمييز على أساس المعتقد، وهو ما يثير إشكالية تطبيق تلك المعاهدات و المواثيق.

الفقرة الثانية: إشكالية التطبيق:

تستعمل عبارة الفراغ القانوني عادة دون أن يقع تحديد هل أن الأمر يتعلق بفراغ في التشريع أم في النظام القانوني بأكمله. ويبدو التمييز بين هذين المعنيين للعبارة ضروريا لأن الموقف من إمكانية وجود الفراغ القانوني من عدمه يتغير بحسب المعنى الذي تحمل عليه العبارة[159]. فالإقرار بوجود فراغ تشريعي يجب أن يكون مسبوقا بتقييم شامل وعام للنصوص أي القيام بعملية التأويل التي تعتبر مرحلة سابقة وجوبا لبحث عن سد الفراغ، ولهذا فإن الإقرار بوجود فراغ تشريعي يعد حكما قيميّا يعبر عن نقص التشريع وعدم كماله ويؤدي هذا إلى القول بأن الفراغ القانوني يمثل شكلا خاصا لغياب قاعدة قانونية كان من المفترض أن توجد داخل التنظيم القانوني[160]. فهل يمكن الحديث عن غياب نص ينظم مسألة اختلاف الدين في الميراث في النظام القانوني التونسي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب ستفتح الباب أمام عملية التأويل، أما الإجابة عنه بالنفي فإنها ستغلق حتما باب التأويل بصنفيه رفع الغموض و سد الفراغ. يمكن القول أنه لا وجود لغياب نص في القانون التونسي، و حتى لا ندخل مجددا في باب الجدل فإنه سيقع استبعاد كل المعاهدات التي صادقت عليها تونس و أبدت احترازات على بعض موادها و بنودها، إذ تعد التحفظات وسيلة تلجأ إليها الدول بغية استبعاد الأثر القانوني أو تعديل عدد من الأحكام الواردة في معاهدة دولية[161]، كما سيقع استبعاد الاتفاقيات التي لم تكن فيها إباحة التوارث مع اختلاف الدين غير مباشرة أو وردت في التوطئة فقط. و بناء على ما سبق فإنه سيقع الاكتفاء بأحكام اتفاقية لم تلق حظها من التطبيق القضائي أو التحليل الفقهي فهي تكاد تكون مجهولة أو على الأقل "متجاهلة" وهي الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع صور الميز العنصري التي صادق عليها المشرع بموجب القانون عدد 70 لسنة 1966مؤرخ في 28 نوفمبر 1966 و ذلك لثلاثة أسباب: الأول: أن الإباحة وردت صريحة لا لبس فيها و لا غموض ضمن مواد الاتفاقية و تحديدا في المادة الخامسة منها، التي جاء فيها: " إيفاء للالتزامات الأساسية المقررة في المادة 2 من هذه الاتفاقية، تتعهد الدول الأطراف بحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، وبضمان حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني، في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية: (أ) الحق في معاملة على قدم المساواة أمام المحاكم وجميع الهيئات الأخرى التي تتولى إقامة العدل، ... (د) الحقوق المدنية الأخرى، ولاسيما:..."6" حق الميراث ..." أما المادة الثانية المشار إليها فهي تنص صراحة في الفقرة (ج) منها ما يلي:" تتخذ كل دولة طرف تدابير فعالة لإعادة النظر في السياسات الحكومية القومية والمحلية، ولتعديل أو إلغاء أو إبطال أية قوانين أو أنظمة تكون مؤدية إلى إقامة التمييز العنصري أو إلى إدامته حيثما يكون قائماً". وتضيف المادة 6 من تلك الاتفاقية ما يلي:"تكفل الدول الأطراف لكل إنسان داخل في ولايتها حق الرجوع إلى المحاكم الوطنية وغيرها من مؤسسات الدولة المختصة لحمايته ورفع الحيف عنه على نحو فعال بصدد أي عمل من أعمال التمييز العنصري يكون انتهاكاً لما له من حقوق الإنسان والحريات الأساسية ويتنافى مع هذه الاتفاقية، وكذلك حق الرجوع إلى المحاكم المذكورة التماساً لتعويض عادل مناسب أو ترضية عادلة مناسبة عن أي ضرر لحقه كنتيجة لهذا التمييز". الثاني: أن المصادق على تلك الاتفاقية كانت دون أي تحفظ أو إعلان يحد من إلزامية أي مادة أو بند فيها[162]. الثالث: أن هذه الاتفاقية منشورة في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية[163]، فمن المعروف أن النشر يعد إجراءا ضروريا لنفاذ القانون عملا بأحكام الفصل الثاني من قانون 5 جويلية 1993 المتعلق بنشر النصوص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية و بنفاذها[164]. وأمام وضوح أحكام هذه الاتفاقية فإنه لا مجال للقول بوجود غموض أو غياب نص و تبقى المسألة بالتالي متعلقة بإشكالية تطبيق النص. و تجاوز هذه الإشكالية لا يكون إلا بإتباع قاعدة السلم الهرمي لتطبيق النصوص من جهة، و قاعدة نسخ القوانين من جهة أخر.

أ- تطبيق قاعدة الترتيب الهرمي للنصوص:

من المفترض أن دور القضاء هو حسن تطبيق القانون لذلك فهم مطالبون بأن يطبقوا قاعدة الترتيب الهرمي للنصوص من تلقاء أنفسهم فهي مسألة تهم النظام العام. والمقصود بهذه القاعدة هو ترتيب القواعد القانونية حسب تسلسلها الهرمي باعتبار وان القاعدة الادنى تستمد قوتها من القاعدة التي تفوقها منزلة وبالتالي فإذا ما تعارضت قاعدة دنيا مع قاعدة عليا وجب إعطاء الأولوية في التطبيق للقاعدة الأعلى مرتبة. و لا جدال أن قمة هرم القواعد القانونية يحتلها الدستور بما فيه من قواعد و مبادئ تنص صراحة على أن: "الدولة التونسية تضمن احترام حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها و تكاملها وترابطها... تعمل الدولة والمجتمع على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال". و"الجمهورية التونسية تضمن حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية ما لم تخل بالأمن"(الفصل 5 دستور)، كما أن "كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون"(الفصل 6 دستور)، و" يتمتع المواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون، ولا يحدّ من هذه الحقوق إلا بقانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي" (الفصل 7 دستور). وعملا بهذه القواعد الدستورية التي سبق التعرض لها فإنه لا مجال للتمييز في الميراث بين المواطنين مختلفي الدين. ومن ثم فالتفرقة بين مواطن وآخر في الحقوق السياسية أو في غيرها هي تفرقة تخالف المبادئ الدستورية العامة[165]، التي تنص علي أن المواطنين مهما اختلفت عقائدهم وانتماءاتهم أمام القانون سواء، ولا تفرقة بين مواطن وآخر إلا علي أساس المواطنة. وحسب الفصل 32 من الدستور فإنه:" يصادق رئيس الجمهورية على المعاهدات.و لا تجوز المصادقة على المعاهدات المتعلقة بحدود الدولة، والمعاهدات التجارية والمعاهدات الخاصة بالتنظيم الدولي وتلك المتعلقة بالتعهدات المالية للدولة، والمعاهدات المتضمنة لأحكام ذات صبغة تشريعية او المتعلقة بحالة الأشخاص إلا بعد الموافقة عليها من قبل مجلس النواب". و حسب الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور:" ...لا تعد المعاهدات نافذة المفعول إلا بعد المصادقة عليها وشريطة تطبيقها من الطرف الأخر. والمعاهدات المصادق عليها من قبل رئيس الجمهورية والموافق عليها من قبل مجلس النواب أقوى نفوذا من القوانين". وطالما أن اتفاقية القضاء على جميع صور الميز العنصري لسنة 1966 تمت المصادقة و الموافقة عليها ودخلت حيز النفاذ في 4 جانفي 1969فإنها ملزمة وجوبا للقضاء باعتبار أن أحكامها باتت متممة للتشريع الوطني وهي في المرتبة الثانية بعد الدستور، وبالتالي فإنه لا مجال للتمييز بين المواطنين في الميراث بسبب دينهم أما الأجنبي فإن انتفاعه بأحكام هذه الاتفاقية يبقى رهينا بأن لا يتضمن قانونه الوطني أي تمييز في استحقاق الميراث بسبب الدين أو غيره من الأسباب ضد التونسيين عملا بقاعدة المعاملة بالمثل.

ب- تطبيق قاعدة النسخ:

ينص الفصل 542م ا ع على أنه: "لا تنسخ القوانين إلا بقوانين بعدها إذا نصت المتأخرة على ذلك نصا صريحا أو كانت منافية لها أو استوعبت جميع فصولها". و عملا بأحكام هذا الفصل و على فرض مجاراة الرأي القائل بأن إرادة المشرع في الفصل 88 م ا ش كانت متجهة نحو فسح المجال أمام القضاء للرجوع إلى المصدر المادي للنص و إعمال مانع اختلاف الدين في الميراث فإن أحكام اتفاقية القضاء على جميع صور الميز العنصري لسنة 1966 بعد أن تمت المصادقة و الموافقة عليها ودخلت حيز النفاذ، نسخت دون شك تلك الأحكام لأنها لاحقة لها في التاريخ. وهذا النسخ ناتج عن تضمن القانون اللاحق حكما مخالفا للحكم الذي يرى البعض أن القانون السابق يتضمنه، فهو نسخ ضمني بالمخالفة. وفي الختام يمكن القول أن حدة الجدل القائم فقها و قضاء لا تعكس حقيقة الواقع التشريعي، فالمبادئ الدستورية التي تمنع صراحة إقامة أي تمييز بين المواطنين في الحقوق على أساس ديني، و وجود نص صريح في اتفاقية دولية مصادق و موافق عليها طبق الدستور يمنع دون أي تحفظ أي تمييز بين الأفراد خاصة في الميراث، من المفترض أن أن يغلقا باب الجدل حول مانع لا يقره أي نص صريح.


الحواشي:

[1] ) من أمثلة الفصول المثيرة للجدل أيضا أنظر الفصل 5 من م ا ش المتعلق بوجوب "خلو الزوجين من الموانع الشرعية". و الفصل 75 م ا ش "نفي النسب بالوسائل الشرعية" وتشير الأستاذة De Lagrange إلى أنّ "المتأمل في هذه المجلة يلاحظ سكوت المشرع عن كثير من الأحكام فيها"

[De Lagrange :le législateur tunisien et ses interprètes , R.T.D., 1968..[2] ) فرج القصير، احكام المواريث في القانون التونسي، دار الميزان للنشر، سوسة. الطبعة الثانية، 2001. ص39.

[3] ).السيد سابق، فقه السنة، ج3. باب الفرائض.

[4] ) الشيخ محمد الصادق الشطي، لباب الفرائض، دار الغرب الإسلامي، بيروت. الطبعة الثالثة.1988. ص 19-20

[5] ) "إذا توفى الرجل عن زوجته أو عن معتدته فلا يرثه حملها إلا إذا ولد حياً لمدة لا تتجاوز العام".

[6] ) هذا هو مفهوم الشك كما ورد في موطأ الإمام مالك.

[7] ) "إذا مات اثنان ولم يعلم أيهما مات أو لا فلا استحقاق لأحدهما فى تركة الآخر سواء أكان موتهما فى حادث واحد أم لا" [8] ) الفصل 75: "إذا نفى الزوج حمل زوجته أو الولد اللازم له فلا ينتفي عنه إلا بحكم الحاكم وتقبل في هاته الصورة جميع وسائل الإثبات الشرعية". والفصل 76:" إذا اثبت الحاكم نفى الأبوة طبق أحكام الفصل السابق فإنه يحكم بقطع النسب والفراق الأبدي بين الزوجين". [9] ) جاء في القرار التعقيبي عدد 27777المؤرخ في 26/1/1993 ما يلي:"إن نفي النسب باعتماد أحكام الفصلين 75 و 76 م ا ش عوض به المشرع اللعان الوارد بالفقه الإسلامي، فجعل أسباب نفي الحمل محدودة و النتائج المترتبة عن الدعوى هي الفراق الأبدي بين الزوجين بعد ثبوت نفي النسب و هو نفس الحكم المقرر للملاعنة". نشرية محكمة التعقيب-القسم المدني- لسنة 1993.ص.283.

[10] ) أنظر في ذلك: أحمد ابن أبي الضياف، "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان"، الدار التونسية للنشر، 1989، الجزء الرابع ص 97 وما بعده [11] ) " يرث ولد الزنا من الأم وقرابتها وترثه الأم وقرابتها". يبدو أن المشرع التونسي وفيّ جدا لهذه القاعدة فعلى الرغم من قبوله التحليل الجيني كوسيلة لإثبات الأبوة والأمومة إلا أنه لم يرتب عن ذلك التوارث بين الأب و الولد، أنظر أحكام قانون القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب. كما وقع تنقيحه بموجب القانون عدد المؤرخ في 7/7/2003 لأن القانون المذكور رتب عن ثبوت البنوة آثارا حصرية لم يذكر من بينها النسب أو الميراث(أنظر الفصل 3 مكرر) وهو موقف مستغرب من مشرع يقبل التوارث بالتبني(أنظر الفصل 15 من قانون التبني لسنة 1958).

[12] ) تجدر الإشارة إلى أن المذاهب الأربعة غير متفقة أيضا في خصوص هذا المانع، فالحنفية يعتبرون أن كل قتل أوجب الكفارة منع من الإرث (عمدا،شبه العمد ، خطأ، مجرى الخطأ) أما المالكية فيعتبرون أنه القتل العمد فقط، في حين يرى الحنابلة أنه كل قتل مضمون بقصاص أو دية أو كفارة، وعند الشافعية فهو القتل بجميع أنواعه ولو كان عن طريق الشهادة أو تزكية الشهود. أنظر في ذلك:محمد علي الصابوني، المواريث في الشريعة الإسلامية في ضوء الكتاب و السنة،عالم الكتب.بيروت. الطبعة3 ،1985.ص39-40.

[13]) يمكن هنا المقارنة بين صياغة الفصلين 88 و 198 م ا ش المتعلقين بالقتل كمانع، فالأول من استحقاق الإرث و الثاني من استحقاق الوصية إذ ينص الفصل 198 (المضاف بالقانون عدد 77 لسنة 1959 المؤرخ فى 19 جوان 1959) على ما يلي: "الوصية الاختيارية أو الوصية الواجبة تمنع بقتل الموصى له للموصى عمداً أو تسببه فى قتله سواء بصفة فاعل أصلى أو شريك أو مشارك أو كان شاهد زور أدت شهادته للحكم بإعدام الموصى كل ذلك إذا كان القتل بلا عذر شرعي وكان القاتل عاقلاً بالغاً من العمر ثلاثة عشر عاماً" أما الفصل 88 م ا ش فنصه:" القتل العمد من موانع الإرث فلا يرث القاتل سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا أو كان شاهد زور أدت شهادته إلى الحكم بالإعدام وتنفيذه". فصحيح أن الفصل 88 لم يتضمن تفصيلا لموانع المسؤولية وأسباب الإباحة إلا أن اشتراط ان يكون القتل عمدا قد يغني عن ذلك، لكن ما يلفت الانتباه ان الشهادة الزور لا تمنع من الميراث طالما لم ينفذ حكم الإعدام في حين أن عبارات الفصل 198 توحي بأن المنع عن الوصية قائم بمجرد صدور حكم بالإعدام دون شرط التنفيذ. [14] ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ،ج2 تحت رقم 867. وفي سنن ابن ماجة، كتاب الديات،باب القاتل لا يرث. الحديث رقم 2645.

[15] ) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفرائض، باب ما جاء في ابطال ميراث القاتل. تحت رقم 2109. وفي سنن ابن ماجة، كتاب الفرائض، باب ميراث القاتل، تحت رقم 2735.

[16] )إذ لم تكن المحاكم قبل الاستقلال تطبق في مادة الأحوال الشخصية مجلة كما هو حال مجلة الالتزامات والعقود أو المجلة الجزائية بل إن تلك المحاكم كانت مقسمة إلى ثلاثة أنواع: محاكم شرعية (وهي مقسمة إلى مجلسين : مالكي و حنفي) مختصة بالنظر بالنسبة للتونسيين المسلمين، وألغيت بموجب الأمر المؤرخ في 25/9/1957. محاكم موسوية مختصة بالنظر بالنسبة لليهود التونسيين، وألغيت بموجب الأمر المؤرخ في 13/11/1957. محاكم فرنسية تطبق المجلة المدنية الفرنسية و مختصة بالنظر بالنسبة للفرنسيين و الأجانب عموما، وألغيت بموجب الاتفاقية المبرمة بين تونس و فرنسا في 9/3/1957 و التي دخلت حيز التنفيذ غرة جويلية 1957. و من الثابت أن هذا التعدد في الجهاز القضائي و المقترن بتنوع القانون المنطبق يتعارض مع وحدة الدولة وسيادتها لهذا عملت الدولة غداة الاستقلال على توحيد المحاكم، وهو ما يستوجب بالضرورة وضع قانون موحد يطبق على الجميع.

[17] ) يستفاد من هذا البيان أن الشيخ محمد العزيز جعيط هو أول من قنن في تونس أحكام الأسرة في لائحة الأحكام الشرعية سنة 1948، ثم جاء المشرع التونسي عند الاستقلال وقنن مجلة الأحوال الشخصية في لائحة تنسب إليه بوصفه رئيس اللجنة التي وضعتها، و قد قامت اللجنة بعمل مادي جبار تمثل في تبويب أحكام المذهبين المالكي و الحنفي و أخذ الراجح من آراء الفقهاء ووضعه في قالب فصل كما هو حال فصول المجلات القانونية العصرية وتعتبر مجلة الأحكام الشرعية النسخة النهائية للائحة مجلة الأحكام الشرعية التي تضمنت 2463 مادة فقهية إذ أن مجلة الأحكام الشرعية لم تحتو إلا على أربعة أجزاء تضم ثلاثة عشر كتابا فيها سبعة و سبعون فصلا و 1352 مادة قانونية خصص منها للأحوال الشخصية المواد من 1 حتى 765. والمواد من 1109 حتى 1214 . وبمراجعة كل من المجلة واللائحة يتبين أن مجلة الأحوال الشخصية نقلت ما يناهز 130 فصلا من اللائحة من أصل 169 فصلا ضمتها المجلة يوم صدورها. محمد بوزغيبة : حركة تقنين الفقه الإسلامي بالبلاد التونسية، مركز النشر الجامعي. تونس. 2004. ص309 وما بعدها. [18] ) بيان صادر عن وزارة العدل بتاريخ 03 أوت 1956. وهو بمثابة نص تفسيري رسمي أوضح الخلفيات و المبررات السياسية والقانونية والتاريخية لوضع المجلة. محمد الحبيب الشريف، مجلة الأحوال الشخصية بين الأصالة والحداثة، منشور في المؤلف الجماعي: مجلة الأحوال الشخصية: أصالة وحداثة، مركز الكريديف، تونس.2006. ص.15.

[19] ) محمد بوزغيبة : المرجع السابق. ص 420 – 421.

[20] ) محمد بوزغيبة : المرجع السابق، ص 391 و ما بعدها.

[21] ) مذكور لدى محمد بوزغيبة : المرجع السابق، ص 398 و ما بعدها .

[22] ) و بقية المخالفات التي أشارت إليها الفتوى هي: منع تعدد الزوجات و زواج المسلمة بغير مسلم و تأبيد تحريم التطليق ثلاثا. محمد بوزغيبة : المرجع السابق، ص392 و393. وهو نفس الرأي تقريبا الذي تضمنته فتوى محمد الشاذلي ابن القاضي و المنشورة في جريدة الاستقلال العدد 49 بتاريخ 28/9/1956. وعلى الرغم من اتفاق أغلب الفقهاء المعاصرين لصدور المجلة على أنها أهملت التعرض لمانع اختلاف الدين فإن الشيخ يوسف بن يوسف تعامل في كتابه المواريث الشرعية والوصية و مجلة الأحوال الشخصية(الصادر عن دار الميزان، سوسة، الطبعة الأولى،1996) مع مانع اختلاف الدين كما لو أنه مكرس صراحة في المجلة ودون أدنى التباس ، بل إن تخصيصه عنوانا أخر لموانع الإرث المختلف فيها يؤكد هذا التوجه من قبله، أنظر الصفحات من 128 حتى136. و هو نفس التوجه الذي اعتمده الأستاذ فرج القصير، مرجع سابق، ص 39 و ما بعدها [23] ) محمد بوزغيبة، هل مجلة الأحوال الشخصية التونسية شرعية أو علمانية لائكيه، مقال منشور على موقع شفـاف الشـرق الأوسـط، بتاريخ 9 اكتوبر 2004. [24] ) أنظر ما سيأتي لاحقا عن التضارب و الجدل الحاد فقها قضاء.

[25] ) مع الاشارة إلى أنه فيما يتعلق بمسألة ميراث المسلم من تركة غير المسلم فإنه لا يوجد في شأنها موقف صريح في الفقه الإسلامي بل إنها من المسائل الخلافية بين المذاهب الفقهية. [26] ) ورد هذا الحديث في الموطأ، للإمام مالك، باب مِيرَاثِ أَهْلِ الْمِلَلِ –الحديث عدد1086 : "حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ " لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ " (أنظر : شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك المجلد الثالث ص119)و في صحيح البخاري (طبعة دار ابن كثير , اليمامة، بيروت،1987م-1407هـ، مراجعة : د. مصطفى ديب البغا. عدد الأجزاء : 6) الجزء الثالث تحت عدد [6383] حدثنا أبو عاصم عن بن جريج عن بن شهاب عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد رضى الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم)). وأنظر كذلك الجزء الثاني من صحيح مسلم (طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت،1954م-1374هـ، عدد الأجزاء : 5، مراجعة : محمد فؤاد عبد الباقي) الحديث عدد [1614] حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم واللفظ ليحيى قال يحيى أخبرنا وقال الآخران حدثنا بن عيينة عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم)). وأخذت العديد من قوانين الدول العربية بهذا الحكم مثل القانون المصري والقانون السوري.

[27] ) لم يتعرض أي من صحيحي مسلم أو البخاري لهذا الحديث في حين وقع إخراجه في: سنن أبي داود: طبعة دار الفكر، ج1.الحديث رقم [2911] حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)). و أنظر أيضا سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي،ج1. الحديث رقم [2108] و ما بعده، باب لا يتوارث أهل ملتين. وسنن ابن ماجة، دار الفكر،ج1. الحديث رقم [2731]. باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك.

[28] ) عبد المجيد المرزوقي: تأويل أحكام الفصل 88 م.أ.ش، مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1989 ص.159.

[29] ) ساسي بن حليمة، التباين في فقه قضاء محكمة التعقيب، ملتقى التعقيب (4-7 افريل 1988)، مجموعة لقاءات الحقوقيين، العدد2. كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس. 1989. ص 135.

[30] ) أنظر في هذا المعنى: طيب اللومي، خواطر حول دور فقه القضاء، في مؤلف تأثير القرن العشرين في القانون التونسي الخاص، مجموعة لقاءات الحقوقيين. العدد 8، ص.10.

[31] ) قرار تعقيبي مدني عدد 49089 مؤرخ في 62/11/1996. نشرية محكمة التعقيب – القسم المدني- لسنة 1996. ج2.ص228. كما أن محكمة التعقيب أصدرت في الستينات بعض القرارات التي اعتمدت فيها أحكام المذهب المالكي وأحكام المذهب الحنفي لأنهما كانا ينطبقان على القضية المنشورة لدى المحاكم الشرعية قبل توحيد المحاكم وإلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم اليهودية والمحاكم الفرنسية. ساسي بن حليمة، الفقه الإسلامي من خلال فقه القضاء التونسي في مادة أ.ش. المرجع السابق، ص. 53 [32] Mohamed Moncef Bouguerra : Le juge tunisien et le droit du SPT : actualité juridique tunisienne 2005, p.23.

[33] - Mohamed Moncef Bouguerra , op.cit, p.40.

[34] ) لقد أريد لهذه الفقرة أن تكون أيضا ذات بعد توثيقي بحيث تجمع شتات أهم القرارات و الأحكام المنشورة وغير المنشورة المتعلقة بمسألة اختلاف الدين في الميراث، وذلك تسهيلا على كل من يروم البحث في هذا الموضوع..

[35] ) منشور في: المجلة القانونية التونسية،لسنة 1968 ص.194. مع تعليق للأستاذة De Lagrange .

De Lagrange, note sur l’arrêt Houria n°3384 du 31 janvier 1966, T.D. 1968, p.117.[36] ) و قد تضمن القرار التعقيبي إشارة واضحة لهذا الموقف، وخلافا لما هو سائد فإن موقف قضاة الأصل في قضية حورية يؤكد قدم وعمق الجدل حول تأويل الفصل 88 م أ ش.

[37] ) منشور في: م ق ت 1993 عدد 9 ص.102. وفي هذه القضية طرحت أيضا مسألة إثبات الانتماء إلى الإسلام وكيف يمكن إثبات ذلك؟ وفي هذا الصدد أقرّت محكمة التعقيب المبدأ التالي "إن اعتناق الإسلام يثبت بجميع الوسائل وأن شهادة مفتي الجمهورية في ذلك ليس حجة على أن صاحبها لم يكن مسلما من قبل". أي أن المحكمة أخذت بالتوسيع في وسائل و زمن الإثبات. ويرى الأستاذ محمد الحبيب الشريف أن القضاء التونسي اعتبر أن العقيدة مبناها جوهر الإيمان ولا عبرة فيها بالشكليات ولذلك يعدّ مسلما ويستحق حقوقه كل من أثبت إسلامه بطريقة مقنعة وعليه تجاوز القضاء بذلك شرط شهادة مفتي الجمهورية على إسلام من يولد مسلما... وسار القضاء قدما في توجه اللين إذا اعتبر أن إعلان الإسلام والدّخول في زمرة المسلمين يعتبر قانونا من قبيل الوقائع الماديّة الإرادية التي يرتب تثبت حتى عن طريق شهادة الشهود". محمد الحبيب الشريف، النظام العام العائلي التجليات، تونس 2006، ص.41. وهو ما أكدته محكمة التعقيب في قرارها المدني عدد3396 المؤرخ في 2/1/2001 منشور في: م ق ت عدد جانفي 2002. ص203 وما بعدها والذي بينت فيه أن اعتناق الإسلام واقعة قانونية يمكن إثباتها بجميع الوسائل، وشهادة المفتي ليست الوسيلة الوحيدة في ذلك. وفي نفس التوجه لمحكمة التعقيب أنظر: القرار التعقيبي المدني عدد 3843 المؤرخ في 20/12/2004 (قرار "روني ف.") غير منشور سيقع التعرض له لاحقا.

[38] قرار تعقيبي مدني عدد 10160 مؤرخ في 13 فيفري 1985، ق.ت. 1986.

[39]) منشور في: م ق ت 1993 عدد 9 ص120. مع تعليق محمد الحبيب الشريف.

[40] ) غير منشور.

[41] ) و قد أسس المدعي موقفه على جملة الحجج التالية:"1-أنه رغم انضمام تونس لاتفاقية نيويورك لمنع التمييز و التفريق بين الجنسيين فإنها سجلت انضمامها تحفظات بخصوص بعض الأحكام الموجودة بها و التي تتعارض و النظام العام في بلادنا. 2-إزاء النقص الحاصل في التشريع فإنه من واجب القاضي إتمام أحكامه و البت في الدعوى استنادا إلى أهم مصدر من مصادر م ا ش. 3-انه واعتمادا على القاعدة الفقهية القائلة "لا توارث بين ملتين" و التي يعتمدها خاصة المالكية و كذلك قول الرسول (ص) "لا يرث المسلم الكافر و لا الكافر المسلم" فإن اختلاف الدين بين الوارث و المورث يصبح أيضا من موانع الإرث. 4-ثبت أن المطلوبة ليست من ملة المورث بإقرارها المضمن بتقرير نائبتها ومن خلال عدم معارضتها للدعوى". و بناء على ذلك طلب من المحكمة القضاء باستبعاد أمه أرملة الهالك من الميراث، و كان له ما أراد.

[42] ) غير منشور.

[43] ) غير منشور.

[44] ) منشور في: م.ق.ت.، عدد جانفي 2002. ص203 وما بعدها.

[45] ) غير منشور.

[46] ) غير منشور.

[47] ) أنظر حيثيات هذا القرار الإستئنافي المدني عدد 120 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس لاحقا.

[48] ) غير منشور. و تعتبر هذه القضية مرحلة من مراحل التقاضي في قضية "ورثة م.كاكية" الذي بدأ منذ سنة 1988 في المحكمة الابتدائية بالمهدية ( سيقع التعرض لها ضمن الاتجاه المعارض لاعتبار اختلاف الدين من موانع الإرث.) فبالرغم من أن تلك القضية انتهت إلى أن "جورج س." زوج "م. كاكية" قد ربح القضية عن طريق ما خوّلته له الوصية لكامل تركة زوجته "م. كاكية"( نظرا لتطبيق تلك الوصية التي يحكمها القانون الأجنبي الفرنسي (القانون الشخصي للهالكة الموصية) قرار تعقيبي مدني عدد 28151 مؤرخ في 23 مارس 1993، م.ق.ت. 1993، مع تعليق نور الدين قارة.).

[49] ) وهو في الحقيقة حديث نبوي كما جاء في مقدمة هذا البحث.

[50]) حكم غير منشور. [51] ) وهي من المسائل الخلافية في الفقه الإسلامي . فعلى الرغم من أنه نقل عن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَوله: ‏"‏ لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلاَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ‏"‏‏.‏(صحيح البخاري، الحديث عدد 6850) إلا أن الصحابة اختلفوا في ذلك. أنظر في تفاصيل ذلك الخلاف: فتح الباري في شرح صحيح البخاري، كتاب الفرائض. باب لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.

[52] ) وهو الأسلوب التأويلي الذي نص عليه الفصل 532 م ا ع في حال غموض النص.

[53] ) حكم غير منشور.

[54] ) أما السبب الثاني فهو القرابة، أنظر في تحديد الورثة الفصل 90 من م ا ش.

[55] ) حكم ابتدائي مدني عدد 26855 صادر بتاريخ 29/6/1999 عن المحكمة الابتدائية بتونس. منشور في: م. ق. ت. عدد ديسمبر، 2002.ص.113. "وحيث و في خصوص بطلان زواج المسلمة بغير مسلم فإنه لا شيء بملف القضية يفيد بأن الزوج غير مسلم. وحيث فضلا عن ذلك إذا جارينا المدعى عليها فيما تمسكت به فقد اقتضى الفصل 5 من م ا ش بأنه يجب أن يكون كل من الزوجين خلو من الموانع الشرعية و عرف الفصل 14 م ا ش الموانع الشرعية بأنها مؤبدة و مؤقتة و لا وجود لتزوج المسلمة بغير مسلم ضمن موانع الزواج. وحيث بالرجوع إلى الاتفاقية الدولية الموقع عليها في نيويورك في 10/12/1962 و المصادق عليها من طرف الدولة التونسية يتبين بأنه لكل مواطن ذكرا كان أو أنثى حرية اختيار قرينه. وحيث أن الاتفاقية الدولية أسمى درجة في سلم القوانين. وحيث والحالة ما ذكر فإن التمسك ببطلان الزواج في غير طريقه واتجه لذلك رده".- Souhyama Ben Achour, note sur arrêt tribunal de 1er instance de Tunis, le 29 juin 1999, affaire n° 26-855, R.T.D. 2000, p.414.[56] ) غير منشور. وردت بعض حيثياته في القرار الاستئنافي الاستحقاقي (إحالة بعد التعقيب) عدد 5896 صادر عن محكمة الاستئناف بالمنستير بتاريخ 15/6/1994 الصادر أيضا في ذات القضية، وهو غير منشور بدوره.

[57] ) حكم منشور في: م ق ت عدد ديسمبر 2002. ص 105.

[58] ) قرار منشور في: م ق ت عدد ديسمبر 2002. ص 75.

[59] ) أنظر حول حجة الوفاة عموما: مقال الأستاذ ساسي بن حليمة، حجة الوفاة. المجلة القانونية التونسية.2001 ص 3 وما بعدها. و نور الشريف، حجة الوفاة، مذكرة تخرج من المعهد الأعلى للقضاء.2004-2005.[60] ) حكم منشور في: المجلة القانونية التونسية، 2000 مع تعليق علي المزغني : تعليق على الحكم الصادر عن محكمة تونس، تحت عدد 7602، بتاريخ 18 ماي 1999، المجلة القانونية التونسية، 2000 ، ص247. و تجدر الإشارة إلى أن هذا الحكم طعن فيه بالاستئناف أمام محكمة الاستئناف بتونس وقدمت نفس المستندات وتقدم المطلوب بما يثبت أنه اشترى نصيب زوجة عمه الهالكة وأنه سجل العقد في السجل العقاري وفي هذا رأت محكمة الإستئناف في قرارها الصادر تحت عدد 78579 بتاريخ 11/7/2001أنه:"بقطع النظر عما ذهبت إليه محكمة البداية من تحاليل قانونية بخصوص موانع الإرث و ما تمسك به الطرفان في هذا الموضوع وهو خارج عن أنظار المحكمة في هذه القضية إذ أن الموضوع تجاوزته الأحداث بصدور قرار إصلاح حجة الوفاة وبقائه حجة رسمية قائمة الذات لعدم نقضه من طرف المحكمة المختصة فإن البت في النزاع يستوجب اللجوء إلى قانون الحقوق العينية". وطالما أن دعوى إبطال عقد البيع عقار مسجل تأسست على أن البائعة لم تكن وارثة لاختلاف دينها عن دين مورثها (مسلم) وقد تم التفويت في العقار للغير حسن النية في وقت كانت البائعة مالكة للمبيع حسب بيانات السجل العقاري. وهو قرار غير منشور. مذكور لدى: مبروك بنموسى، شرح المجلة التونسية للقانون الدولي الخاص، دار الميزان-سوسة-، 2003.ص.467.

[61] علي المزغني، تعليق على الحكم الابتدائي الصادر عن محكمة تونس، مرجع سابق. ص254.

[62] ) قرارغير منشور.

[63] ) أنظر القرار الاستئنافي المدني عدد 82861 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 14/6/ 2002. سبق التعرض له.

[64] ) قرارغير منشور.

[65] ) أنظر القرار التعقيبي المتعلق بذات القضية أعلاه في الاتجاه المؤيد لاعتبار اختلاف الدين من موانع الإرث.

[66] ) قرار غير منشور.

[67] ) يمكن القول أن محكمة التعقيب طبقت هنا حكما شرعيا معمول به في الفقه الإسلامي إذا ورد في كتاب قدري باشا، الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية، وتحديدا في المادة 124 منه ما يلي:" الأولاد الذين يولدون للمسلم من الكتابية ذكوراً كانوا أو إناثاً يتبعون دينه". علما وأن أحكام هذا المؤلف مستمدة من الفقه الحنفي.

[68] ) خاصة و أن إحدى قضاة الدائرة التي أصدرت هذا القرار كانت رئيسة الدائرة الابتدائية في محكمة تونس التي أصدرت سنة 1999 أول حكم يقر صحة زواج المسلمة بغير مسلم(حكم سبق ذكره في الهامش عدد 55 أعلاه).

[69] ) قرارغير منشور.

[70] ) ورد في هذه التوطئة حرفيا ما يلي:" إن الدول المتعاقدة، رغبة منها، طبقا لميثاق الأمم المتحدة، في تعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية للناس جميعا دون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين، وإذ تعيد إلى الذاكرة أن المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أنه: 1 - للرجل والمرأة، متى أدركا سن البلوغ، حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين, وهما يتساويان في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله, 2 - لا يعقد الزواج إلاّ برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاء كاملا لا إكراه فيه". مما يعني أن إباحة حرية اختيار القرين مصدره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10/12/1948) و توطئة الاتفاقية ذكرت به فقط. [71] ساسي بن حليمة، تباين في فقه قضاء محكمة التعقيب، مرجع سابق، ص 135.

[72] ) محمد الحبيب الشريف النظام العام العائلي، التشكلات مركز النشر الجامعي، تونس، 2006، ص. 555. [73] ) محمد الهادي كرو، زواج المسلمة بغير المسلم، مجلة القضاء والتشريع، عدد 1977. تجدر الاشارة إلى أن أنصار هذا التيار هم الأغلبية و ربما لهذا السبب لا يجدون حاجة للدفاع عن موقفهم و تأييد القرارات و الأحكام التي تعتبر اختلاف الدين من موانع الإرث، في حين أنه وعلى النقيض من ذلك فإن المعارضين للعمل بهذا المانع لا يفوتون فرصة إلا و يستغلونها ليعرضوا فيها موقفهم بالحجة والبرهان، وما أن يصدر حكم في نفس الاتجاه إلا وعلق عليه واحد منهم، وربما كان صمت فريق و احتفال فريق أخر هو الحافز وراء ازدياد عدد الأحكام الرافضة للعمل بمانع اختلاف الدين.

[74] ) و هناك من يذهب ابعد من ذلك بقوله: إن الشريعة الإسلامية تمثل مصدرا لا ريب فيه لجل القوانين التونسية، محمود شمام، بعض ما دون من تشريع مرجعه أحكام الشريعة الإسلامية بالبلاد التونسية، م ق ت العدد 6 لسنة 1958. ص7. [75] ) رضا خماخم،الإصلاح القضائي، شركة أوربيس للطباعة و النشر. تونس. 1993. ص23

[76] ) الهادي بن إبراهيم، تطور القضاء و التشريع بتونس، سلسلة محاضرات منشورة في ملحق مجلة القضاء و التشريع : 1962 – 1963 ص 18 [77] ) الطيب اللومي، الجديد في مجلة الأحوال الشخصية : ثلاثينية المجلة القانونية التونسية / 1953 – 1983 : ص 63 -64. و يمكن حصر عدد الفصول المنقولة من اللائحة بـ 123 فصلا من أصل 170 فصلا كانت تتألف منها المجلة عند صدورها سنة 1956. [78] ) ساسي بن حليمة، محاضرات غير مرقونة لطلبة السنة الثالثة حقوق، كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس.1992-1991. [79] ) محمود العنابي، تطور تشريع الأحوال الشخصية في تونس، م ق ت العدد 7 لسنة 1967.ص7 و ما بعدها. و في نفس المعنى البشير زهرة، التجربة التونسية في مجال الأحوال الشخصية. م ق ت العدد 7 لسنة 1973. [80] ) محمد الحبيب الشريف، ...بين الأصالة والحداثة، مرجع سابق. ص59. [81] (Ezzeddine Arfaoui : les règles écrite de l’interprétation de la loi, Thèse de Doctorat, la faculté de Droit et de Sciences politiques,Tunis 1994.P 302[82] ) منجية السوايحي،المرأة العربية من فكرة التحرر إلى فكرة الشراكة. [83] ) علي حسين الفطناسي، دراسات في النسب، التعاضدية العمالية، صفاقس.1985.ص36. [84] ) مقال حول ندوة الإصلاح العدلي : جريدة الصباح : تونس 4 أوت 1956. مذكور لدى محمد بوزغيبة، هل مجلة الأحوال الشخصية التونسية شرعية أو علمانية لائكيه، شفــــاف الشــــرق الأوســــط 9 اكتوبر 2004. [85]) الهادي كرو : زواج المسلمة بغير المسلم و مصادقة الدولة على اتفاقية نيويورك المؤرخة في 10 – 12 – 1962 : مجلة القضاء و التشريع : ع 2 : فيفري 1971 : ص 149. [86] ) رضا خماخم، الإصلاح القضائي : شركة أوربيس للطباعة و النشر تونس 1993. ص23 [87] ) أنظر في هذا المعنى ساسي بن حليمة، التباين في فقه قضاء محكمة التعقيب، مرجع سابق. ص137-138 [88] ) وقعت المصادقة عليها بموجب القانون عدد 92 المؤرخ في 29/11/1991 و نشرت في الرائد الرسمي عدد84 المؤرخ في 10/12/1991 . [89] ) وقعت المصادقة عليها بموجب القانون عدد79 المؤرخ في 11/7/1988 و نشرت في الرائد الرسمي عدد85 المؤرخ في 13/12/1991. [90] ) أنظر على سبيل المثال: المادة 23 من اتفاق التعاون القانوني و القضائي في المواد المدنية و التجارية و الجزائية و الأحوال الشخصية المبرم مع الجمهورية اليمينة لسنة 1998 و المصادق عليها بالقانون عدد 59 المؤرخ في 6/7/1998. و كذلك المادة 16 من اتفاقية التعاون القانوني و القضائي في المواد المدنية و التجارية و الاعتراف بالاحكام العدلية و تنفيذها المبرمة مع مملكة اسبانيا سنة 2001 و المصادق عليها بالقانون عدد48 المؤرخ في 21/5/2002. و كذلك الاتفاقية المبرمة مع جمهورية الصين الشعبية و جميعها منشورة في مجموعة الاتفاقيات القضائية الثنائية المبرمة ما بين 1998-2004، منشورات مركز الدراسات القانونية و القضائية، وزارة العدل، تونس2005. [91] ) فيصل غديرة ،زواج المسلمة بغير المسلم، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمقة كلية الحقوق بتونس 1980. وانظر على سبيل المثال فيما يتعلق بحجج هذا الفريق: - Mohamed Charfi, droit de l’homme, Droit musulman, et droit tunisien, R.T.D. 1983, p.405 - Mohamed Charfi, introduction à l’étude du droit, Cérès éditions, Tunis, 2ème édition 1991, p.57. - Mohamed Charfi, Islam et liberté. Le malentendu historique, Editions Albin Michel, Paris 1998. - Mohamed Charfi, l’influence de la religion sur le droit international privé des pays musulmans, R.C.A.D.I. 1987, III, martinus Nijhoff Publishers, p.325. - Soukiena Bouraoui, la constante inégalité entre les sexes ou l’antinomie entre » droit interne et conventions internationales, R.T.D. 1983, p.425. - Sassi Ben Halima, religion et statut personnel en Tunisie, R.T.D. 2000 . p.107. - Hafidha Chkéir, le rôle du droit dans la promotion du statut des femmes : L’exemple tunisien, thèse.F.D.S.P, p.415. - Mohamed Moncef Bouguerra, le juge tunisien et le droit du statut personne, A.J.T. n°14, 2000, p.29.- و محمد الحبيب الشريف: النظام العام العائلي، التشكلات، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006.[92] ) وهو ما يستفاد من أحكام الفصل 559م ا ع:"الأصل في الأمور الصحة والمطابقة للقانون حتى يثبت خلافه". [93] - Mohamed Charfi : droit de l’homme, droit musulman et droit tunisien RTD 1983. [94] - De Lagrange, le législateur et ses interprétes R.T.D. 1968, [95]) وهو ما ذهب إليه: - Colomer, le code du statut personnel tunisien, Alger p. 55. مذكور لدى: De Lagrange, le législateur tunisien et ses interprètes, op.cit. [96] ) "تصح الوصية مع اختلاف الدين بين الموصى والموصى له".أضيف هذا الفصل بالقانون عدد 77 لسنة 1959 المؤرخ فى 19 جوان 1959. [97] ) وهو رأي غير صحيح كما سيقع بيانه لاحقا. [98] ) أنظر الفصل 15من القانون عدد 27 لسنة 1958 مؤرخ فى 4 مارس 1958 (12 شعبان 1377) المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني:"للمتبنى نفس الحقوق التي للابن الشرعي وعليه ما عليه من الوجبات وللمتبنى إزاء المتبنى نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين الشرعيين وعليه ما يفرضه من الواجبات عليهما". [99] محمد الحبيب الشريف ، النظام العام العائلي، التشكلات، مركز النشر الجامعي، تونس، 2006. وهو ما دفع بالحقوقي المصري محمد عبد الجواد محمد إلى أن يصدر حكما قاسيا و فيه الكثير من التجني على مجلة الأحوال الشخصية، يقول فيه: " نشك كثيرا و نرجو أن يخيب الله ظننا في أنه يمكن توحيد قانون الأحوال الشخصية في البلاد العربية لأن قانون إحداها –وهي تونس– قد خالف الأحكام الشرعية القرآنية القطعية نقلا عن القوانين الغربية. محمد عبد الجواد محمد : تقنين الشريعة الإسلامية. منشأة المعارف بالإسكندرية، ص29. وقد سبقه إلى نفس الحكم القائم على السمع لا على الاطلاع الفقيه المرحوم محمد أبو زهرة، في كتابه محاضرات في عقد الزواج و آثاره، إذ جاء في المقدمة ما يلي:"لم نعن في بيان أحكام الزواج في الإسلام ببيان القانون التونسي لأن هذا القانون عد تعد الزوجات جريمة ... وقرر منع الطلاق... فهو ليس إسلاميا و أقرب إلى أن يكون كنسيا". ولو أن الشيخ رحمه الله اطلع بنفسه على نصوص م ا ش لما كان اصدر هذا الحكم الجائر والمبالغ فيه فالمجلة تبيح الطلاق (أنظر الفصول 29 حتى 32 منها). وأما منع تعدد الزوجات فهو موضوع يطول فيه النقاش ويحتاج إلى بحث مستقل. [100] - Ali Mezghani, Réflexion sur les relatins du code du statut personnel avec le droit musulman classique, RTD 1975, p.70. [101] ) محمد الحبيب الشريف، ...بين الأصالة والحداثة، مرجع سابق. ص33. [102] Yadh Ben Achour, islam et constitution RTD 1974, p.77.- Monia Ben Semia, la non discrimination religieuse et le code SP, Tunis 2005, non publie, p.12. [103] ) بالرجوع إلى جل دساتير البلدان ذات الأغلبية المسلمة يلاحظ أن عشرة منها تعلن في دساتيرها أن الدولة هي دولة إسلامية. وهذه الدول هي: أفغانستان والبحرين وبروناي وإيران والمالديف وموريتانيا وعمان وباكستان و المملكة العربية السعودية واليمن. في حين اختارات دساتير أثنتا عشر دولة أخرى النص على أن الإسلام دين الدولة دون أن ينعكس ذلك على طبيعة النظام السياسي في الدولة. وهذه الدول هي: تونس و الجزائر وبنجلاديش ومصر والعراق والأردن والكويت وليبيا وماليزيا والمغرب وقطر والإمارات ، أي أن اثنتين وعشرين دولة يعيش بها ما يقرب من 58% من مسلمي الدول الإسلامية ( 600 مليون نسمة) ربطت بين الدين والدولة على نحو ما في دساتيرها. وعلى الجانب المقابل ثمة إحدى عشر دولة تعيش بها أغلبية مسلمة نصت دساتيرها صراحة على أن الدولة بها هي دولة علمانية. وتضم هذه الدول العلمانية قرابة مائة وأربعين مليونا من السكان المسلمين. وهي: بوركينافاسو وتشاد وغينيا ومالي والنيجر والسنغال وأذربيجان وكيرغستان وطاجيكستان وتركمانستان و تركيا. وتبقى بعد ذلك إحدى عشر دولة أخرى من بين الدول ذات الأغلبية الإسلامية لم تتضمن دساتيرها أي إشارة إلى الطابع الديني أو الطابع العلماني للدولة، ومن هذه الدول ألبانيا ولبنان وسوريا وجزر القمر وجيبوتي والصومال. وتضم هذه المجموعة الأخيرة دولة إندونيسيا التي هي أكبر الدول الإسلامية. أنظر في ذلك: محمد نور فرحات، الدين والدستور في مصر. مقال منشور على الموقع الالكتروني: www.pidegypt.org/activities/constitution/farahat.doc[104]) محمد نور فرحات، الدين والدستور في مصر، المقال سابق الذكر. [105] ) مذكور لدى: محمد نور فرحات، الدين والدستور في مصر، المقال سابق الذكر. [106] ) أي أن المحكمة الدستورية العليا المصرية أشارت إلى ضرورة اعتماد أحد الأدلة الشرعية العقلية و هي القياس و المصالح المرسلة والاستحسان ، وتحديدا المصالح المرسلة التي تعرف بأنها: المعاني التي يحصل من ربط الحكم بها و بنائه عليها جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الخلق ، ولم يقم دليل معين على اعتبارها أو إلغائها. وقد أخذ المالكية بالمصلحة في المعاملات و اعتبروها أصلا شرعيا مستقلا من غير استناد إلى ما عداه من الأدلة، حتى إذا عارضت المصلحة نصوصا ظنية فقد يرجح الأخذ بها ويخصص النص أو يضعف سنده إن كان عاما. أنظر في ذلك: يوسف الكتاني، المصالح المرسلة في المذهب المالكي و بقية المذاهب الأخرى،مجلة دعوة الحق، العدد 248 ماي 1984. بل إن هناك من ذهب في اعتبار المصلحة إلى ما هو أكثر من ذلك . فالفقيه القرافي (توفي سنة 716هـ)وهو حنبلي المذهب يعتبر أن :"التعويل على النصوص والإجماع في العبادات و المقدرات،" أما في المعاملات و باقي الأحكام فعلى "اعتبار المصلحة"..." فحقوق المكلفين سياسية شرعية وضعت لمصالحهم" وكانت هي المعتبرة وعلى تخصيصها المعول... ..."، شرح حديث لا ضرر و لا ضرار ، منشور في مجلة المنار، المجلد9. ومذكور لدى: محمد أبو زهرة، الإمام مالك. ص 331 و332.كما جاء في تفسير المنار أن:"مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم معلومة لهم بحكم العادة و العقل ..." تفسير المنار، ج7.ص194. [107] ) حمزة احمد حداد، الشريعة الإسلامية كمصدر لقانون المعاملات المدنية، مقال منشور على الموقع الالكتروني: http://www.lac.com.jo/resear38.htm[108] ) وقع تقنين هذه القاعدة في المادة 39 من مجلـة الأحكـام العدليـة العثمانية،"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان". [109] ) محمد نور فرحات، مقال سابق الذكر. [110] ) محمد الحبيب الشريف، التشكلات، مرجع سابق. ص539 [111] ) محمد الشرفي و علي المزغني، المدخل لدراسة القانون، المركز القومي البيداغوجي،1993. ص 315 [112] ( Yadh ben Achour . Islam et constitution. R. T. D.1974.P113 [113](Ali Mezghani, Reflexions sur les relations du code de statut personnel avec le droit musulman classique », R.T.D. 1975. 2ème partie. p.53. [114] ) الدالي الجازي، مجلة الأحوال الشخصية تتويج لمسار إصلاحي عميق، منشور في المؤلف الجماعي: مجلة الأحوال الشخصية: أصالة وحداثة، مركز الكريديف، تونس.2006. ص242. [115] ) محمد الحبيب الشريف، ...بين الأصالة والحداثة، مرجع سابق. ص31 [116](Sana Ben Achour, Figure de l’altérité, a propos de l’héritage du conjoint non musulman, in Mélange Ben Halima CPU, Tunis. p.53. [117]( Sana Ben Achour : op.cit., p.6-7-8. [118]) محمد الشرفي و علي المزغني، مرجع سابق. ص316[119]( Mohamed Charfi, le droit tunisien de la famille entre l’islam et la modernité, RTD, 1973, p.21. [120]( Mohamed Charfi, droit de l’homme, droit musulman et droit tunisien, R.T.D. 1983, P.420.[121](De Lagrange : le législateur tunisien et ses interprètes. Op.cit, p.11. Souhyama Ben Achour, note sur arrêt tribunal de 1er instance de Tunis, le 29 juin 1999, op.cit, p.414 علي المزغني، تعليق على الحكم الصادر عن محكمة تونس، سبق ذكره، ص.254.[122] محمد الحبيب الشريف، النظام العام العائلي تجليات، تونس 2006، ص. [123] محمد كمال شرف الدين، قانون مدني، النظرية العامة، المرجع السابق، ص 127، وما بعده. [124] ساسي بن حليمة، الفقه الإسلامي من خلال فقه القضاء التونسي، في مادة الأحوال الشخصية مرجع سابق، ص. 84. [125] - Mohamed Moncef Bougerra : Le juge Tunisien et le droit du Statut personnel : actualité juridique, p.40. [126] عبد القادر القار، المدخل لدراسة العلوم القانونية، مبادئ القانون – النظرية العامة للحق، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع ، ط1، 1994 ص 92. [127] السيد عمران السيد، الأسس العامة في القانون، المدخل إلى القانون، نظرية الالتزام، الإسكندرية، 1998-1999،ص90. [128] رضا المزغني وعبد المجيد عبودة، التفسير القضائي للقانون المدني، إصدار معهد الإدارة العامة المملكة العربية السعودية. ص 5.- وعلى خلاف ذلك يرى Mazeaud في كتابه " leçon de droit civil " – الجزء I الطّبعة الرّابعة 1970 أنّ " النصّ الواضح يطبّق فقط و لا يؤوّل".(2) محمّد الشرفي و علي المزغني : مدخل لدراسة القانون، المركز القومي البيداغوجي. تونس 1993.ص 475 فقرة757.[129] ) رمضان علي السيد الشرنباصي، المدخل لدراسة الفقه الإسلامي، مطبعة الأمانة. مصر. الطبعة الثانية، 1403 هـ، ص219-220 [130] ) سورة النساء الآية 7. [131] ) سورة النساء الآية 11. [132] ) ينص الفصل 179 م ا ش على أنه:" لا وصية لوارث ولا فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة بعد وفاة الموصى". [133] ) مع أن هناك وجه أخر جائز للقياس بين الوصية و الميراث و هو حرمان القاتل من أي حق في كليهما رغم أنه لا وجود لنص صريح يتعلق بالوصية و ذلك قياسا على الحديث النبوي "القاتل لا يرث" و الذي استنتج الفقهاء منه قاعدة "من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". رمضان علي السيد الشرنباصي، المرجع السابق.ص 245. [134] ) محمّد العربي هاشم : محاضرات في القانون المدني للسنة الأولى حقوق سنة 1989 – 1990 ص 162.[135] ) قرار تعقيبي مدني عدد2895، مؤرخ 25 ديسمبر 1979، ق. ت، 1981 ، عدد 1، ص97.[136] ) سمير عبد السيد تناغو، النظرية العامة للقانون, منشأة المعارف, الإسكندرية 1986. ص 257[137]( Ben Ammou N. ; Le pouvoir de contrôle de la cour de cassation, thèse, faculté de droit et de sciences politiques de Tunis, 1996.p .448, n°919 [138] ) ريم الهلالي ، المبادئ العامة للقانون, دراسة نظرية في القانون المدني, رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص, كلية الحقوق والعلوم السياسية, السنة الجامعية 1997-1998.ص 137.[139] ) كمال شرف الدين، مرجع سابق. ص148 فقرة142 [140] ) الفصل 559 م ا ع:"الأصل في الأمور الصحة والمطابقة للقانون حتى يثبت خلافه". [141] ) ذهب الحنابلة إلى أن من اسلم قبل قسمة التركة يرث، عملا بما روي عن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و الحسن بن علي و ابن مسعود، وهو ما قال به أيضا جابر بن زيد و الحسن و مكحول و قتادة و حميد و إياس بن معاوية و إسحاق (المغني: ج9/ص160 و الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: ج7/ص348) استنادا إلى الحديث النبوي:"من أسلم على شيء فهو له" (أخرجه البيهقي و سعيد بن منصور في سننه -رقم 190-) أنظر في تفاصيل ذلك : عبد الله بن محمد الرشيد، عقوبة الحرمان المالي في التشريع الإسلامي، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 2001. ص135-136-137.. [142] ) الفصل الأول تونس دولة حرة ، مستقلة ، ذات سيادة ، الإسلام دينها ، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها[143] ) الشاذلي النيفر، مسألة الإسلام واللغة أمام المجلس القومي التأسيسي، منشور في أعمال ملتقى حول المجلس القومي التأسيسي انعقد في كلية الحقوق بتونس أيام 29-30-31 ماي 1984. منشورات كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس 1986. ص 183. وقد جاء ذلك في سياق عرضه النقاش الذي رافق وضع وصياغة أحكام الفصل الأول من الدستور.[144] ) زهير مظفر، المجلس الدستوري، المطبعة الرسمية- تونس.1993. فعلى الرغم من تعرض المؤلف إلى حالات عدم مراعاة الباب الأول من الدستور فإنه لا توجد أي إشارة الى ذلك الجزء من الفصل الأول. كما أنه ومنذ أن أصبحت آراء المجلس تنشر في الرائد الرسمي فإنه لم يقع التطرق لتلك الأحكام. وتجدر الإشارة هنا الى ان هذا الوضع السلبي قد يكون مرده عدم ورود أي نص على المجلس فيه تعارض مع أحكام الشريعة، مما يعني ان البت في ذلك يستوجب مراجعة جملة القوانين التي نظر فيها المجلس منذ إحداثه سنة 1988. [145] ) الفصل 5 تضمن الجمهورية التونسية الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها تقوم الجمهورية التونسية على مبادئ دولة القانون والتعددية وتعمل من اجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته. تعمل الدولة والمجتمع على ترسيخ قيم التضامن والتآزر والتسامح بين الأفراد والفئات والأجيال . الجمهورية التونسية تضمن حرمة الفرد وحرية المعتقد وتحمي حرية القيام بالشعائر الدينية ما لم تخل بالأمن العام.

[146] ) زهير مظفر، المرجع السابق.ص123. وذلك قبل تنقيحه سنة بموجب القانون الدستوري عدد 51 لسنــة 2002 مؤرخ في 01 جوان 2002 يتعلق بتنقيح بعض أحكام الدستور ( استفتاء تنقيح الدستور). وإضافة الفقرتين الأولى والثانية لها المتعلقتين بحقوق الإنسان والتسامح. [147]) الفصل 6 كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون [148] ) زهير مظفر، المرجع السابق.ص123.

[149]) الفصل 7 يتمتع المواطن بحقوقه كاملة بالطرق والشروط المبينة بالقانون ، ولا يحدّ من هذه الحقوق إلا بقانون يتخذ لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي

[150] ) شرف الدين ص147 فقرة141

[151] ) يمكن القول أن هذه المسألة باتت اليوم من مواضيع القانون الدولي الخاص، أما في الفقه الإسلامي فقد جاء في الجزء الثاني من الموسوعة الفقهية الكويتية مايلي:" واختلاف الدّارين عند الفقهاء بمعنى اختلاف الدّولتين اللّتين ينتسب إليهما الشّخصان . فإن كان اختلاف الدّارين بين مسلمين لم يؤثّر ذلك شيئاً ؛ لأنّ ديار الإسلام كلّها دار واحدة . قال السّرخسيّ : « أهل العدل مع أهل العدل يتوارثون فيما بينهم ؛ لأنّ دار الإسلام دار أحكام ، فباختلاف المنعة والملك لا تتباين الدّار فيما بين المسلمين ؛ لأنّ حكم الإسلام يجمعهم » . وهذا الّذي قاله السّرخسيّ في حقّ المسلمين لم ينقل فيه خلاف ، إلاّ ما قال العتّابيّ : إنّ من أسلم ولم يهاجر إلينا لا يرث من المسلم الأصليّ سواء كان في دارنا، أو كان مستأمناً بدار الحرب . قال ابن عابدين: وقول العتّابيّ مدفوع بأنّ هذا كان في ابتداء الإسلام حين كانت الهجرة فريضةً. فقد نفى اللّه تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: { والّذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا } ، فلمّا كانت الولاية بينهما منتفيةً كان الميراث منتفياً ؛ لأنّ الميراث على الولاية . فأمّا اليوم فإنّ حكم الهجرة قد نسخ . قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا هجرة بعد الفتح » . قال السّرخسيّ: «فأمّا دار الحرب فليست بدار أحكام ، ولكن دار قهر . فباختلاف المنعة والملك تختلف الدّار فيما بينهم ، وبتباين الدّار ينقطع التّوارث . وكذلك إذا خرجوا إلينا بأمان، لأنّهم من دار الحرب وإن كانوا مستأمنين فينا ، فيجعل كلّ واحد في الحكم كأنّه في منعة ملكه الّذي خرج منه بأمان » . أمّا أهل الذّمّة فإنّهم من أهل دار الإسلام ، ولذا فهم مخالفون في الدّار لأهل الحرب . أمّا الحربيّون فيما بينهم فإنّ دورهم قد تتّفق وقد تختلف . قال ابن عابدين شارحاً معنى اختلاف الدّارين : « اختلافهما باختلاف المنعة أي العسكر ، واختلاف الملك ، كأن يكون أحد الملكين في الهند ، وله دار ومنعة ، والآخر في التّرك ، وله دار ومنعة أخرى ، وانقطعت العصمة بينهم حتّى يستحلّ كلّ منهم قتال الآخر . فهاتان الدّاران مختلفتان ، فتنقطع باختلافهما الوراثة ؛ لأنّها تنبني على العصمة والولاية . أمّا إن كان بينهما تناصر وتعاون على أعدائهما كانت الدّار والوراثة ثابتةً ».

[152] ) قد يقول قائل بأن الرق ألغي منذ دولة حمودة باشا سنة 1841 وبالتالي فلا مجال للحديث عنه، ولكن هذا ولئن كان صحيحا فإن فيه تجاوزا لما ورد في لائحة الشيخ الجعيط المصدر المادي المباشر للمجلة والتي تضمنت صراحة مانع الرق مع ضبطه وتفصيله، وهي لائحة أعدت بعد قرابة مائة سنة تقريبا من إلغاء العبودية إذ تم الفراغ منها سنة 1948، و هو ما قد يوحي بأن واضعيها لهم موقف أخر من الرق. (أنظر الفصل 789 من اللائحة). حالهم في ذلك و للآسف الشديد حال العديد من الفقهاء و الشراح المعاصرين اللذين لا تزال مؤلفاتهم تخصص حيزا لمانع الرق، ويكفي الرجوع إلى أي مؤلف يتعلق بالمواريث في الشريعة للتأكد من ذلك. أنظر مثلا: محمد علي الصابوني، مرجع سابق. ص38-39. و دعيج المطيري،أحكام الميراث، مجلس النشر العلمي. جامعة الكويت.طبعة 2002.ص21-22. و شوقي عبده الساهي، موسوعة أحكام المواريث، دار الحكمة. دمشق، الطبعة الأولى 1988. ص 122-123. و هناك من تعرض لهذا المانع من باب القيمة التاريخية: حسين بن سليمة، أحكام المواريث في الشريعة والقانون، أوربيس للطباعة، تونس.1998. ص14.

[153] ) سبق عرض موقفهم في المقدمة.

[154] ) و من تلك التشريعات نجد مثلا: المادة 400 من مدونة الأسرة المغربية لسنة 2004: "كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف". و المادة (183)من قانون الأحوال الشخصية الأردني لسنة 1976: "ما لا ذكر له في هذا القانون يرجع فيه إلى الراجح من مذهب أبي حنيفة".

[155] ) و يبرر الأستاذ ساسي بن حليمة ذلك بقوله:"و أنى لها أن تفعل ذلك وهي المنطبقة على جميع التونسيين بقطع النظر عن ديانتهم يهودا كانوا أم مسيحيين أو مسلمين أو غير متدينين بدين" مقال: قانون العائلة بين الجمود و التطور، ملتقى تأثير القرن العشرين في القانون التونسي الخاص، كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس أفريل 1988. مجموعة لقاءات الحقوقيين، العدد 8. تونس 2000. ص 43.

[156] ) فالمجلة في صيغتها الحالية تشير إلى الدين في الحضانة الفصل 59: "إذا كانت مستحقة الحضانة من غير دين أب المحضون فلا تصح حضانتها إلا إذا لم يتم المحضون الخامسة من عمره وأن لا يخشى عليه أن يألف غير دين أبيه، ولا تنطبق أحكام هذا الفصل على الأم إن كانت هى الحاضنة". و في الوصية الفصل174:"تصح الوصية مع اختلاف الدين بين المو صي والموصى له".

[157] ) بلغ عدد الفصول المنقول عن اللائحة بصفة حرفية أو بتصرف يسير 127. راجع بالنسبة لتلك الفصول و ما يقابلها في اللائحة: محمد بوزغيبة: المرجع السابق. ص417 و ما بعدها.

[158] ) اضيفتا إلى المجلة لاحقا بالقانون عدد 77 لسنة 1959 المؤرخ فى 19 جوان 1959.

[159]) ريم الهلالي: مرجع سابق. ص 133 .[160] Gérard (PH), Droit, Egalité et Idéologie, Contribution à l’étude critique des principes généraux du droit, Bruxelles, Fac. Uni. St. Louis, 1981,. p.178.

[161] ) المادة 2/1/هـ من اتفاقية فيانا لقانون المعاهدات لسنة 1969.

[162] ) أنظر مداولات مجلس النواب لسنة1966 السنة 8 ، العدد 4 ، ص 43 و ما بعدها. [163] ) أنظر كامل أحكام هذه الاتفاقية المنشورة في الرائد الرسمي عدد 16 لسنة 1967 المؤرخ في 4-7 أفريل 1967، ص 522 و ما بعدها.

[164] ) القانون عدد 64 لسنة 1993 مؤرخ في 5 جويلية 1993 يتعلق بنشر النصوص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية وبنفاذه، ومما جاء فيه: الفصل الأول فقرة أولى: يكون نشر القوانين والمراسيم والأوامر والقرارات بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية باللغة العربية.الفصل2 فقرة أولى: تكون النصوص القانونية والترتيبية نافذة المفعول بعد مضي خمسة أيام على إيداع الرائد الرسمي المدرجة به بمقر ولاية تونس العاصمة.[165] ) محمد نور فرحات، الدين والدستور في مصر، مقال سابق الذكر.

أدوات شخصية

المتغيرات
النطاقات
أفعال
تصفح
حركة (ح .ا. ق)
المشاركة والمساعدة
أدوات